«طريق الحرير الجليدي».. الصين تراهن على القطب الشمالي لإعادة تشكيل طرق التجارة مع أوروبا
ومن المقرر أن تبدأ شركة «سي ليجند» الصينية في 12 أغسطس/آب أول خدمة أسبوعية منتظمة للحاويات عبر الطريق القطبي، لتربط ميناء نينغبو شرقي الصين بميناء فيليكستو في بريطانيا، مروراً بالمياه الواقعة بمحاذاة الساحل الشمالي لروسيا، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».
وأطلقت الشركة على المسار اسم «طريق الحرير الجليدي»، في إشارة إلى طريق الحرير التاريخي الذي لعب دوراً محورياً في التجارة بين الصين وأوروبا.
وتتمثل أبرز مزايا المسار الجديد في تقليص زمن الرحلة؛ إذ يمكن أن تنخفض مدة الشحن من نحو 40 يوماً عبر بعض المسارات التقليدية إلى قرابة 18 يوماً، وإن كان ذلك يعتمد بدرجة كبيرة على ظروف الجليد والطقس.
من تجربة محدودة إلى خط ملاحي منتظم
الخدمة الجديدة ليست التجربة الأولى للصين في استخدام الطريق القطبي لنقل الحاويات. ففي سبتمبر/أيلول 2025، نفذت «سي ليجند» أول رحلة مباشرة بين نينغبو وفيليكستو عبر القطب الشمالي، واستغرقت الرحلة حوالي 18 يوماً، مقابل قرابة 40 يوماً عبر المسارات التي تمر حول رأس الرجاء الصالح، وفق بيانات أوردتها «رويترز».
لكن اعتماد جدول أسبوعي يمثل مرحلة مختلفة، لأن نجاح المسار لن يقاس فقط بقدرته على تقليص زمن الرحلات، وإنما أيضاً بمدى إمكانية الاعتماد عليه كخدمة تجارية منتظمة وقابلة للتنبؤ.
وشهد طريق بحر الشمال زيادة في حركة السفن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد الرحلات المسجلة في صيف 2025 إلى 23 رحلة، مقابل 15 رحلة خلال عام 2024، وفق «فايننشال تايمز».
وتوفر أشهر الصيف ظروفاً أكثر ملاءمة للملاحة في المنطقة نتيجة انخفاض كثافة الجليد البحري، ما يسمح لبعض السفن المصممة للعمل في البيئات الجليدية بالعبور لمسافات معينة من دون الحاجة المستمرة إلى مرافقة كاسحات الجليد.
البحث عن بدائل للممرات المضطربة
يتزامن التوسع الصيني في الطريق القطبي مع سعي شركات النقل العالمية إلى إيجاد مسارات بديلة للممرات البحرية التي أصبحت أكثر عرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
وأعادت الهجمات التي استهدفت سفناً في البحر الأحمر المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في منطقة باب المندب، فيما دفعت اضطرابات سابقة شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والإبحار حول القارة الأفريقية، الأمر الذي يضيف أياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف الوقود والتأمين.
وفي 23 يوليو/تموز، تعرضت ناقلتا نفط لهجمات شنها الحوثيون في البحر الأحمر، وهو ما ساهم في تصاعد المخاوف بشأن حركة الملاحة في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وفق «رويترز».
كما أعادت أزمة قناة السويس عام 2021، عندما جنحت سفينة «إيفرغيفن» وأغلقت أحد أهم الممرات التجارية في العالم، تسليط الضوء على هشاشة الاعتماد المفرط على نقاط الاختناق البحرية.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام عن مسؤولين روس، يمكن لطريق بحر الشمال أن يوفر خياراً إضافياً أمام حركة التجارة العالمية، خصوصاً في ظل تزايد المخاطر اللوجستية المرتبطة بالممرات التقليدية.
ويرى راهول خانا، رئيس الاستشارات العالمية للمخاطر البحرية لدى «أليانز»، أن القطب الشمالي قد يمثل فرصة أمام شركات النقل لتقليص المسافة والتكلفة، إلى جانب الابتعاد عن بعض نقاط الاختناق ذات الحساسية الجيوسياسية.
الطريق القصير يمر عبر النفوذ الروسي
ورغم المزايا التجارية المحتملة، لا يمثل المسار القطبي طريقاً مستقلاً عن الجغرافيا السياسية؛ فالقسم الأكبر منه يقع ضمن نطاق تديره روسيا، ما يمنح موسكو دوراً رئيسياً في تنظيم حركة السفن.
