الذهب يتراجع رغم حرب إيران.. الفائدة الأميركية تتفوق على مخاوف الأسواق
المؤشر 30-08-2026 لم تنجح المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط هذه المرة في دفع المستثمرين نحو الذهب، إذ تعرض المعدن الأصفر لخسائر حادة مع نهاية الأسبوع، تحت ضغط عودة رهانات تشديد السياسة النقدية الأميركية وصعود الدولار وعوائد السندات.
وتراجع الذهب في التعاملات الفورية بنحو 3% يوم الجمعة، ليصل إلى قرابة 4567 دولارًا للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ 20 أغسطس، كما انخفضت العقود الآجلة الأميركية للمعدن.
وجاء الهبوط رغم استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما يصاحبها من مخاطر إضافية مرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما يطرح تساؤلًا حول سبب عجز التوترات الجيوسياسية عن دعم أحد أبرز أصول الملاذ الآمن.
الفيدرالي يعيد الفائدة إلى واجهة المشهد
يبدو أن الأسواق باتت تركز في الوقت الحالي على مسار أسعار الفائدة الأميركية أكثر من تركيزها على المخاطر الجيوسياسية وحدها.
وفي كلمته أمام منتدى جاكسون هول، شدد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش على ضرورة مواصلة التحرك إذا لم يظهر التضخم الأساسي مسارًا مقنعًا نحو هدف البنك البالغ 2%.
هذه الرسالة انعكست سريعًا على توقعات المتعاملين، إذ ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 60%، مقارنة بنحو 40% قبل تصريحات وورش، وفق البيانات التي أوردتها رويترز.
كما ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 89%.
وهذه التطورات تمثل عامل ضغط مباشر على الذهب، الذي لا يوفر لحائزيه عائدًا دوريًا. فكلما ارتفعت عوائد الأصول المنافسة، ولا سيما السندات الأميركية، ازدادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.
لماذا خسر الذهب أمام الدولار والسندات؟
عادة ما يستفيد الذهب من أجواء عدم اليقين، لكن تأثير هذه الميزة يمكن أن يتراجع عندما تتجه السياسة النقدية نحو التشديد.
فارتفاع أسعار الفائدة يجعل الأدوات المالية التي تحقق عوائد أكثر جاذبية للمستثمرين، في حين يبقى الذهب أصلًا لا يدر فائدة.
وفي الوقت نفسه، ساهمت توقعات السياسة النقدية الأكثر تشددًا في تعزيز الدولار، الذي سجل أعلى مستوى له في أسبوع.
ويمثل ارتفاع العملة الأميركية ضغطًا إضافيًا على الذهب المقوم بالدولار، إذ تصبح تكلفة المعدن أعلى بالنسبة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى، الأمر الذي قد يحد من الطلب عليه.
وبذلك واجه الذهب خلال جلسة الجمعة ثلاثة عوامل ضاغطة في وقت واحد: ارتفاع توقعات الفائدة، صعود الدولار، وزيادة عوائد السندات.
عوائد الخزانة تضيف ضغطًا جديدًا
لم يكن الدولار وحده المنافس للذهب، إذ ارتفع أيضًا عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين إلى نحو 4.36%، وهو أعلى مستوى له خلال شهر.
ويكتسب هذا التطور أهمية بالنسبة للمعدن الأصفر، لأن ارتفاع عوائد السندات يعني أن المستثمر يستطيع الحصول على عائد أعلى من أداة مالية منخفضة المخاطر نسبيًا، في مقابل الاحتفاظ بالذهب الذي لا يقدم دخلًا دوريًا.
وبالتالي، فإن قرار بيع الذهب لا يعني بالضرورة أن المستثمرين أصبحوا أكثر تشاؤمًا تجاه المعدن؛ فقد يكون مجرد إعادة توزيع للأموال باتجاه أصول أصبحت أكثر جاذبية من ناحية العائد.
استمرار الحرب لم يمنع التصحيح
ورغم التراجع الأخير، لا تزال المخاطر الجيوسياسية قائمة، ولا سيما مع استمرار الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران والمخاوف المتعلقة بحركة الملاحة والطاقة في مضيق هرمز.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الحرب والعقوبات والحصار البحري زادت الضغوط على الاقتصاد الإيراني، مع وصول معدل التضخم إلى 66% وتراجع التجارة بنحو 35%.
