من يستقيل قبل الترشح؟.. المادة الثامنة تفتح نقاشاً حول تكافؤ الفرص في الانتخابات الفلسطينية

من يستقيل قبل الترشح؟.. المادة الثامنة تفتح نقاشاً حول تكافؤ الفرص في الانتخابات الفلسطينية

 المؤشر 18-08-2026   يفترض القانون الأساسي الفلسطيني أن المواطنين متساوون أمام القانون والقضاء، وأن المشاركة السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشح وتولي الوظائف العامة، تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص.

لكن شروط الترشح الواردة في المادة الثامنة من قانون الانتخابات تثير نقاشاً واسعاً حول مدى تساوي الكلفة التي يتحملها المرشحون، خصوصاً بين الموظفين والعاملين في المؤسسات الأهلية والهيئات العامة من جهة، وأصحاب الأعمال والمهن الحرة والقيادات السياسية من جهة أخرى.

وتلزم المادة (8) من قرار بقانون الانتخابات العامة رقم (1) لسنة 2007، وفق صيغتها المعدلة، عدداً من الفئات بتقديم استقالاتها والحصول على ما يثبت قبولها قبل الترشح لمنصب الرئيس أو عضوية المجلس التشريعي.

وتشمل الفئات المعنية الوزراء وموظفي الدولة المدنيين والأمنيين، وكل من يتقاضى راتباً أو مخصصاً شهرياً من خزينة الدولة أو الصناديق العامة التابعة لها أو الخاضعة لإشرافها، إلى جانب العاملين في المؤسسات العامة والهيئات الدولية والمنظمات الأهلية، فضلاً عن رؤساء وأعضاء مجالس الهيئات المحلية والمجالس المنتخبة في مؤسسات وهيئات أخرى.

الاستقالة لا تعني بالضرورة استعادة الوظيفة

وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في أن الموظف الذي يترك عمله بهدف خوض الانتخابات لا يملك ضمانة تلقائية بالعودة إليه إذا خسر.

فبحسب النص، يستطيع الموظف الحكومي الذي استقال للترشح التقدم مجدداً لشغل وظيفة إذا توفرت شاغر، لكنه يدخل عندها في إجراءات المنافسة والاختيار، من دون أن تكون وظيفته السابقة محفوظة له.

وتزداد القيود صرامة بالنسبة إلى فئات محددة، مثل القضاة والعسكريين وأفراد الشرطة والأمن والمحافظين ومن في حكمهم، إذ لا تتيح القواعد عودتهم إلى وظائفهم السابقة بعد الاستقالة والترشح وعدم الفوز.

ويضع ذلك بعض الموظفين أمام معادلة صعبة: ممارسة الحق في الترشح مقابل المخاطرة بمصدر الدخل والاستقرار الوظيفي.

ويرى أستاذ القانون في جامعة الخليل ومؤسس تجمع الكل الفلسطيني، المحامي بسام القواسمي، أن الصيغة الحالية للمادة قد تؤدي إلى تقييد مشاركة قطاعات واسعة من المجتمع، متسائلاً عن الفئات التي ستبقى قادرة على خوض الانتخابات إذا أصبحت الاستقالة شرطاً عملياً للترشح.

ويعتبر القواسمي أن ربط ممارسة الحق السياسي بالتخلي عن الوظيفة قد يدفع الموظف إلى الاختيار بين المشاركة السياسية والحفاظ على مصدر رزقه، داعياً إلى إعادة النظر في النص بما يضمن توسيع المشاركة بدلاً من تحويل شروط الترشح إلى عائق أمام فئات اجتماعية واسعة.

موظفو الجمعيات والهيئات الدولية أمام الشرط نفسه

تثير أحكام المادة تساؤلاً إضافياً بشأن العاملين في المنظمات الأهلية والهيئات الدولية.

فالنص لا يقصر شرط الاستقالة على من يتقاضى راتبه مباشرة من الخزينة الفلسطينية، بل يشمل، وفق صياغته، موظفي المنظمات الأهلية والهيئات الدولية.

وبالتالي قد يجد موظف يعمل محاسباً أو باحثاً أو إدارياً في مؤسسة أهلية أو دولية نفسه مطالباً بترك عمله قبل خوض الانتخابات، حتى لو كان راتبه ممولاً بالكامل من جهة خارجية ولا يتلقى أي مخصص من الموازنة الفلسطينية.

ولا يضمن النص بالضرورة عودة هذا الموظف إلى موقعه إذا لم يفز في الانتخابات.

وكانت أكثر من 120 مؤسسة أهلية قد اعترضت، وفق المعطيات الواردة في النص، على هذه القيود منذ انتخابات 2021. ورغم التعديلات التي أُدخلت لاحقاً على قانون الانتخابات، بقيت المادة الثامنة محل نقاش.

