زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. من الشراكة التقليدية إلى سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

زيارة شي جين بينغ إلى مصر.. من الشراكة التقليدية إلى سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

المؤشر 02-09-2026   

د. عدنان نعيم

باحث في الشؤون الإقليمية والدولية

لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد مناسبة دبلوماسية للاحتفاء بسبعة عقود من العلاقات بين البلدين، بل تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات المصرية–الصينية.

فالشرق الأوسط يشهد تحولاً واضحاً في طبيعة التنافس الدولي، بعدما انتقلت ساحات النفوذ تدريجياً من الملفات التقليدية، مثل الطاقة والتسليح والتجارة والموانئ، إلى مجالات أكثر ارتباطاً بمستقبل الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي.

وتأتي زيارة شي إلى القاهرة، وهي الأولى له منذ عام 2016، في توقيت يشهد تغيرات متسارعة في النظام الدولي. كما تتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية–الصينية عام 1956، وهي علاقات تطورت على مدار العقود الماضية من تعاون سياسي بين دولتين من دول الجنوب إلى شراكة استراتيجية أكثر اتساعاً.

القاهرة في الحسابات الصينية

تولي بكين أهمية خاصة لمصر باعتبارها دولة تتمتع بموقع جغرافي استثنائي وثقل سياسي كبير في المنطقة.

فقناة السويس تشكل أحد أهم الممرات التجارية العالمية، بينما يضع الموقع الجغرافي لمصر في قلب الاتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وإلى جانب ذلك، تمتلك القاهرة حضوراً سياسياً ودبلوماسياً مؤثراً في العالم العربي والقارة الأفريقية.

ومن هذا المنطلق، تمثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية–المصرية في منطقة قناة السويس أحد أبرز مظاهر الشراكة بين البلدين، كما أصبحت مصر بوابة مهمة للشركات والاستثمارات الصينية الراغبة في الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية.

لكن أهمية العلاقة لم تعد تقتصر على التجارة والاستثمار التقليديين، إذ بدأت التكنولوجيا المتقدمة تدخل بصورة متزايدة في صلب الحسابات الاستراتيجية للبلدين.

الذكاء الاصطناعي يدخل على خط المنافسة

قبل زيارة الرئيس الصيني، برز ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أكثر الملفات إثارة للاهتمام في العلاقات بين القاهرة وبكين.

فقد تقدمت شركة هواوي الصينية بعرض للمشاركة في إنشاء مراكز بيانات متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل مصر، على أن تتضمن البنية المقترحة أكثر من ألفي رقاقة متقدمة.

وتحدثت تقارير عن عرض يشمل 1408 رقائق من سلسلة Ascend 950 مخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب نحو 600 رقاقة أخرى من طرازات Ascend 950 أو 910B لتشغيل النماذج، مع تصور لإنجاز البنية التحتية خلال فترة تصل إلى 12 شهراً.

ومع ذلك، لم تكن القاهرة قد أعلنت بصورة نهائية اختيار العرض الصيني.

وقد تبدو هذه الأرقام متواضعة عند مقارنتها بمشروعات الذكاء الاصطناعي العملاقة في الولايات المتحدة والصين، إلا أن أهميتها لا تكمن في عدد الرقائق وحده، بل في طبيعة البنية التكنولوجية التي يمكن أن تنشأ حولها.

فنجاح المشروع سيعني مشاركة شركة صينية كبرى في تطوير جزء من البنية الرقمية لدولة ذات وزن عربي وأفريقي وإقليمي كبير، وهو ما يمنح المشروع بعداً جيوسياسياً يتجاوز قيمته التجارية المباشرة.

واشنطن تراقب.. والقاهرة توازن

هذا التطور لا يمكن فصله عن المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على التكنولوجيا المتقدمة.

فالتقارير التي تحدثت عن تحرك أميركي لدراسة عرض منافس، والتواصل مع شركات تكنولوجية أميركية، تعكس أهمية السوق المصرية في الحسابات المتعلقة بمستقبل البنية الرقمية في المنطقة.

وبذلك يمكن أن تتحول مصر إلى واحدة من ساحات المنافسة غير المباشرة بين واشنطن وبكين، ليس عبر صفقات الأسلحة أو الطاقة فقط، وإنما عبر التكنولوجيا ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي عالم يتزايد فيه ارتباط القوة الاقتصادية والسياسية بالقدرة على امتلاك البيانات والرقائق والبنية الحوسبية، لم يعد السؤال مقتصراً على الجهة التي تمول مشروعاً تكنولوجياً معيناً، بل يتعلق أيضاً بمن يشارك في بناء القدرات الرقمية للدولة على المدى الطويل.