لكن الذهب كان قد استوعب جزءًا كبيرًا من هذه المخاطر بالفعل. فقد ارتفع خلال أغسطس بنحو 9%، ووصل إلى قرابة 4400 دولار بحلول منتصف الشهر، مدعومًا بعودة المستثمرين والمؤسسات إلى المعدن في ظل تداعيات الحرب.
ومن ثم، يمكن النظر إلى جانب من الانخفاض الحالي باعتباره عملية جني أرباح وإعادة تموضع بعد موجة صعود قوية، وليس بالضرورة تحولًا جذريًا في نظرة المستثمرين إلى الذهب.
معادلة جديدة تحكم حركة المعدن
تظهر تحركات الذهب الأخيرة أن سعره لا يستجيب لمحرك واحد، بل يتأثر بتفاعل مجموعة من العوامل.
فعندما ترتفع حدة التوترات الجيوسياسية، يحصل الذهب عادة على دعم باعتباره ملاذًا آمنًا. لكن إذا أدى ارتفاع التضخم إلى زيادة احتمالات تشديد السياسة النقدية، فقد تنقلب الصورة.
ارتفاع الفائدة يعزز عوائد السندات والدولار، وهما عاملان يضغطان على الذهب، خصوصًا عندما تكون الأسواق مقتنعة بأن الفيدرالي سيواصل سياسته المتشددة لفترة أطول.
لذلك ليس مستغربًا أن تتزامن حرب نشطة مع انخفاض أسعار الذهب؛ فالعامل الجيوسياسي قد يدفع الأسعار إلى الأعلى، بينما تعمل توقعات الفائدة والدولار والعوائد في الاتجاه المعاكس.
هل انتهت موجة صعود الذهب؟
لا تشير الحركة الحالية وحدها إلى نهاية الاتجاه الصاعد للمعدن الأصفر.
فالذهب لا يزال يستند إلى مجموعة من العوامل الداعمة، بينها استمرار المخاطر الجيوسياسية، والقلق بشأن وضع المالية العامة الأميركية، وطلب البنوك المركزية، إلى جانب احتمال تغير مسار السياسة النقدية مستقبلًا.
لكن أداء المعدن في المرحلة المقبلة سيكون مرتبطًا بدرجة كبيرة بالبيانات الاقتصادية الأميركية، خصوصًا مؤشرات التضخم وسوق العمل.
فإذا بقي التضخم مرتفعًا واستمر الاقتصاد الأميركي في إظهار قدرة على تحمل معدلات فائدة أعلى، فقد يواجه الذهب مزيدًا من الضغوط.
أما إذا ظهرت مؤشرات واضحة على تباطؤ الاقتصاد أو سوق العمل، بالتزامن مع تراجع التضخم، فقد تتغير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية، وهو ما قد يعيد الدعم للمعدن الأصفر.
الفيدرالي يتقدم على الحرب في معركة الذهب
في الوقت الراهن، تبدو أسواق الفائدة صاحبة الكلمة الأقوى في تحديد اتجاه الذهب.
فالتوترات في الشرق الأوسط لم تختفِ، لكن ارتفاع احتمالات تشديد السياسة النقدية أدى إلى صعود الدولار والعوائد، في وقت تراجع فيه المعدن بنحو 3% خلال جلسة واحدة.
وبالتالي، فإن السؤال بالنسبة للمستثمرين لم يعد يقتصر على مدى استمرار الحرب، وإنما يتعلق أيضًا بمسار التضخم الأميركي وما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيقدم على رفع الفائدة فعلًا.
إذا تحولت التوقعات الحالية إلى قرارات فعلية بشأن التشديد النقدي، فقد يستمر الضغط على الذهب. أما إذا بدأ الاقتصاد الأميركي في التباطؤ وتراجع التضخم، فقد يستعيد المعدن جاذبيته سريعًا.
وتبقى الأسابيع المقبلة اختبارًا حاسمًا لمعرفة أي العاملين ستكون له اليد العليا في السوق: مخاطر الحرب أم عوائد الفائدة الأميركية.



