كيف تعيد الحروب رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟

كيف تعيد الحروب رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟

المؤشر 13-07-2026   لم تعد الحروب مجرد أحداث جيوسياسية ترفع أسعار النفط أو تهز الأسواق المالية لأيام أو أسابيع، بل أصبحت عاملاً رئيسياً في تشكيل توقعات الاقتصاد العالمي.

وفي أحدث تحديث لتقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3% في عام 2026، محذراً من أن استمرار الصراعات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد التفتت التجاري، تمثل أبرز المخاطر التي تهدد النمو العالمي خلال السنوات المقبلة.

 

ووفقًا لتقدير مرجعي نشره صندوق النقد الدولي عام 2023، فإن سيناريو التفتت الجيو-اقتصادي الشديد قد يخفض الناتج الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 7% على المدى الطويل، وهو ما قدّر الصندوق قيمته آنذاك بنحو 7.4 تريليون دولار بالأسعار السائدة وقت نشر الدراسة، في إشارة إلى الحجم الاقتصادي الهائل الذي قد تسببه الانقسامات التجارية والجيوسياسية.

ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في طبيعة الاقتصاد العالمي؛ فالمخاطر العسكرية لم تعد أحداثًا طارئة، بل أصبحت عنصرًا دائمًا في قرارات الشركات والمستثمرين والبنوك المركزية، التي باتت تبني توقعاتها على احتمالات اضطراب التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد بقدر اعتمادها على مؤشرات التضخم والنمو.

 

الحرب لم تعد أزمة نفط فقط

في العقود الماضية كان تأثير الحروب يرتبط غالباً بارتفاع أسعار النفط، أما اليوم فقد توسعت دائرة التأثير لتشمل الغاز الطبيعي، والغذاء، والأسمدة، والمعادن الاستراتيجية، وأشباه الموصلات، والممرات البحرية التي تنقل جزءًا كبيرًا من التجارة العالمية.

 

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن انتقال الصدمات الجيوسياسية يتم عبر ثلاث قنوات رئيسية هي: الطاقة، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، وهي قنوات باتت تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاج والاستثمار وثقة الأسواق.

الحرب تعيد التضخم إلى أجندة البنوك المركزية

بعد سنوات من التشديد النقدي لمواجهة التضخم، تواجه البنوك المركزية تحديًا جديدًا يتمثل في التضخم الناتج عن الصراعات الجيوسياسية، فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام لا ينعكس فقط على الوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، وهو ما يزيد صعوبة إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.

 

بعد أن بدأت موجة التضخم العالمية في التراجع منذ ذروتها عقب جائحة كورونا وأزمة الطاقة، أعادت الصراعات الجيوسياسية إشعال المخاوف بشأن مسار الأسعار. وفي أحدث توقعاته، توقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ التضخم العالمي نحو 4.7% في عام 2026، مشيرًا إلى أن استمرار التوترات في أسواق الطاقة يمثل أحد أبرز المخاطر التي قد تؤخر عودة التضخم إلى مساره الهابط وتأجيل خفض أسعار الفائدة في عدد من الاقتصادات الكبرى، كما توقع الصندوق تراجع التضخم العالمي إلى نحو 3.9% في عام 2027 مع انحسار تأثير صدمات الطاقة.

وتتركز الضغوط التضخمية بصورة أكبر في الاقتصادات الناشئة والدول المستوردة للسلع الأساسية، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء إلى ضغوط إضافية على الأسر والموازنات الحكومية، بينما تواجه البنوك المركزية معادلة أكثر صعوبة بين دعم النمو واحتواء ارتفاع الأسعار.

من العولمة إلى سلاسل الإمداد الآمنة

ربما يكون أكبر تحول فرضته الصراعات هو إعادة رسم خريطة الإنتاج العالمي، فبعد عقود كان الهدف فيها خفض التكاليف إلى أدنى مستوى، أصبحت الشركات تمنح الأولوية لتقليل المخاطر السياسية.