القاهرة لا تبحث عن استبدال شريك بآخر

رغم تنامي التعاون مع الصين، سيكون من غير الدقيق وصف السياسة المصرية بأنها تتجه نحو استبدال الولايات المتحدة بالصين.

فالقاهرة تتبع، إلى حد كبير، سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى بما يخدم مصالحها الوطنية.

ومن هذه الزاوية، تبدو المعادلة المصرية أقرب إلى محاولة الاستفادة من واشنطن وبكين وأوروبا وغيرهم، بدلاً من الانحياز الكامل إلى طرف واحد.

وتمنح هذه السياسة مصر مساحة أكبر للمناورة في نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو تعدد مراكز القوة.

لماذا تركز الصين على الذكاء الاصطناعي؟

بالنسبة إلى بكين، لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت أحد أدوات النفوذ الخارجي.

وتحاول الصين تقديم نفسها للدول النامية باعتبارها شريكاً قادراً على المساهمة في بناء القدرات الرقمية، وليس فقط مورداً للسلع والمعدات.

ومن هنا تأتي أهمية مصر، التي يمكن أن تشكل بوابة محتملة لتوسيع حضور التكنولوجيا الصينية في العالم العربي وأفريقيا.

وفي حال نجاح التجربة، يمكن أن تصبح القاهرة نموذجاً لتعاون تكنولوجي أوسع مع دول أخرى، ما يعني أن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة قد تنتقل من سوق المنتجات إلى التنافس على بناء منظومات رقمية متكاملة.

الشرق الأوسط يعيد صياغة علاقاته الدولية

لم تعد الدول العربية الكبرى تنظر إلى علاقاتها مع القوى الدولية من منظور التحالف الحصري.

فالكثير من هذه الدول يحاول بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي، مستفيداً من التنافس بين القوى الكبرى لتعزيز القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية الوطنية.

وفي هذا السياق، تقدم الصين نفسها باعتبارها قوة اقتصادية وتكنولوجية توفر للدول العربية خيارات إضافية.

كما تركز بكين في خطابها الخارجي على مفاهيم مثل التنمية والسيادة والتعددية وعدم التدخل، وهي مبادئ تجد صدى لدى عدد من دول الجنوب العالمي.

الملف الفلسطيني حاضر في الحسابات الصينية

لا تنظر بكين إلى مصر باعتبارها شريكاً اقتصادياً فقط، بل تدرك أيضاً دورها المركزي في الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وتواصل الصين التأكيد على دعم حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب الدعوة إلى وقف الحرب وتقديم المساعدات الإنسانية ودعم جهود إعادة الإعمار.

كما تطرح بكين باستمرار مبدأ أن يكون الفلسطينيون أصحاب القرار في إدارة شؤونهم ومستقبلهم، وهو ما يتقاطع مع الدور المصري التقليدي في الملف الفلسطيني.

«العصر الذهبي» يحتاج إلى نتائج ملموسة

وصف العلاقات المصرية–الصينية بأنها دخلت «عصراً ذهبياً» لا ينبغي أن يقتصر على عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يتم توقيعها.

المعيار الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على تحويل هذه الشراكة إلى مشروعات إنتاجية وتكنولوجية ترفع من القدرات المصرية، وتخلق قيمة مضافة محلية، وتساعد على بناء كوادر وبنية تحتية قادرة على المنافسة.

وهنا يصبح ملف الذكاء الاصطناعي اختباراً مهماً لطبيعة المرحلة المقبلة.

من سيشارك في تشكيل مستقبل مصر التكنولوجي؟

السؤال الأهم الذي تطرحه زيارة شي إلى القاهرة لا يتعلق فقط بما ستشهده العلاقات الثنائية من اتفاقيات جديدة، بل بمن سيكون شريك مصر في بناء اقتصادها الرقمي خلال السنوات المقبلة.

إذا تمكنت القاهرة من استثمار المنافسة بين الصين والولايات المتحدة للحصول على التكنولوجيا والخبرات والاستثمارات، مع الحفاظ على قرارها الوطني وتنمية قدراتها المحلية، فإنها تستطيع تحويل موقعها الجغرافي وثقلها السياسي إلى نفوذ اقتصادي وتكنولوجي أكبر.

وعندها لن تكون مصر مجرد ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، بل طرفاً قادراً على توظيف هذا التنافس لصالح مشروعها الوطني.

لذلك، فإن زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة تتجاوز رمزية مرور سبعين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. إنها تعكس مرحلة جديدة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع التكنولوجيا، وتصبح فيها الرقائق ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي جزءاً من معادلة القوة والنفوذ، فيما تمتلك مصر فرصة لتحديد موقعها في هذا النظام الدولي المتغير.