الضفة في قلب الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.. هل يتحول التصعيد إلى ورقة بيد نتنياهو؟
المؤشر 29-08-2026 مع اقتراب الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يتزايد الربط بين التطورات الأمنية في الضفة الغربية وبين المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطًا متزايدة داخل معسكر اليمين وتراجعًا في مؤشرات التأييد لحزبه، وفق استطلاعات رأي متداولة.
وفي هذا السياق، تبدو جنين واحدة من أبرز ساحات التصعيد، بالتزامن مع استمرار الاقتحامات والاعتقالات وتدمير البنية التحتية وتصاعد اعتداءات المستعمرين في مناطق مختلفة من الضفة.
جنين.. تصعيد لافت في الضفة
أعاد القصف الجوي الذي استهدف، اليوم، ثلاثة من قادة "سرايا القدس" في منطقة حرش السعادة بمدينة جنين، بينهم قيس البيطاوي، تسليط الضوء على طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ويكتسب استخدام الطيران في مثل هذه العمليات أهمية خاصة، بالنظر إلى محدودية اللجوء إليه في الضفة مقارنة بقطاع غزة، ما يعكس مستوى التصعيد الذي تشهده المنطقة.
ولا تأتي العملية في جنين بمعزل عن المشهد العام في الضفة، حيث تتواصل المداهمات العسكرية والاعتقالات وعمليات هدم وتخريب الممتلكات، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة اعتداءات المستعمرين على الفلسطينيين وأراضيهم.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع قد يوفر لنتنياهو مساحة لتعزيز صورته أمام قاعدته اليمينية باعتباره قادرًا على التعامل مع التحديات الأمنية، في وقت يواجه فيه ضغوطًا سياسية داخلية متزايدة.
تراجع الليكود يضع نتنياهو أمام اختبار صعب
وتشير استطلاعات رأي إسرائيلية حديثة إلى تراجع في قوة حزب الليكود مقارنة بنتائج الانتخابات السابقة، وسط منافسة متزايدة من أحزاب وشخصيات داخل معسكر اليمين وخارجه.
وبحسب معطيات نُقلت عن محادثات مغلقة، أقر نتنياهو بأن الليكود قد يخسر عددًا من مقاعده في الانتخابات المقبلة إذا لم يطرأ تغيير على المشهد السياسي، فيما تحدثت استطلاعات أخرى عن خسارة الحزب ما يصل إلى 12 مقعدًا.
ولا يقتصر التحدي الذي يواجهه نتنياهو على أحزاب المعارضة، إذ يشهد اليمين الإسرائيلي نفسه حالة من إعادة الاصطفاف مع ظهور قوى سياسية جديدة تسعى إلى جذب أصوات الناخبين اليمينيين.
ومن بين هذه القوى حزب "شعبك إسرائيل" بقيادة عوفر فينتر، الذي قد ينافس أحزابًا قائمة داخل المعسكر ذاته على الأصوات، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة مهمة نتنياهو في الحفاظ على تماسك ائتلافه.
وفي المقابل، تظهر شخصيات معارضة مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت في مواقع متقدمة ببعض استطلاعات الرأي، ما يعكس اتساع دائرة المنافسة على رئاسة الحكومة.
الأمن والاستيطان في خدمة المعركة السياسية
في ظل هذه المعطيات، يبرز الملف الأمني باعتباره أحد أهم الأوراق التي يمكن أن تؤثر في سلوك الناخب الإسرائيلي.
فالتصعيد العسكري في الضفة، إلى جانب تسريع مشاريع الاستيطان، يوفر للحكومة الإسرائيلية أدوات لمخاطبة جمهور اليمين والمستوطنين، خصوصًا مع طرح مشاريع جديدة في مناطق استراتيجية، من بينها منطقة E1 شرق القدس.
كما أن توسيع المستوطنات والبؤر وإضفاء طابع رسمي على بعضها ينسجم مع مطالب التيار اليميني المتطرف داخل الائتلاف الحاكم، الذي يدفع باتجاه فرض مزيد من السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة.
ويرى محللون أن هذه السياسات لا تنفصل عن محاولة نتنياهو المحافظة على تماسك ائتلافه، في ظل الخلافات الداخلية والضغوط السياسية التي يواجهها.
تحذيرات من انفلات الوضع
لكن استمرار التصعيد يثير في الوقت نفسه مخاوف من فقدان السيطرة على الأوضاع في الضفة الغربية.
وقد برزت تحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن التداعيات المحتملة لتصاعد عنف المستعمرين والسياسات المتبعة في الضفة، وما يمكن أن تسببه من تفاقم التوتر وتحول الأوضاع إلى مواجهة أوسع.
ويضع ذلك الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة معقدة: فمن جهة، تحتاج إلى الحفاظ على دعم اليمين المتشدد وتلبية مطالبه الأمنية والاستيطانية، ومن جهة أخرى، تواجه خطر اتساع دائرة العنف بما قد يؤدي إلى فتح جبهة إضافية في وقت تخوض فيه إسرائيل حربًا طويلة في قطاع غزة.
انتخابات على وقع التصعيد
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يظل السؤال الأبرز هو مدى تأثير التطورات الأمنية على خيارات الناخب الإسرائيلي.
ففي التجارب السياسية الإسرائيلية السابقة، غالبًا ما يحتل الأمن موقعًا متقدمًا في الحملات الانتخابية، ويصبح التصعيد العسكري عاملًا مؤثرًا في إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع.
وبالنسبة إلى نتنياهو، فإن استمرار التوتر قد يمنحه فرصة لإعادة تقديم نفسه بوصفه صاحب الخبرة الأكبر في الملفات الأمنية، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبيرة إذا خرجت الأوضاع في الضفة عن نطاق السيطرة.
أما على الجانب الفلسطيني، فإن انعكاسات هذه الحسابات تتجسد في مزيد من الاقتحامات والاعتقالات والضحايا والتهجير وتدمير الممتلكات، ما يجعل الضفة الغربية أمام مرحلة شديدة الحساسية خلال الفترة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية.
وفي نهاية المطاف، قد تتحول الضفة، ولا سيما جنين، إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس السياسي الإسرائيلي، في وقت يدفع فيه الفلسطينيون كلفة التصعيد على الأرض، بعيدًا عن صناديق الاقتراع والحسابات الحزبية التي تقف خلف المشهد السياسي الإسرائيلي.