وهنا يبرز سؤال يتعلق بالغاية من الشرط: إذا كان الهدف هو منع استغلال المال العام أو النفوذ الوظيفي في الانتخابات، فما المبرر لفرض الكلفة نفسها على موظف إداري في مؤسسة أهلية أو هيئة دولية لا يمتلك سلطة عامة؟

هل تمنح القواعد أفضلية لمن يملك دخلاً مستقلاً؟

المشكلة لا تتعلق فقط بمن يملك الحق القانوني في الترشح، وإنما بمن يستطيع تحمل تبعات هذا الحق.

فرجل الأعمال يستطيع الاستمرار في إدارة نشاطه، كما يستطيع صاحب المهنة الحرة مواصلة عمله، بينما قد يضطر الموظف إلى التخلي عن وظيفته ودخله قبل أن يعرف ما إذا كان سيفوز بمقعد في المجلس التشريعي.

وقد يؤدي ذلك، بصورة غير مباشرة، إلى منح أصحاب الأعمال والدخل المستقل قدرة أكبر على دخول السباق الانتخابي مقارنة بالموظفين وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى.

ومن هنا يصبح السؤال الأوسع: هل تضمن شروط الترشح المساواة القانونية فقط، أم يجب أن تراعي أيضاً المساواة في القدرة العملية على خوض الانتخابات؟

ماذا عن النقابات والمجالس المنتخبة؟

تطرح صياغة المادة الثامنة كذلك إشكالية تتعلق بالقيادات النقابية، إذ تشير إلى ضرورة استقالة أعضاء ورؤساء المجالس المنتخبة في المؤسسات والهيئات الأخرى، مع اشتراط إعادة انتخابهم للعودة إلى مواقعهم.

وهذا يثير تساؤلات حول نطاق تطبيق النص على نقباء وأعضاء مجالس نقابات المحامين والصحفيين والأطباء والمهندسين والصيادلة والعمال وغيرها من الهيئات المهنية والنقابية.

وفي حال انطباق النص عليهم، فإن شخصاً وصل إلى موقعه النقابي عبر انتخابات شارك فيها آلاف الأعضاء قد يكون مطالباً بالتخلي عن منصبه حتى يتمكن من الترشح لانتخابات سياسية.

أما إذا كان النص لا يشمل هذه الحالات، فإن الحاجة تبدو قائمة إلى تفسير رسمي يحدد المقصود تحديداً واضحاً بالمجالس والهيئات المنتخبة الواردة في المادة.

أموال الفصائل تفتح باباً آخر للتساؤلات

وتتصل أكثر القضايا حساسية بمسألة المخصصات المالية التي تحصل عليها الفصائل الفلسطينية من الأموال المرتبطة بمؤسسات منظمة التحرير والصندوق القومي الفلسطيني.

وتشير تقارير رقابية، بينها ما وثقه ائتلاف أمان، إلى استمرار تقديم دعم مالي للفصائل من مخصصات الصندوق القومي، مع إثارة تساؤلات حول مستوى الشفافية في حجم هذه المخصصات وآليات توزيعها.

لكن وجود هذا المسار المالي لا يعني تلقائياً أن كل قيادي أو عضو في فصيل يتلقى شخصياً راتباً أو مخصصاً من المال العام، ولذلك لا يمكن تعميم الحكم على جميع القيادات من دون بيانات رسمية محددة.

مع ذلك، تطرح المادة الثامنة سؤالاً قانونياً يحتاج إلى إجابة واضحة: إذا ثبت أن شخصية قيادية أو متفرغاً فصائلياً يتلقى مخصصاً شهرياً من أموال مصدرها صندوق عام خاضع لإشراف الدولة، فهل يصبح ملزماً بالاستقالة قبل الترشح؟

وهل تتغير طبيعة المخصص بمجرد انتقال الأموال من الصندوق إلى مؤسسة أو فصيل قبل وصولها إلى المستفيد؟

هذه مسائل يفترض أن تحددها جهة رسمية بصورة مسبقة وبمعيار موحد، حتى لا تختلف شروط الترشح من شخص إلى آخر.

وضع القيادات السياسية يحتاج إلى توضيح

ولا تذكر المادة الثامنة أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالاسم ضمن الفئات الملزمة بالاستقالة، لكنها في الوقت نفسه تربط الحكم، في جانب منه، بالحصول على راتب أو مخصص شهري من الخزينة أو صندوق عام تابع لها أو خاضع لإشرافها.

وعليه، فإن تحديد وضع القيادات السياسية لا يعتمد فقط على الصفة التنظيمية، وإنما قد يرتبط أيضاً بطبيعة المنصب ومصدر الدخل والمخصصات التي يحصل عليها شاغله.

