معارك متصاعدة في السودان.. الجيش يعلن صد هجوم من إثيوبيا والنزوح يتسع في دارفور
معارك في النيل الأزرق
أعلن الجيش السوداني التصدي لهجوم شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا على مدينة قيسان في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.
وقال مصدر عسكري سوداني، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الهجوم جاء من داخل الأراضي الإثيوبية، مشيرًا إلى أن القوات الحكومية تمكنت من صد المهاجمين وإلحاق خسائر كبيرة في صفوفهم.
وأكدت سلطات محافظة قيسان وقوع الهجوم، وقالت إن القوات المسلحة والقوات المساندة لها خاضت معارك عنيفة وتمكنت من التصدي للقوات المهاجمة، ووصفت الهجوم بأنه اعتداء وقع في توقيت حساس يتزامن مع موسم الحصاد.
وتتهم الحكومة السودانية منذ أشهر قوات الدعم السريع باستخدام الأراضي الإثيوبية كنقطة انطلاق لتنفيذ هجمات داخل السودان، وهو ما تنفيه أديس أبابا.
في المقابل، أعلنت الحكومة الموازية المرتبطة بقوات الدعم السريع وحلفائها أن قواتها تمكنت من السيطرة على مدينة قيسان، وقالت إنها استولت على مواقع عسكرية وكميات من الأسلحة والمعدات، متحدثة عن خسائر كبيرة في صفوف الجيش.
وبذلك تتضارب روايتا طرفي النزاع بشأن نتيجة المعركة، في ظل استمرار القتال حول مناطق استراتيجية في النيل الأزرق.
اتهامات متبادلة بشأن الحدود
وتصاعدت خلال الأشهر الماضية الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية في الحرب السودانية.
وكانت الحكومة السودانية قد اتهمت في مايو/أيار الماضي إثيوبيا والإمارات بتسهيل تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية واستهدفت مواقع سودانية، من بينها مناطق في الخرطوم ومطار العاصمة.
وتتهم الخرطوم أبوظبي أيضًا بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات هذه الاتهامات. كما نفت إثيوبيا وجود قوات تابعة للدعم السريع أو قوات إماراتية داخل أراضيها.
وتزامنت هذه التطورات مع عودة التوتر إلى إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، ما دفع مئات الإثيوبيين إلى عبور الحدود باتجاه السودان خلال وقت سابق من الشهر الجاري، وفق مصادر سودانية.
وكانت أديس أبابا قد اتهمت الخرطوم في وقت سابق بدعم عناصر مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وهو ما نفته الحكومة السودانية.
جبهة النيل الأزرق تزداد أهمية
وتشهد مناطق النيل الأزرق منذ أشهر مواجهات متكررة بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائها، فيما اكتسبت محافظة قيسان أهمية إضافية بسبب قربها من الحدود الإثيوبية وارتباط المنطقة بشبكة طرق ومسارات إمداد عسكرية.
وكان الجيش السوداني قد أعلن في يونيو/حزيران الماضي إحباط هجمات على مواقع في المحافظة، بينها منطقة أمورا، قال إنها نفذت بمشاركة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بقيادة جوزيف توكا.
وتواصلت المواجهات لاحقًا في مناطق أخرى من الإقليم، بينها ديم سعد ويارا، قبل أن يعلن الجيش استعادة السيطرة عليهما.
مسيرات وغارات في دارفور
وفي إقليم دارفور، تعرضت مدينتا الفاشر وكبكابية في شمال دارفور لهجمات بطائرات مسيرة، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى.
ويشهد الإقليم، الذي يمثل أحد أهم مسارح الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023، تصعيدًا متواصلًا، مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والغارات الجوية واستهداف المواقع العسكرية وخطوط الإمداد.
كما أفادت مصادر عسكرية بأن طائرات تابعة للجيش السوداني نفذت غارات على مواقع لقوات الدعم السريع في غرب دارفور مساء الإثنين.
وفي كردفان، أعلنت قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل الدفع بتعزيزات عسكرية إلى جبهات القتال، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا متزايدًا.
وتكتسب ولايات كردفان أهمية استراتيجية بسبب موقعها بين وسط السودان وإقليم دارفور، فضلًا عن وجود طرق رئيسية تربط مناطق النفوذ التابعة للأطراف المتحاربة.
آلاف المدنيين يفرون من القتال
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 6 آلاف شخص من سبع قرى في محافظة سربا بولاية غرب دارفور خلال يوم واحد، نتيجة تدهور الوضع الأمني واندلاع المواجهات.
وشملت موجة النزوح سكان قرى لاقيسا وروفيد وشبيت أردو وأم غدارة وحجر سنقيد وسلامتار وأبو سروج.
وأوضحت المنظمة أن غالبية الأسر النازحة اتجهت عبر الحدود إلى تشاد، بينما توجهت مجموعات أخرى إلى مدينة الجنينة ومناطق مختلفة داخل غرب دارفور.
