أزمة النظام السياسي الفلسطيني.. عندما تصبح القيادة جزءًا من المشكلة

أزمة النظام السياسي الفلسطيني.. عندما تصبح القيادة جزءًا من المشكلة

المؤشر 02-09-2026   

بقلم: عمران الخطيب

لم تعد الأزمة الفلسطينية تُختزل في الاحتلال الإسرائيلي أو الانقسام الداخلي أو الحروب والحصار، رغم أن هذه العوامل شكّلت ولا تزال جزءًا رئيسيًا من معاناة الشعب الفلسطيني. لكن ثمة أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في عجز القيادة الفلسطينية بمختلف مكوناتها عن بناء نظام سياسي قادر على تمثيل الفلسطينيين وتجديد شرعيته والدفاع عن مصالحهم الوطنية.

فعلى مدار سنوات طويلة، بقيت السلطة والفصائل الوطنية والإسلامية أسيرة ترتيبات سياسية وتنظيمية لم تنجح في إنتاج مؤسسات ديمقراطية فاعلة. وفي المقابل، تراجع دور المواطن كمصدر أساسي للشرعية، بينما أصبح القرار السياسي في كثير من الأحيان محصورًا داخل الأطر التنظيمية المغلقة.

غياب المساءلة

المعضلة لا تكمن فقط في اختلاف البرامج بين الفصائل، وإنما في أن معظم القوى السياسية تتعامل مع نفسها باعتبارها صاحبة حق أصيل في تمثيل الفلسطينيين أو تحديد خياراتهم، في حين تغيب آليات حقيقية لمحاسبة أصحاب القرار.

وفي التجارب السياسية، لا يمكن فصل المسؤولية عن القيادة. ولعل تجربة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عقب هزيمة عام 1967 تقدم مثالًا على تحمل المسؤولية السياسية أمام الجمهور. أما في الحالة الفلسطينية، فإن ثقافة الاعتراف بالأخطاء وإجراء مراجعة نقدية شاملة لا تزال محدودة، رغم حجم الأزمات والإخفاقات المتراكمة.

وهنا تبرز مسؤولية جميع الأطراف، دون استثناء.

حماس وضرورة مراجعة تجربة 7 أكتوبر

تجديد حركة حماس لهيئاتها القيادية من خلال مؤسساتها الداخلية يمثل، من حيث المبدأ، شأنًا تنظيميًا يخص الحركة ونظامها الداخلي. لكن ذلك لا يلغي سؤالًا سياسيًا أوسع يتعلق بضرورة تقييم تجربة السابع من أكتوبر ونتائجها.

فبعد الحرب وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع في قطاع غزة وتداعيات سياسية وإنسانية كبيرة، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للقرارات التي سبقت الأحداث، وتقييم نتائجها، ومدى انسجامها مع الأهداف الوطنية الفلسطينية.

ولا ينبغي أن تتحول المراجعة إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية، بل إلى وسيلة لاستخلاص الدروس.

فالقيادة التي تطلب ثقة الجمهور مطالبة أيضًا بقبول المساءلة أمامه. كما أن وصف أي نتيجة بأنها انتصار لا يمكن أن يحجب حجم الخسائر أو يمنع طرح الأسئلة الصعبة حول القرارات التي أدت إليها.

السلطة ومنظمة التحرير أمام اختبار الشرعية

المسؤولية لا تقع على حماس وحدها. فالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير تواجهان بدورهما أزمة متراكمة تتعلق بتجديد الشرعية السياسية وتفعيل المؤسسات.

الرئيس محمود عباس «أبو مازن» تولى رئاسة منظمة التحرير من خلال انتخابه داخل اللجنة التنفيذية، كما انتُخب رئيسًا للسلطة الفلسطينية في الانتخابات التي جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وحصل حينها على نحو 64% من الأصوات.

لكن المشهد السياسي تغير بصورة كبيرة منذ ذلك الحي

فبعد انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 وما تبعها من انقسام سياسي وحل المجلس لاحقًا، لم تُجرَ انتخابات رئاسية وتشريعية عامة تعيد تجديد الشرعيات بصورة دورية. كما لم تُجرَ انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني تتيح تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات على أساس انتخابي واسع.

وهذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى متى يمكن لنظام سياسي أن يستمر بشرعيات لم تُجدد عبر صناديق الاقتراع؟

الشرعية ليست امتيازًا دائمًا

الشرعية السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى ملكية دائمة للأشخاص أو التنظيمات. فهي، في جوهرها، تفويض من الشعب، ويجب أن تكون قابلة للتجديد والمراجعة والمساءلة.

