من سياسة الغموض إلى فرض السيادة: تحولات المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية
ويذهب هذا التحليل إلى أن المسار مرّ بمرحلتين أساسيتين: الأولى اتسمت بما يمكن وصفه بـ«أيديولوجيا الإنكار»، حيث جرى الاعتماد على الغموض القانوني والمبررات الأمنية والإجراءات المؤقتة لتثبيت الوجود الاستيطاني، بينما تتجه المرحلة الراهنة نحو ما يُعرف بـ«قوانين الحسم»، التي تقوم على تحويل الوقائع الميدانية إلى ترتيبات قانونية وإدارية دائمة.
«المؤقت» كغطاء للتمدد الاستيطاني
في السنوات التي أعقبت حرب 1967، تجنبت الحكومات الإسرائيلية إعلان ضم الضفة الغربية بصورة مباشرة، في ظل إدراكها للتداعيات القانونية والسياسية الدولية المترتبة على مثل هذه الخطوة.
وفي هذا السياق، لم تتعامل إسرائيل رسمياً مع الضفة باعتبارها أرضاً محتلة وفق التعريف الذي تتمسك به المنظومة الدولية، بل استخدمت تعبير «الأراضي المتنازع عليها»، وهو موقف ارتبط برفض تطبيق بعض الالتزامات التي تفرضها اتفاقية جنيف الرابعة على القوة القائمة بالاحتلال.
كما جرى تقديم أجزاء من المشروع الاستيطاني، في مراحل مختلفة، باعتبارها ذات أغراض أمنية. واستُخدمت هذه الحجج أمام القضاء الإسرائيلي في قضايا تتعلق بمصادرة الأراضي، حيث قُدمت بعض المستوطنات باعتبارها مواقع تخدم احتياجات عسكرية أو دفاعية.
وبالتوازي مع ذلك، تطورت سياسة تقوم على خلق وقائع جديدة على الأرض من دون إعلان ضم شامل. فقد توسعت شبكات الطرق والمياه والكهرباء والبنية التحتية التي تربط المستوطنات بإسرائيل، ما أدى تدريجياً إلى زيادة اندماجها اقتصادياً وإدارياً مع الدولة.
وبهذه الطريقة، استمر الغموض بشأن الوضع النهائي للضفة، في حين كانت الوقائع الميدانية تتغير بصورة متواصلة.
من الغموض إلى «قوانين الحسم»
مع صعود التيارات اليمينية والقومية الدينية إلى مواقع مؤثرة في الحكومة الإسرائيلية، برز توجه أكثر وضوحاً نحو تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة من خلال إجراءات تشريعية وإدارية.
ويستند هذا التوجه، وفق التحليل، إلى أفكار «خطة الحسم» التي ارتبطت بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على إنهاء الصراع من خلال فرض وقائع سيادية تحول دون قيام كيان فلسطيني مستقل.
وفي ظل هذا النهج، لم يعد الاستيطان يقدم باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً، وإنما بوصفه حقاً قومياً وتاريخياً وسيادياً من وجهة نظر التيار الداعم له.
ومن أبرز الخطوات التي تعكس هذا التحول إلغاء أجزاء من «قانون الانفصال» الذي صدر عام 2005، الأمر الذي أتاح للمستوطنين العودة إلى مناطق في شمال الضفة الغربية كانت قد أُخليت.
كما برزت خطوة نقل صلاحيات مدنية وإدارية كانت بيد القيادة العسكرية الإسرائيلية في الضفة إلى جهات ووزارات مدنية. وتشمل هذه الصلاحيات مجالات مثل التخطيط والبناء وإدارة الأراضي والمياه وبعض الشؤون المدنية.
ويرى منتقدو هذه الإجراءات أنها تمثل شكلاً من أشكال الضم التدريجي، لأنها تقلص الفارق بين إدارة الأراضي الفلسطينية بوصفها منطقة عسكرية وبين إدارتها من خلال مؤسسات الدولة المدنية.
البؤر والاستيطان الرعوي كأداة للسيطرة على الأرض
شهدت السنوات الأخيرة أيضاً خطوات باتجاه إضفاء طابع قانوني على عدد من البؤر الاستيطانية التي كانت توصف سابقاً بأنها غير مرخصة وفق القانون الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، توسع نمط آخر من الاستيطان يعرف بـ«الاستيطان الرعوي»، من خلال إنشاء مزارع وبؤر صغيرة قادرة على السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، ولا سيما في المناطق المصنفة «ج».
ويرى مراقبون أن هذا النمط يحقق تأثيراً جغرافياً كبيراً بأعداد محدودة من المستوطنين، خصوصاً في المناطق الريفية ومناطق الأغوار، بينما ترتبط توسعاته في حالات عديدة بتوترات واعتداءات ضد التجمعات الفلسطينية.
نحو منظومة استيطانية متكاملة
أدى تراكم هذه الإجراءات، بحسب هذا الطرح، إلى نشوء منظومة استيطانية ذات بنية إدارية واقتصادية وأمنية واسعة داخل الضفة الغربية.
وتتمتع المجالس الإقليمية والمحلية للمستوطنات بصلاحيات تتجاوز في بعض الحالات المهام البلدية التقليدية، من خلال مشاركتها في مراقبة الأراضي والبناء وتوفير خدمات الحراسة والأمن.
كما أصبحت بعض فرق الحراسة المحلية جزءاً من منظومة أمنية أوسع، خصوصاً بعد تسليحها وتوسيع أدوارها في المناطق الاستيطانية.
ويرى منتقدو هذه السياسة أن العلاقة بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي باتت أكثر تداخلاً، وأن الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين لا يمكن فصلها، في كثير من الحالات، عن البيئة الأمنية والقانونية التي تجري فيها.
ويُنظر إلى العنف في هذا السياق، من قبل منتقدي المشروع الاستيطاني، باعتباره أحد العوامل التي تدفع سكان بعض التجمعات الفلسطينية إلى مغادرة أراضيهم، خصوصاً في مناطق الأغوار وجنوب الخليل وأجزاء أخرى من الضفة.
تداعيات على مستقبل الحل السياسي
يثير هذا التحول أسئلة كبيرة بشأن مستقبل التسوية السياسية، ولا سيما حل الدولتين. فكلما توسعت المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها، وتزايدت الإجراءات الرامية إلى دمجها إدارياً وقانونياً بإسرائيل، أصبحت إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقادرة على ممارسة سيادة كاملة أكثر تعقيداً.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن السلطة الفلسطينية تجد نفسها أمام واقع جغرافي وسياسي شديد التجزئة، في ظل استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات واسعة من الأرض والموارد.
كما يحذرون من تحول التهجير التدريجي للسكان الفلسطينيين من بعض المناطق إلى وسيلة لإعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة، في إطار ما يوصف بـ«الترانسفير الصامت».
وفي المقابل، يفرض هذا الواقع، وفق الرؤية المطروحة، إعادة تقييم الأدوات السياسية الفلسطينية والدولية المستخدمة في التعامل مع الصراع، والانتقال من التركيز على عملية تفاوضية مؤجلة إلى التركيز على قضايا الحقوق والسيادة والمساواة والقانون الدولي.
وبهذا المنظور، لم تعد الضفة الغربية مجرد أرض ينتظر وضعها النهائي تسوية سياسية، وإنما أصبحت ساحة لصراع متواصل حول طبيعة النظام السياسي والقانوني الذي سيحكمها، ومستقبل العلاقة بين المستوطنات والسكان الفلسطينيين، وإمكانية قيام كيان فلسطيني قابل للحياة.