ويتكون طريق بحر الشمال من 28 قطاعاً، وتختلف قواعد العبور والتعليمات وفقاً للظروف الجليدية، بينما تتولى إدارة طريق بحر الشمال التابعة لشركة «روساتوم» الحكومية إصدار تصاريح الملاحة.
وتزايد التعاون بين موسكو وبكين في منطقة القطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في قطاعات الطاقة ونقل النفط والغاز، في ظل حاجة روسيا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين بعد العقوبات والعزلة التي فرضتها الدول الغربية عقب الحرب في أوكرانيا.
لكن هذه العلاقة تمثل في الوقت نفسه أحد أبرز العوائق أمام تحول الطريق إلى خيار واسع الاستخدام من جانب الشركات الغربية.
فالشركات الأوروبية لا تزال تتعامل بحذر مع المسار بسبب العقوبات المفروضة على روسيا، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بالبيئة والعمليات التشغيلية في المياه القطبية.
وكانت شركة «ميرسك» قد أرسلت سفينة الحاويات «فينتا ميرسك» عبر طريق بحر الشمال عام 2018 في رحلة تجريبية، لكنها لم تعتمد المسار بعد ذلك ضمن خدماتها التجارية المنتظمة.
ذوبان الجليد.. ميزة تجارية ومصدر خطر
المفارقة الأساسية في الطريق القطبي أن العامل الذي يجعله أكثر قابلية للاستخدام هو نفسه أحد أكبر مصادر المخاطر المستقبلية.
فوفق دراسة لجامعة ساوثهامبتون، تراجع امتداد الجليد البحري خلال ذروة الشتاء بنسبة 5.8% بين عامي 2024 و2025، في أكبر انخفاض سنوي منذ بدء عمليات الرصد بالأقمار الاصطناعية عام 1978. وعلى الرغم من حدوث تحسن طفيف لاحقاً، بقي مستوى الغطاء الجليدي قريباً من أدنى مستوياته التاريخية.
ويثير اتساع النشاط الملاحي في المنطقة مخاوف بيئية متزايدة، إذ يمكن لانبعاثات الكربون الأسود الناتجة عن السفن أن تسهم في تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري، بينما قد يؤدي الضباب الكثيف وضعف الرؤية إلى تعقيد عمليات الملاحة وزيادة احتمالات الاصطدام بالجليد.
كما تظل البنية التحتية والخدمات المساندة محدودة مقارنة بالممرات البحرية التقليدية. ووفق تحليل لـ«أليانز»، شهدت المياه الواقعة داخل الدائرة القطبية أكثر من 500 حادث بحري خلال عقد، وكانت أعطال الآلات مسؤولة عن نحو نصف هذه الحوادث.
ولا تستطيع السفن الإبحار في هذه المنطقة بالمعايير نفسها المستخدمة في المياه المفتوحة، إذ تخضع لمتطلبات «المدونة القطبية» التابعة للمنظمة البحرية الدولية، والتي تفرض معايير خاصة تتعلق بتصميم السفن وتجهيزاتها وتدريب أطقمها وحماية البيئة.
هل يصبح القطب الشمالي ممراً تجارياً رئيسياً؟
تمنح الصين نفسها عبر «طريق الحرير الجليدي» فرصة لتجربة مسار قد يقلص زمن النقل بين آسيا وأوروبا بصورة كبيرة، ويقدم بديلاً عن الممرات التي أصبحت عرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
لكن تحويل هذه الميزة إلى شبكة تجارية مستقرة لن يكون أمراً سهلاً. فالمسار لا يزال مرتبطاً بالظروف المناخية القاسية، وبالنفوذ الروسي، وبمحدودية خدمات الطوارئ والبنية التحتية، فضلاً عن التحديات البيئية والعقوبات السياسية.
وبذلك، قد لا يكون «طريق الحرير الجليدي» بديلاً كاملاً للممرات البحرية الحالية في المدى القريب، لكنه يمثل ورقة استراتيجية جديدة للصين في إعادة توزيع طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، في وقت تتزايد فيه قيمة كل مسار قادر على تجاوز الاختناقات الجغرافية ومناطق التوتر.



