هل يقترب العالم من نهاية الغذاء الرخيص؟ المناخ والحروب يرفعان كلفة الطعام
المؤشر 30-08-2026 لسنوات طويلة، بدا ارتفاع أسعار الغذاء وكأنه مشكلة مرتبطة بالمستهلك وحده، من تقلص أحجام بعض المنتجات إلى زيادة قيمة الفاتورة الشهرية. لكن التطورات التي يشهدها القطاع الزراعي عالميًا تشير إلى أن القضية قد تكون أعمق من ذلك، مع تزايد الضغوط التي تهدد إنتاج الغذاء وتكاليفه.
وعلى الرغم من موجات الغلاء التي شهدتها الأسواق خلال السنوات الماضية، لا يزال الغذاء يمثل حصة محدودة نسبيًا من إنفاق الأسر في عدد من الاقتصادات المتقدمة. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، تشير البيانات الرسمية إلى أن الطعام يستحوذ على نحو 10% من متوسط الإنفاق الأسبوعي للأسر، وهي نسبة تراجعت تدريجيًا على مدى عقود.
لكن استمرار هذه المعادلة قد يصبح أكثر صعوبة في المستقبل، مع تعرض الإنتاج الزراعي لتغيرات مناخية متسارعة وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والعمالة.
الطقس القاسي يهدد الإنتاج الزراعي
شهدت مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي خلال الصيف موجات من الطقس المتطرف، قدمت مؤشرًا على ما يمكن أن يواجهه القطاع الزراعي في السنوات المقبلة.
فقد تسببت حرائق الغابات في أوروبا القارية في تدمير مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، بينما يستعد المزارعون البريطانيون لموسم حصاد وصفه رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين بأنه قد يكون من بين أسوأ مواسم الحصاد على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، يثير نمط مناخي قوي وغير معتاد مرتبط بظاهرة "إل نينيو" مخاوف بشأن تأثيره في النشاط الزراعي بمناطق مختلفة من أميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا.
وتشير دراسة أعدها علماء واقتصاديون في البنك المركزي الأوروبي إلى أن الصدمات المناخية قد تضيف ما بين 0.9 و3.2 نقطة مئوية إلى تضخم أسعار الغذاء عالميًا بحلول عام 2035.
وقد ينعكس ذلك على التضخم العام بزيادة تتراوح بين 0.3 و1.2 نقطة مئوية.
المناخ ليس المشكلة الوحيدة
ولا تأتي الضغوط التي تواجه الزراعة من تغير المناخ وحده.
فالحروب والتوترات الجيوسياسية ترفع تكاليف الوقود والأسمدة، بينما تؤدي زيادة تكاليف العمالة والنمو السكاني إلى إضافة أعباء جديدة على المزارعين.
وفي الولايات المتحدة، يتوقع بعض العاملين في القطاع الزراعي تراجعًا كبيرًا في أداء الصناعة، في ظل ارتفاع تكاليف المدخلات وتراجع هوامش الربح
وتعني هوامش الربحية الضيقة أن المزارعين يملكون قدرة أقل على الاستثمار في المعدات والتقنيات وتحسين الإنتاج، وهو ما قد يزيد صعوبة الاستجابة للطلب العالمي المتنامي على الغذاء.
ويرى محللو بنك UBS أن تداخل هذه العوامل قد يؤدي إلى تحول أسعار الغذاء نحو مستوى تضخم "أعلى هيكليًا" من متوسطها التاريخي الذي يقدر بنحو 2.5%.
ارتفاع أسعار الطعام قد يعيد تشكيل الأسواق
ولا يتوقف أثر هذه التحولات عند المستهلكين أو المزارعين، إذ يمكن أن تمتد تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء إلى الشركات والأسواق المالية والاقتصادات الوطنية.
وقد رصد بحث لـUBS أكثر من 100 مجموعة مدرجة يمكن أن تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتغيرات قطاع الغذاء والزراعة.