ولا تكفي الاجتماعات التنظيمية والمؤتمرات الداخلية لتوفير الشرعية الوطنية الشاملة، لأن المواطن الفلسطيني هو الطرف الذي يتحمل نتائج القرارات السياسية، وهو بالتالي صاحب الحق في تقييم القيادات وتجديد تفويضها أو تغييره.

ومن هنا، فإن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني يجب ألا يبدأ من توزيع المناصب، بل من إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والمواطن.

منظمة التحرير نقطة البداية

تظل منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الوطني الأوسع الذي يفترض أن يجمع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، ولذلك فإن إصلاحها وتفعيل مؤسساتها يمثلان خطوة أساسية في أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي.

والمطلوب ليس مجرد إعادة توزيع المقاعد أو إدخال بعض الأسماء الجديدة، وإنما إعادة صياغة آليات التمثيل وصنع القرار على أساس الشراكة الوطنية والديمقراطية.

وقد يكون انتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد مدخلًا مناسبًا لإعادة تشكيل مؤسسات المنظمة، على أن تأتي بعد ذلك عملية انتخاب اللجنة التنفيذية وفق آليات واضحة وشفافة، وصولًا إلى استكمال المسار الديمقراطي بانتخابات رئاسية وتشريعية عندما تصبح الظروف مواتية.

الانتخابات قد تكون صعبة.. لكن الجمود ليس حلاً

لا يمكن تجاهل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون، خصوصًا في غزة والضفة الغربية والقدس، والتي تجعل تنظيم انتخابات شاملة في الوقت الحالي مهمة بالغة التعقيد.

لكن عدم القدرة على إجراء الانتخابات فورًا لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعليق الحياة السياسية إلى أجل غير معلوم.

وإذا تعذر إجراء الاقتراع في المرحلة الراهنة، فيمكن البدء بإعداد الأرضية القانونية والسياسية والمؤسساتية له، بالتوازي مع إعادة تفعيل منظمة التحرير وتوسيع قاعدة المشاركة فيها.

المطلوب مراجعة وطنية لا مؤتمر لتقاسم المواقع

لم تعد الساحة الفلسطينية بحاجة إلى جولة جديدة من الحوارات التي تنتهي بتأجيل الملفات الأساسية، أو إلى مؤتمرات هدفها إعادة توزيع المواقع بين القوى السياسية.

المطلوب هو حوار وطني مختلف، تشارك فيه الفصائل والقوى السياسية والشخصيات المستقلة، ويكون هدفه الأساسي إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة واحدة: مصلحة الشعب الفلسطيني.

ويفترض أن يعيد هذا الحوار الاعتبار للمواطن باعتباره مصدر الشرعية، لا مجرد ناخب يتم اللجوء إليه عندما تحتاج القيادات إلى تفويض جديد.

كما يجب أن تصبح المراجعة والنقد والمساءلة جزءًا طبيعيًا من العمل السياسي، لا أن يُنظر إلى النقد باعتباره خيانة، أو إلى الاعتراف بالخطأ باعتباره ضعفًا، أو إلى المحاسبة باعتبارها مؤامرة.

القضية أكبر من الفصائل

القضية الفلسطينية أوسع من أي فصيل أو سلطة أو شخصية سياسية. ومن الخطأ اختزالها في التنافس على النفوذ أو احتكار القرار الوطني.

فالشعب الفلسطيني يحتاج إلى قيادة قادرة على تحمل المسؤولية أمامه، وتجديد شرعيتها، ومراجعة قراراتها، والاستماع إلى المجتمع الذي تمثله.

أما استمرار الانقسام، وتعطيل الانتخابات، واحتكار القرار، وتجديد الشرعيات داخل الأطر المغلقة، فلن يؤدي سوى إلى إطالة عمر الأزمة وتعميق الفجوة بين المؤسسات والمواطنين.

وفي النهاية، فإن أي قيادة ترفض مراجعة تجربتها أو مساءلتها أو تجديد شرعيتها تخاطر بأن تتحول من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة.

والمطلوب اليوم ليس قيادات تتنافس على حق الوصاية على الشعب الفلسطيني، بل نظام سياسي يجعل الشعب نفسه مصدر السلطة والشرعية، ويضع القضية الوطنية فوق الحسابات التنظيمية والشخصية.