كومن دريمز: استهداف المحكمة الجنائية الدولية لحماية نتنياهو قد يضعف نفوذ واشنطن عالميًا

كومن دريمز: استهداف المحكمة الجنائية الدولية لحماية نتنياهو قد يضعف نفوذ واشنطن عالميًا

 المؤشر 04-08-2026   حذّر الكاتب برايان هدسون من أن الحملة التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية قد تتجاوز هدفها المعلن المتمثل في حماية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتنعكس سلبًا على مكانة الولايات المتحدة ودورها داخل النظام الدولي.

وفي مقال نشرته منصة كومن دريمز، اعتبر هدسون أن المساعي الأمريكية لإضعاف المحكمة لا تستهدف مؤسسة قضائية بعينها فحسب، وإنما تمس أحد المرتكزات التي ساهمت في تعزيز النفوذ الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والقائم على دعم المؤسسات والقواعد الدولية.

وأشار الكاتب إلى أن ترامب صرّح، خلال وجوده في كامب ديفيد في 31 يوليو/تموز، بأن التحركات الأمريكية ضد المحكمة تأتي دفاعًا عن نتنياهو و"آخرين"، وليس لحماية الرئيس الأمريكي نفسه. كما لفت إلى أن وزير الخارجية ماركو روبيو أعلن أن خمس دول أبدت نيتها الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية منذ بدء الضغوط الأمريكية الأخيرة عليها.

ويرى هدسون أن القضية تجاوزت حدود الخلاف القانوني مع المحكمة، لتصبح اختبارًا لموقف الولايات المتحدة من النظام الدولي الذي ساهمت في تأسيسه، متسائلًا عما إذا كانت واشنطن ستواصل دعم القانون الدولي فقط عندما يتوافق مع مصالحها ومصالح حلفائها.

وأوضح أن نفوذ القوى الكبرى لا يستند إلى القوة العسكرية والاقتصادية وحدها، بل يعتمد أيضًا على قدرتها في صياغة القواعد الدولية وإقناع المجتمع الدولي بأنها تدافع عن نظام قانوني يخدم المصلحة العامة، مشيرًا إلى أن هذا النهج منح الولايات المتحدة لعقود أدوات إضافية لتعزيز تحالفاتها ومواجهة خصومها.

وسلط الكاتب الضوء على ما وصفه بالتناقض في السياسة الأمريكية، موضحًا أنه في عهد الرئيس جو بايدن دعمت واشنطن جهود المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بالتحقيق في الجرائم المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، كما خفف الكونغرس القيود المفروضة على التعاون مع المحكمة في هذا الملف.

لكن هذا الموقف تغيّر، بحسب هدسون، بعد إصدار المحكمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وأشار إلى أن ترامب أصدر خلال عام 2025 أمرًا تنفيذيًا يتيح فرض عقوبات على الأشخاص والجهات المرتبطة بإجراءات المحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل أن تتوسع الإجراءات لاحقًا لتشمل قيودًا على السفر وضغوطًا دبلوماسية وعقوبات إضافية تستهدف داعمي المحكمة.

ورغم إشارته إلى وجود مبررات قانونية تطرحها واشنطن، ومنها أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا طرفين في نظام روما الأساسي، وأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضت منذ سنوات إخضاع مواطني الدول غير الأعضاء لاختصاص المحكمة دون موافقة حكوماتهم، إلا أن الكاتب فرّق بين الاعتراض القانوني على الاختصاص القضائي وبين ممارسة ضغوط سياسية أو فرض عقوبات لإضعاف المؤسسة نفسها.

في المقابل، تؤكد المحكمة الجنائية الدولية أنها تتمتع بالاختصاص القضائي للنظر في الجرائم المرتكبة داخل الأراضي الفلسطينية، بما يشمل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

وأشار هدسون إلى أن ازدواجية المعايير الأمريكية تضعف مصداقية واشنطن، إذ تبدو، بحسب رأيه، متمسكة بالقانون الدولي عندما يتعلق الأمر بخصومها، بينما تعارض تطبيقه إذا طال حلفاءها. واستشهد في هذا السياق بتصريحات مسؤول السياسة الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي أكد عقب صدور مذكرتي التوقيف أن تنفيذ قرارات المحكمة يمثل التزامًا قانونيًا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن هذا التباين أصبح أكثر وضوحًا لدى دول الجنوب العالمي، التي باتت تلجأ إلى المؤسسات القانونية الدولية التي ساهمت الدول الغربية في إنشائها، لكنها تستخدمها أحيانًا بما لا ينسجم مع الرؤية الأمريكية.

وتناول الكاتب الانتقادات التي تشكك في فعالية القانون الدولي، والتي ترى أنه ظل دائمًا مرتبطًا بموازين القوى، وأن المحاكم الدولية تفتقر إلى وسائل تنفيذ قراراتها بحق الدول الكبرى. لكنه رأى أن تجارب سابقة تثبت أن النفوذ السياسي لا يمنع المحاسبة بصورة دائمة، مستشهدًا بقضايا اعتقال الرئيس التشيلي السابق أوغستو بينوشيه، ومحاكمة الرئيس التشادي الأسبق حسين حبري، والرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش.

وأكد هدسون أن تأثير المحكمة الجنائية الدولية لا يقتصر على تنفيذ أوامر الاعتقال، بل يمتد إلى التأثير في تحركات القادة وحساباتهم السياسية، مستدلًا بمذكرة التوقيف الصادرة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2023، والتي ساهمت في عدم مشاركته شخصيًا في قمة مجموعة "بريكس" التي استضافتها جنوب أفريقيا.

كما أشار إلى أن النظام الدولي يشهد تحولات متسارعة مع تراجع احتكار الدول الغربية لتحديد معايير الشرعية الدولية، معتبرًا أن الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تعكس تنامي دور دول الجنوب في استخدام المؤسسات القضائية الدولية للدفاع عن مواقفها.

وفي ختام مقاله، حذّر هدسون من أن رهان الولايات المتحدة على إضعاف مؤسسات العدالة الدولية دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا قد يكون رهانًا خاسرًا، إذ إن تقويض هذه المؤسسات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص قدرة واشنطن على التأثير في شكل النظام الدولي مستقبلاً. وأكد أن القوة العسكرية والاقتصادية ستظل عناصر مهمة في العلاقات الدولية، لكن الشرعية واحترام القواعد الدولية سيبقيان عاملين حاسمين في رسم موازين النفوذ العالمي.