الدم والأرض في الحسابات السياسية الإسرائيلية.. كيف تتحول معاناة الفلسطينيين إلى أوراق انتخابية؟

الدم والأرض في الحسابات السياسية الإسرائيلية.. كيف تتحول معاناة الفلسطينيين إلى أوراق انتخابية؟

المؤشر 20-08-2026   تكشف متابعة المشهد السياسي الإسرائيلي عن تداخل متزايد بين الحسابات الحزبية الداخلية والسياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس. فمع تصاعد الأزمات الحكومية واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، باتت الملفات الأمنية والعسكرية والاستيطانية جزءًا أساسيًا من المنافسة بين الأحزاب الإسرائيلية، وسط اتهامات بأن معاناة الفلسطينيين تُستخدم في بعض الأحيان لتعزيز المواقع السياسية وكسب تأييد الناخبين.

ومنذ اندلاع الحرب على غزة في 2023، اتسع حضور الملف الفلسطيني في الخطاب السياسي الإسرائيلي، إذ تنافست قوى سياسية مختلفة في طرح مواقف أكثر تشددًا بشأن الحرب والاستيطان والضفة الغربية، بينما تحولت العمليات العسكرية والإجراءات الاقتصادية والأمنية إلى عناصر حاضرة بقوة في الخطاب الانتخابي.

الحرب والأزمات السياسية.. علاقة متشابكة

يرى منتقدون لسياسات الحكومة الإسرائيلية أن الأزمات السياسية الداخلية ساهمت في استمرار النهج العسكري المتشدد، خصوصًا مع تعرض الائتلاف الحاكم لضغوط متكررة من شركائه اليمينيين.

وقد تناولت تحليلات في وسائل إعلام إسرائيلية ودولية العلاقة بين مستقبل الحكومة والحرب في غزة، في ظل المخاوف من أن يؤدي وقف القتال أو التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى إلى تفكك الائتلاف أو زيادة الضغوط السياسية على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وفي المقابل، يركز الخطاب السياسي الإسرائيلي بدرجات متفاوتة على إظهار القوة العسكرية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن، الأمر الذي يجعل العمليات العسكرية والضربات ضد الفصائل الفلسطينية مادة حاضرة في المنافسة السياسية الداخلية.

الضفة الغربية.. الاستيطان في قلب المنافسة

لا تقتصر تداعيات الصراع السياسي على قطاع غزة، إذ تحولت الضفة الغربية إلى ساحة رئيسية لتطبيق سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي وتوسيع نفوذ المستوطنين.

ويبرز في هذا السياق وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يدفع باتجاه تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات، فيما تصف تقارير وتحليلات هذه الإجراءات بأنها خطوات تهدف إلى ترسيخ واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا.

كما أثارت سياسات تسليح المستوطنين وتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين انتقادات من منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، وسط اتهامات للحكومة بتوفير غطاء سياسي وأمني لهذه الممارسات.

 

أما العمليات العسكرية في مدن ومخيمات شمال الضفة، بما في ذلك جنين وطولكرم وطوباس ومناطق أخرى، فقد أصبحت بدورها جزءًا من الخطاب الأمني الإسرائيلي، مع عرض مشاهد الاقتحامات وتدمير البنية التحتية باعتبارها دليلًا على قوة الجيش وقدرته على مواجهة التهديدات.

غزة.. الحرب في واجهة التنافس الحزبي

يُعد قطاع غزة أبرز ساحات التنافس السياسي الإسرائيلي منذ بداية الحرب، إذ تحولت العمليات العسكرية والاغتيالات والضربات الجوية والجدل حول المساعدات الإنسانية وصفقات الأسرى إلى ملفات رئيسية في الخلافات بين أطراف الائتلاف الحاكم.

وتشير مواقف عدد من السياسيين الإسرائيليين إلى تصاعد الخطاب الداعي إلى استخدام القوة بصورة أوسع، بينما تعرضت تصريحات لوزراء ومسؤولين إسرائيليين بشأن الحرب لانتقادات دولية واسعة، واستخدم بعضها في النقاشات القانونية الدولية المتعلقة بالحرب في غزة.

