أوروبا تشدد قواعد التغليف.. تشريعات جديدة تضغط على البلاستيك وتعيد رسم السوق

أوروبا تشدد قواعد التغليف.. تشريعات جديدة تضغط على البلاستيك وتعيد رسم السوق

 المؤشر 12-08-2026    دخلت قواعد أوروبية جديدة لتنظيم قطاع التغليف ونفاياته حيز التنفيذ في 12 أغسطس/آب 2026، في خطوة تستهدف تقليص النفايات والحد من استخدام بعض المواد الضارة، وعلى رأسها مركبات «PFAS» المعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية».

وتفرض التشريعات الجديدة، التي تأتي ضمن لائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتغليف ونفايات التغليف، قيودًا إضافية على البلاستيك المصنوع من المواد الأحفورية، إلى جانب وضع مستهدفات أكثر صرامة بشأن تقليل مخلفات العبوات وإعادة استخدامها وتدويرها.

وتأتي هذه الإجراءات في ظل الارتفاع المستمر في حجم نفايات التغليف داخل دول الاتحاد، والتي زادت بأكثر من 20% خلال العقد الماضي، بالتزامن مع توسع التجارة الإلكترونية وتغير أنماط الاستهلاك.

ويستهلك قطاع التغليف نحو 40% من إجمالي البلاستيك المستخدم في أوروبا، بينما ينتج الفرد داخل الاتحاد الأوروبي قرابة 180 كيلوغرامًا من مخلفات التغليف سنويًا، بينها نحو 35.3 كيلوغرام من البلاستيك المرتبط بالوقود الأحفوري. ولم تتجاوز نسبة إعادة تدوير مخلفات التغليف البلاستيكية 42% خلال عام 2023.

تشديد الرقابة على «المواد الكيميائية الأبدية»

وتبدأ الإجراءات الجديدة بفرض حدود على تركيز مركبات «PFAS» في مواد التغليف التي تلامس الأغذية، فضلًا عن إلزام الشركات بتوفير بيانات تساعد الجهات المختصة على تتبع العبوات إلى مصادرها عند ظهور أي مخاوف تتعلق بالسلامة.

وتدخل هذه المركبات في تصنيع عدد من عبوات المواد الغذائية بسبب خصائصها التي تمنح المنتجات مقاومة للماء والدهون، وتوجد في بعض حاويات الوجبات الجاهزة وأوراق الخَبز وعلب البيتزا.

لكن استمرار هذه المواد لفترات طويلة في البيئة وصعوبة تحللها طبيعيًا أثارا مخاوف متزايدة بشأن تراكمها في عناصر البيئة المختلفة، بما فيها المياه والتربة والهواء والغذاء.

خفض نفايات التغليف بحلول 2030

ولا تتوقف التشريعات الأوروبية عند المواد الكيميائية، إذ يستهدف الاتحاد الأوروبي تقليص كمية نفايات التغليف بنسبة 5% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2018، على أن ترتفع نسبة الخفض إلى 15% بحلول عام 2040.

كما تتضمن القواعد معايير جديدة لتشجيع إعادة استخدام العبوات وتدويرها، إلى جانب حظر بعض أنواع التغليف أحادي الاستخدام وفرض قيود على المساحات غير الضرورية داخل العبوات.

ومن بين الإجراءات الأخرى تطبيق أنظمة إلزامية لاسترداد العبوات والعبوات البلاستيكية، فيما من المنتظر أن يبدأ استخدام نظام موحد لوسم العبوات على المستوى الأوروبي في عام 2028، بهدف تسهيل عملية فرز النفايات وإعادة تدويرها.

وبموجب القواعد الجديدة، يجب أن تكون العبوات قابلة لإعادة التدوير بطريقة قابلة للتطبيق اقتصاديًا، الأمر الذي قد يدفع الشركات إلى إعادة تصميم منتجاتها وعمليات التغليف بما يتوافق مع المتطلبات الجديدة.

شركات أمام تكاليف جديدة وفرص استثمارية

من المتوقع أن يترك التشريع الأوروبي أثرًا مباشرًا على الشركات التي تعتمد بشكل كبير على البلاستيك التقليدي، إذ ستحتاج إلى تعديل تصميم العبوات وزيادة الاعتماد على المواد المعاد تدويرها أو القابلة لإعادة الاستخدام.