وهنا تظهر أهمية وجود تفسير رسمي منشور قبل بدء العملية الانتخابية، يوضح القواعد التي تنطبق على شاغلي المناصب السياسية العليا، كما يوضحها بالنسبة إلى موظفي الوزارات والمؤسسات والمنظمات الأهلية.

منصب نائب الرئيس يطرح اختباراً جديداً

وتزداد الأسئلة تعقيداً في حالة نائب الرئيس حسين الشيخ، إذا قرر الترشح للانتخابات أو جرى إدراجه ضمن قائمة انتخابية.

فالشيخ يشغل منصب نائب رئيس دولة فلسطين ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كما يشغل موقعاً قيادياً في حركة فتح.

ويشير النص إلى أن منصب نائب الرئيس استُحدث بعد تعديل المادة الثامنة عام 2021، فيما لم تحدد التعديلات اللاحقة، بحسب المعطيات الواردة، وضع شاغل هذا المنصب بصورة صريحة في ما يتعلق بالاستقالة قبل الترشح.

ومن ثم تبرز مجموعة من الأسئلة القانونية: هل يتعين على نائب الرئيس الاستقالة من منصبه قبل الترشح؟ وهل تنطبق عليه أحكام المادة إذا كان يتقاضى راتباً أو مخصصاً يخضع لشروطها؟ وإذا كانت الاستقالة مطلوبة، فما نطاقها، وهل تشمل المناصب السياسية والتنظيمية الأخرى التي يشغلها؟

ولا تقتصر هذه التساؤلات على نائب الرئيس، بل يمكن أن تمتد إلى أعضاء الهيئات القيادية المنتخبة في الفصائل والأحزاب، بحسب طبيعة مواقعهم ومصادر دخلهم ومدى انطباق النص عليهم.

تفاوت كلفة الترشح بين الموظف والمسؤول

تكمن إحدى المفارقات الأساسية في أن الموظف العادي يواجه قواعد واضحة وقاسية نسبياً عند الترشح، وقد يخسر وظيفته إذا لم يفز، بينما تصبح الصورة أقل وضوحاً عندما يتعلق الأمر ببعض المواقع السياسية والتنظيمية العليا.

وهذا لا يعني بالضرورة أن القانون يعفي كبار المسؤولين أو القيادات الحزبية، لكنه يعني أن هناك حاجة إلى قواعد معلنة تفسر كيفية تطبيق المادة الثامنة على الجميع، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول سياسي.

فالمعيار الذي يضمن المساواة لا ينبغي أن يرتبط بمكانة الشخص أو موقعه، بل بطبيعة الوظيفة ومصدر الدخل ومدى انطباق النص القانوني عليه.

مسؤولية لجنة الانتخابات والتشريع

ولا تقتصر المسألة على لجنة الانتخابات وحدها. فالتعديلات التشريعية الأخيرة أبقت المادة الثامنة موضع جدل، رغم ظهور مناصب وتطورات سياسية جديدة، الأمر الذي يعيد طرح الحاجة إلى معالجة تشريعية أكثر وضوحاً.

كما أن تفسير اللجنة للنص لا يعني بالضرورة أن هذا التفسير سيكون بمنأى عن الطعن أمام القضاء، خصوصاً إذا نشأ خلاف حول أهلية مرشح أو قائمة. وقد يؤدي اختلاف تفسير النص بين الجهة المشرفة على الانتخابات والجهات القضائية إلى نزاعات قانونية تؤثر في العملية الانتخابية.

لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إعلان القواعد والمعايير قبل تسجيل المرشحين والقوائم، لا بعد ظهور أسمائهم، حتى لا يُنظر إلى تفسير القانون باعتباره موجهاً ضد مرشح بعينه.

وفي النهاية، لا يتعلق الجدل بحركة فتح أو حماس أو أي فصيل سياسي محدد، وإنما بمبدأ أوسع: هل يستطيع الموظف ورجل الأعمال والقيادي السياسي والنقابي دخول المنافسة الانتخابية وفق شروط متقاربة؟

فإذا كانت الغاية من الاستقالة هي حماية الانتخابات من استغلال الوظيفة والنفوذ والمال العام، فمن المنطقي أن يكون تطبيق القاعدة موحداً وواضحاً على كل من تنطبق عليه شروطها.

ويبقى السؤال الأهم: هل تحقق المادة الثامنة حماية لنزاهة الانتخابات، أم أن كلفة الترشح التي تفرضها قد تجعل الوصول إلى المجلس التشريعي أسهل لمن يملك القدرة المالية على تحمل تبعات المنافسة؟

وهذا السؤال لا تحسمه لجنة الانتخابات وحدها، بل يحتاج إلى إجابة تشريعية وقضائية واضحة تضمن أن يكون تكافؤ الفرص مبدأً عملياً، لا مجرد نص دستوري.