ومن هنا برزت مفاهيم مثل Friend-shoring لنقل الإنتاج إلى دول حليفة سياسياً، وNear-shoring لتقريب المصانع من الأسواق الرئيسية، وRe-shoring لإعادة التصنيع إلى الدولة الأم.

وترى المؤسسات الدولية أن هذا التحول يعكس انتقال الاقتصاد العالمي تدريجياً من نموذج يعتمد على الكفاءة القصوى إلى نموذج يركز على المرونة والأمن الاقتصادي، حتى وإن ارتفعت التكاليف.

سباق التسلح يعود إلى الاقتصاد

وفي موازاة ذلك، يواصل الإنفاق الدفاعي العالمي تسجيل مستويات تاريخية، مع زيادة موازنات التسلح في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط استجابة لتصاعد المخاطر الأمنية.

وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.718 تريليون دولار في عام 2024، مسجلًا زيادة قدرها 9.4% مقارنة بعام 2023، وهو العام العاشر على التوالي من الارتفاعات المتتالية وهي أكبر زيادة سنوية منذ نهاية الحرب الباردة على الأقل. كما ارتفعت حصة الإنفاق العسكري إلى نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتوسع الإنفاق الدفاعي في العديد من المناطق.

وقد ازداد الإنفاق العسكري في جميع مناطق العالم، مع نمو سريع بشكل خاص في كل من أوروبا والشرق الأوسط، واستحوذت الدول الخمس الأكثر إنفاقاً عسكرياً -الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا والهند- على 60% من الإجمالي العالمي، بإجمالي إنفاق بلغ 1635 مليار دولار أميركي.

كما رفعت أكثر من 100 دولة حول العالم إنفاقها العسكري في عام 2024، ومع تزايد إعطاء الحكومات الأولوية للأمن العسكري، غالباً على حساب مجالات الميزانية الأخرى، فإن المقايضات الاقتصادية والاجتماعية قد يكون لها آثار كبيرة على المجتمعات لسنوات قادمة"، هذا ما قاله شياو ليانغ، الباحث في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة التابع لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ويثير هذا الاتجاه تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومات على الموازنة بين الإنفاق الدفاعي وتمويل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام.

الرابحون والخاسرون

أوجدت الصراعات خريطة جديدة للرابحين والخاسرين، فقد استفادت شركات الطاقة، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والذهب، والخدمات اللوجستية من تصاعد المخاطر، بينما تحملت الدول المستوردة للطاقة، والأسواق الناشئة، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وشركات الطيران جانبًا كبيرًا من الضغوط.

كما دفعت حالة عدم اليقين الشركات العالمية إلى تنويع الموردين وزيادة المخزون الاستراتيجي والاستثمار في سلاسل إمداد أكثر مرونة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الكفاءة وخفض التكاليف.

كما استفادت شركات التأمين البحري والخدمات اللوجستية من ارتفاع مخاطر النقل، مع اضطرار الشركات إلى إعادة توجيه الشحنات وتحمّل تكاليف إضافية بسبب اضطرابات الممرات البحرية.

ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو: ما تأثير الحرب على الاقتصاد؟.. بل أصبح: كيف يتكيف الاقتصاد العالمي مع عالم أصبحت فيه الصراعات جزءاً من بيئة الأعمال؟

فالاستثمار، والتجارة، والسياسة النقدية، وحتى قرارات بناء المصانع، أصبحت جميعها تُصاغ في ضوء سيناريوهات المخاطر الجيوسياسية، وبينما لا يزال من المبكر الحديث عن نهاية العولمة، فإن قواعدها تغيرت بالفعل؛ فلم تعد الشركات تبحث فقط عن الكفاءة الأقل تكلفة، بل عن المرونة والأمان، حتى لو جاء ذلك بثمن اقتصادي أعلى.