وفي المقابل، أصبح ملف المساعدات الإنسانية جزءًا من التجاذب السياسي. فقد واجهت الحكومة ضغوطًا داخلية من قوى يمينية تعارض أي خطوات يمكن أن تُفسر على أنها تخفيف للضغط على غزة، بينما تعرضت في الوقت ذاته لضغوط دولية للسماح بوصول الغذاء والدواء والمساعدات إلى المدنيين.

 

كما شكّلت مفاوضات وقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى مصدرًا متكررًا للخلاف داخل الائتلاف، في ظل تهديدات من أطراف يمينية بالانسحاب من الحكومة في حال قبول اتفاق لا يتوافق مع مطالبها.

الأحزاب الإسرائيلية.. اختلاف في الأسلوب وتشدد في الخطاب

يحتل الملف الفلسطيني موقعًا بارزًا في خطاب معظم القوى السياسية الإسرائيلية، وإن اختلفت مواقفها بشأن الأدوات والتفاصيل.

ويقدم حزب الليكود بقيادة نتنياهو نفسه بوصفه الطرف الأكثر قدرة على مواجهة الضغوط الدولية والحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية، فيما يرفض نتنياهو بصورة متكررة إقامة دولة فلسطينية في ظل الشروط التي تطرحها السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي.

أما حزب «القوة اليهودية» بقيادة إيتمار بن غفير، فيتبنى خطابًا أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، ويركز على تعزيز الإجراءات الأمنية وتغيير بعض الترتيبات المتعلقة بالمسجد الأقصى، إضافة إلى توسيع تسليح المدنيين.

من جانبه، يركز سموتريتش وحزب «الصهيونية الدينية» على تعزيز الاستيطان وتوسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على السلطة الفلسطينية.

وفي المقابل، تنتقد أحزاب المعارضة، ومن بينها قوى الوسط، طريقة إدارة الحكومة للحرب والملف الأمني، وتطرح بدائل تقوم على ما تسميه تحسين الأداء الأمني وتقليل المخاطر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اختلافًا جذريًا في جميع الملفات المتعلقة بالسياسة تجاه الفلسطينيين.

المال والأسرى.. أدوات إضافية للضغط

امتد الصراع السياسي إلى المجال الاقتصادي أيضًا، ولا سيما من خلال ملف أموال المقاصة الفلسطينية التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية.

وقد استخدمت الحكومة الإسرائيلية عمليات الاقتطاع أو حجب أجزاء من هذه الأموال في سياقات سياسية وأمنية مختلفة، الأمر الذي حذر منه اقتصاديون ومؤسسات دولية بسبب انعكاساته على قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية.

كذلك أثار وضع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، خصوصًا مع تقارير تحدثت عن ظروف اعتقال قاسية وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للأسرى منذ اندلاع الحرب.

وقد تبنى بن غفير، الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي، مواقف متشددة تجاه الأسرى الفلسطينيين، واعتبر تشديد ظروف احتجازهم جزءًا من سياسته الأمنية، بينما وصفت منظمات حقوقية بعض هذه الإجراءات بأنها انتهاكات خطيرة لحقوق المعتقلين.

إلى أين يقود هذا المسار؟

يُظهر استمرار التنافس السياسي على الملف الفلسطيني صعوبة فصل السياسة الداخلية الإسرائيلية عن التطورات في الأراضي الفلسطينية. فمع تحول الأمن والحرب والاستيطان إلى ملفات مركزية في تحديد شعبية الأحزاب، تتقلص مساحة المناورة أمام أي قيادة ترغب في تبني مسار سياسي مختلف.

ويرى منتقدون لهذه السياسات أن استمرار الاستيطان والعمليات العسكرية والضغوط الاقتصادية يعمق الانقسام ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية، فيما يحذرون من أن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى ترسيخ واقع أكثر تعقيدًا على الأرض.

وفي المحصلة، تبدو القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في حسابات الأحزاب الإسرائيلية، سواء داخل الائتلاف الحاكم أو في صفوف المعارضة، بينما يبقى الفلسطينيون الطرف الأكثر تأثرًا بنتائج هذا الصراع السياسي، في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر في الضفة الغربية والقدس.