وقد تتحمل شركات الأغذية والمشروبات وتجارة التجزئة والتجارة الإلكترونية والسلع الاستهلاكية تكاليف إضافية في المرحلة الأولى، نتيجة الاستثمارات المطلوبة لتحديث خطوط الإنتاج والانتقال إلى مواد بديلة وتطوير آليات جديدة لجمع العبوات وفرزها وإعادة تدويرها.

في المقابل، قد تفتح القواعد الجديدة المجال أمام نمو قطاعات إعادة التدوير والمواد البديلة للبلاستيك وتقنيات إدارة النفايات وتصميم العبوات المستدامة، مع ارتفاع الطلب على المنتجات التي تلبي المعايير الأوروبية.

ولا تقتصر آثار التشريع على الشركات الموجودة داخل الاتحاد الأوروبي، إذ يتعين على المنتجين والمصدرين من الدول الأخرى الالتزام بالمعايير نفسها إذا كانت منتجاتهم تستهدف السوق الأوروبية

تأثير يتجاوز حدود أوروبا

وتكتسب القواعد الجديدة أهمية تتجاوز السوق الأوروبية، نظرًا إلى ضخامة السوق الاستهلاكية في الاتحاد الأوروبي وقدرته على التأثير في معايير الإنتاج العالمية.

وقد تجد الشركات متعددة الجنسيات نفسها مضطرة إلى اعتماد مواصفات تتوافق مع المتطلبات الأوروبية في منتجاتها الموجهة إلى أسواق مختلفة، وهو ما قد يساعد على انتشار معايير أكثر تشددًا بشأن التغليف والاستدامة خارج أوروبا.

كما يمكن أن يؤدي تقليص الاعتماد على البلاستيك التقليدي إلى تحولات تدريجية في سلاسل الإمداد، مع زيادة الطلب على البلاستيك المعاد تدويره والمواد البديلة وحلول إعادة الاستخدام، مقابل تراجع نسبي في الطلب على بعض المواد البتروكيماوية المستخدمة في صناعة العبوات.

المستثمرون أمام خريطة جديدة للرابحين والخاسرين

ومن منظور الأسواق والاستثمار، قد ينتج عن التشريعات الأوروبية تفاوت واضح بين الشركات والقطاعات.

فالشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على العبوات البلاستيكية التقليدية قد تواجه ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج والامتثال وإعادة تصميم المنتجات، في حين يمكن أن تستفيد شركات إعادة التدوير والمواد المستدامة وتقنيات معالجة النفايات من موجة استثمار جديدة.

كما قد تنتقل نسبة من تكاليف التحول إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار بعض المنتجات، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد بكثافة على التغليف، إلا أن تأثير ذلك على التضخم الأوروبي بصورة عامة من المرجح أن يظل محدودًا مقارنة بالعوامل الاقتصادية الكبرى الأخرى.

لماذا يمثل النفط جزءًا من المعادلة؟

يرتبط ملف التغليف ارتباطًا وثيقًا بصناعة البتروكيماويات، نظرًا إلى الاعتماد الواسع على البلاستيك المصنوع من مشتقات الوقود الأحفوري.

ومع كون قطاع التغليف مسؤولًا عن نحو 40% من استهلاك البلاستيك في أوروبا، فإن خفض استخدام البلاستيك التقليدي وزيادة معدلات إعادة تدوير العبوات يمكن أن يؤديا تدريجيًا إلى تغيير جزء من الطلب على المواد الخام المرتبطة بالنفط.

ومع ذلك، فإن التأثير المباشر لهذه الإجراءات على سوق النفط العالمية سيظل محدودًا على المدى القصير، في ظل ضخامة استهلاك النفط في قطاعات النقل والطاقة والصناعة.

وفي المحصلة، تعكس القواعد الأوروبية تحولًا أوسع في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الاستدامة عاملًا تنظيميًا واقتصاديًا يتجاوز الجانب البيئي، ليؤثر في تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد والطلب على المواد الخام واستراتيجيات الشركات وقرارات المستثمرين.