وجاءت هذه الموجة بعد يوم واحد من إعلان المنظمة نزوح أكثر من 5 آلاف شخص من 10 قرى أخرى في الولاية، في مؤشر على اتساع رقعة النزوح مع استمرار المعارك.
وأكدت المنظمة أن الوضع الأمني لا يزال هشًا، وأنها تواصل متابعة التطورات وحركة السكان في المناطق المتضررة.
تحذير أوروبي وأفريقي بشأن الأبيض
وفي تطور آخر، حذر الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي من تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في مدينة الأبيض ومحيطها، وسط تقارير عن استهداف منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية.
وقالت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المساواة والتأهب وإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، ومفوضة الاتحاد الأفريقي للصحة والشؤون الإنسانية والتنمية الاجتماعية، السفيرة أما أمواه، إن السودان يمر بمرحلة بالغة الخطورة، محذرتين من تكرار الانتهاكات التي شهدتها مدينة الفاشر.
وبحسب المسؤولتين، يعيش في الأبيض والمناطق الريفية المحيطة بها في محلية شيكان أكثر من 605 آلاف شخص، بينهم أكثر من 563 ألف مدني داخل المدينة، إضافة إلى نحو 105 آلاف نازح لجأوا إليها من مناطق أخرى.
وأشارتا إلى أن الهجمات الأخيرة طالت منشآت حيوية، من بينها محطات الوقود والمستودعات والأسواق والمرافق الصحية، إلى جانب القوافل التجارية والمناطق السكنية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية وزيادة صعوبات الحصول على الوقود والمياه والكهرباء.
وحذرت المسؤولتان من أن شن هجوم واسع على الأبيض قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة ويعرض المدنيين لانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
ودعتا جميع أطراف النزاع إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وطالبتا قوات الدعم السريع بوقف العمليات التي تهدد المدنيين في الأبيض ومحيطها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود.
الخرطوم تبحث تنفيذ قرار مجلس الأمن بشأن دارفور
وعلى المسار الدبلوماسي، قال وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم إن الحكومة تراجع متطلبات تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1591 المتعلق بدارفور، بما يشمل قضايا العنف وحظر الأسلحة.
وأوضح أن الجهات الحكومية تتابع تقرير لجنة الخبراء المعنية بالقرار والتوصيات الواردة فيه، والتي قال إنها ستساعد الخرطوم في تحديد خطواتها المقبلة علالمستويين الإقليمي والدولي.
وأكد الوزير أن التحرك الدبلوماسي يجري بالتوازي مع التطورات العسكرية على الأرض وبالتنسيق مع القوات المسلحة والقوات المساندة والقوات المشتركة.
مناوي في جوبا لبحث إنهاء الحر
وفي تحرك سياسي، وصل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إلى العاصمة الجنوب سودانية جوبا لإجراء لقاءات مع مسؤولين حول تطورات الأزمة السودانية وإمكانات التوصل إلى تسوية تنهي الحرب.
وقال مناوي إن مباحثاته ستتناول سبل وقف القتال وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار، مؤكدًا ضرورة البحث عن حلول عملية تنطلق من إرادة سودانية مستقلة.
وشدد على أن إنهاء الحرب يتطلب حوارًا سودانيًا شاملًا يضم مختلف مكونات المجتمع من دون إقصاء، مع التركيز على معالجة الأسباب العميقة للصراع وبناء دولة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية.
دعوات لحوار مباشر مع الجيش
من جانبه، أبدى رئيس الحركة الشعبية-التيار الثوري والقيادي في تحالف «صمود» ياسر عرمان تأييده لإجراء حوار مباشر مع الجيش، شريطة أن يستند إلى مبادئ واضحة تقود إلى تسوية سياسية وسلام مستدام.
وقال عرمان إن أي حل للأزمة ينبغي أن يجمع بين وقف الحرب ومعالجة الوضع الإنساني والتعامل مع جذور الصراع، محذرًا من أن تجاهل الأسباب الأساسية قد يؤدي إلى تجدد النزاع مستقبلًا.
كما دعا إلى إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والمجموعات المسلحة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، معتبرًا أن ذلك يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي اتفاق سياسي.
ودعا أيضًا إلى فتح قنوات حوار مع قوات الدعم السريع رغم استمرار العمليات العسكرية، باعتبار أن إنهاء الحرب يحتاج إلى مسار سياسي يشمل جميع الأطراف.
وتأتي هذه الدعوات بالتزامن مع تحركات داخل مجلس السيادة السوداني لبدء مرحلة جديدة من الحوار السوداني-السوداني، وسط مشاورات حول شكل الحوار وأجندته والقوى التي ستشارك فيه.
ولا تزال الخلافات قائمة بين القوى السياسية السودانية بشأن دور المؤسسة العسكرية وشروط المشاركة في العملية السياسية، فضلًا عن مصير الأطراف والقوى التي قد تجد نفسها خارج أي تسوية مقبلة.



