مغادرة 45 ألف عامل هندي إسرائيل تعيد ملف العمال الفلسطينيين إلى الواجهة
وقال المستشار القانوني لنقابة العمال العرب في الناصرة، وهبي بدارنه، إن سوق العمل الإسرائيلية تمر بأزمة فعلية منذ وقف تصاريح عشرات آلاف العمال الفلسطينيين، مشيراً إلى أن استقدام عمالة من دول آسيوية لم ينجح حتى الآن في سد النقص، خصوصاً في المهن التي تتطلب خبرة ومهارات متخصصة.
وأوضح بدارنه أن المقترحات الإسرائيلية لاستقدام نحو 50 ألف عامل أجنبي للعمل في قطاعات متعددة، بينها مشاريع البنية التحتية ومشاريع المترو في منطقة تل أبيب، لا تزال في إطار الخطط والتصريحات، لافتاً إلى أن إسرائيل سبق أن اعتمدت بصورة واسعة على العمالة القادمة من الهند ودول آسيوية أخرى دون أن تتمكن من إيجاد بديل كامل للعمال الفلسطينيين.
45 ألف عامل هندي غادروا مواقع العمل
وبحسب المعطيات التي أشار إليها بدارنه، استقدمت إسرائيل نحو 70 ألف عامل من الهند وتايلاند، إلا أن قرابة 45 ألف عامل هندي تركوا مواقع عملهم.
وعزا ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها صعوبة طبيعة العمل في قطاعات البناء والترميم، وعدم امتلاك بعض العمال الخبرة المهنية اللازمة، إضافة إلى تأثيرات الحرب والظروف الأمنية المحيطة بالعمالة الأجنبية.
وأشار إلى أن جزءاً من العمال الذين غادروا أماكن عملهم اتجه إلى العمل بصورة غير قانونية، الأمر الذي تسبب، وفق قوله، بخسائر مالية للسلطات الإسرائيلية نتيجة خروج هذه العمالة عن أنظمة التسجيل والضرائب والتأمينات.
ويرى بدارنه أن هذه التجربة أظهرت صعوبة الاعتماد على العمالة الأجنبية لتعويض العمال الفلسطينيين، مؤكداً أن المشكلة لا ترتبط فقط بحجم القوى العاملة، وإنما أيضاً بمستوى الخبرة والمهارة المطلوبة، لا سيما في قطاع البناء والأعمال الفنية والترميم.
وأضاف أن إسرائيل تحملت تكاليف كبيرة لاستقدام العمال الأجانب، شملت إجراءات الاستقدام والتأهيل والسكن والتأمين، في وقت لا تزال فيه قطاعات اقتصادية مختلفة تعاني من نقص في الأيدي العاملة.
عودة فلسطينية تدريجية
وفي ما يتعلق بالعمال الفلسطينيين، قال بدارنه إن هناك مؤشرات تدفع إلى قدر من التفاؤل الحذر بشأن عودتهم إلى سوق العمل داخل إسرائيل، مشيراً إلى أن بعض العمال بدأوا بالفعل بالعودة بموجب تصاريح وإجراءات منظمة.
لكنه شدد على أن الحديث عن عودة شاملة ما زال سابقاً لأوانه، في ظل استمرار الظروف الأمنية والسياسية المعقدة، داعياً إلى عدم تقديم وعود للعمال وعائلاتهم قبل صدور قرارات واضحة.
وأوضح أن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية بات بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أنه التقى خلال جولات ميدانية عدداً من العمال وناقش معهم قضايا قانونية وحقوقية، ووصف ظروفهم المعيشية بأنها شديدة القسوة.
وبحسب بدارنه، فإن الحاجة إلى العمالة بدأت تدفع بعض أصحاب العمل والمقاولين الإسرائيليين إلى المطالبة بإعادة العمال الفلسطينيين، نتيجة النقص المتزايد في القوى العاملة.
وقال إن بعض حالات العودة تتم بعيداً عن الأضواء الإعلامية، وإن عمالاً فلسطينيين عادوا بالفعل إلى مواقع عملهم، رغم خضوعهم لإجراءات وقيود أمنية مشددة.
الخبرة المهنية تعقّد مهمة الاستبدال
ويرى بدارنه أن أحد أبرز العوامل التي تجعل استبدال العامل الفلسطيني أمراً صعباً هو الخبرة المتراكمة في المهن المختلفة، خصوصاً أعمال البناء والترميم والمهن الفنية.
وأشار إلى أن جولات ميدانية للنقابة في مصانع ومواقع عمل مختلفة أظهرت، بحسب قوله، تفاوتاً في طبيعة الأدوار التي يؤديها العمال الأجانب مقارنة بالعمال الفلسطينيين.
وأوضح أن جزءاً من العمال الهنود يعمل في مجالات مثل التنظيف والخدمات، بينما تتطلب أعمال أخرى مهارات مهنية وفنية ظلت تعتمد بدرجة أكبر على العمال الفلسطينيين.
وأضاف أن استمرار الإنفاق على استقدام العمال من الخارج قد لا يكون كافياً لمعالجة أزمة سوق العمل، في ظل صعوبة توفير البديل الذي يمتلك الخبرة والمهارة نفسها خلال فترة قصيرة.
ولفت إلى أن عدداً من الاقتصاديين والمحللين في إسرائيل أصبحوا، وفق تقديره، أكثر إدراكاً لصعوبة الاستغناء الكامل عن العمال الفلسطينيين، خاصة في قطاعات البناء والترميم.
الاقتصاد قد يدفع نحو مزيد من التسهيلات
ويرى بدارنه أن العامل الاقتصادي قد يصبح عاملاً رئيسياً في تحديد مستقبل ملف العمال الفلسطينيين، في ظل الضغوط التي يواجهها المقاولون وأصحاب الأعمال نتيجة نقص العمالة.
وقال إن استمرار هذا النقص قد يدفع باتجاه توسيع نطاق عودة العمال الفلسطينيين، حتى في ظل استمرار القيود السياسية والأمنية.
وختم بدارنه بالتأكيد على ضرورة التعامل بحذر مع المؤشرات الحالية، موضحاً أن هناك أملاً بزيادة أعداد العمال العائدين، لكن من المبكر الحديث عن انفراجة شاملة قبل ظهور قرارات رسمية وإجراءات ملموسة.
وتبرز التطورات الحالية مفارقة في سوق العمل الإسرائيلية، إذ تراهن إسرائيل على استقدام عمالة أجنبية لسد الفراغ الذي تركه العمال الفلسطينيون، بينما تشير التجربة التي يستند إليها بدارنه إلى أن قطاعات أساسية لا تزال تواجه صعوبة في إيجاد بديل سريع للعامل الفلسطيني، خصوصاً في المهن التي تعتمد على الخبرة العملية المتراكمة.