وبعض الشركات قد تستفيد من زيادة الإنفاق على الزراعة. ومن الأمثلة على ذلك شركة ألفا لافال السويدية، التي توفر معدات للمزارع ومنشآت إنتاج الألبان، إذ قد تستفيد من توجه المزارعين نحو زيادة الاستثمار في الإنتاج والكفاءة.
لكن التأثير قد يكون سلبيًا على قطاعات أخرى. فشركات التجزئة والضيافة، مثل "نكست" و"أكور"، قد تواجه ضغوطًا إذا اضطر المستهلكون إلى تقليص الإنفاق على الملابس والسفر والخدمات غير الأساسية لتعويض الزيادة في تكلفة الغذاء.
وتبقى هذه مجرد أمثلة على التأثير المباشر، بينما يمكن أن تكون التداعيات غير المباشرة أكثر اتساعًا وتصل إلى اقتصادات كاملة.
من الحقول إلى أسعار الفائدة
قد يبدو للوهلة الأولى أن أسعار الغذاء لا علاقة لها بقرارات البنوك المركزية، لكن ارتفاعها المستمر يمكن أن يتحول إلى مصدر ضغط على السياسة النقدية.
فالبنوك المركزية تميل إلى التركيز على مؤشرات التضخم الأساسي التي تستبعد في كثير من الحالات أسعار الغذاء والطاقة، لكن المستهلكين لا يستبعدون هذه البنود عندما يقيسون تكلفة معيشتهم.
وإذا أدى ارتفاع تكلفة الطعام إلى مطالبة العمال بزيادات في الأجور لتعويض انخفاض القوة الشرائية، فقد تتولد موجة جديدة من الضغوط التضخمية.
وفي هذه الحالة، قد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو تشديد السياسة النقدية.
وبالتالي، فإن تراجع محصول زراعي في البرازيل، على سبيل المثال، يمكن أن تبدأ آثاره من سوق الغذاء ثم تنتقل عبر التضخم إلى قرارات السياسة النقدية، وصولًا إلى تكلفة الاقتراض والرهن العقاري في دول بعيدة مثل فرنسا.
أزمة الغذاء تتحول إلى ملف استثماري
تراجع الاهتمام في السنوات الأخيرة ببعض أشكال الاستثمار التي تركز على الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة، وسط انتقادات متزايدة لهذا النوع من الاستثمار.
لكن التحولات التي يشهدها قطاع الغذاء قد تعيد وضع مخاطر المناخ في صدارة حسابات المستثمرين، ليس باعتبارها قضية بيئية فحسب، وإنما باعتبارها عاملًا اقتصاديًا قادرًا على التأثير في أرباح الشركات والتضخم وأسعار الفائدة.
فإذا تحولت أسعار الغذاء المرتفعة إلى ظاهرة مستمرة وليست مجرد موجات مؤقتة، فإن الاقتصاد العالمي قد يكون أمام تغير هيكلي طويل الأمد.
وهذا التغير يمكن أن يؤثر في قطاعات متعددة، وربما يصبح من حيث نطاقه الاقتصادي شبيهًا بتحولات كبرى شهدتها الأسواق مع انتشار الذكاء الاصطناعي أو صعود أدوية إنقاص الوزن المعروفة باسم GLP-1.
فاتورة الغذاء أكبر من سعرها على رف المتجر
المسألة في النهاية لا تتعلق فقط بسعر البيض أو الخبز أو الشوكولاتة في المتجر.
فارتفاع تكلفة الغذاء يبدأ من تغيرات الطقس وتكاليف الزراعة، ثم ينتقل إلى النقل والطاقة والأسمدة والعمالة، قبل أن يصل إلى المستهلك والشركات والحكومات والبنوك المركزية.
ولهذا قد يصبح سؤال المستثمر في المستقبل ليس فقط: "كيف سيتغير سعر الغذاء؟"، بل أيضًا: ما الشركات والقطاعات والاقتصادات التي ستربح أو تخسر إذا لم يعد الغذاء رخيصًا كما كان؟
وفي عالم تتزايد فيه المخاطر المناخية والجيوسياسية، قد تكون نهاية عصر الغذاء الرخيص تحولًا اقتصاديًا واسعًا يتجاوز بكثير رفوف المتاجر.



