النينيو تمنح أوروبا متنفساً محتملاً في معركة الغاز خلال شتاء 2026-2027
المؤشر 17-08-2026 قد تحمل ظاهرة «النينيو» المقبلة بعض الانفراج لسوق الغاز الأوروبية خلال شتاء 2026-2027، لكنها لن تكون كافية، بمفردها، لإنهاء الضغوط التي تواجه القارة في تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي والغاز المسال.
وتشير تحليلات «ريستاد إنرجي» إلى أن أوروبا قد تحتاج إلى شتاء أكثر دفئاً بصورة استثنائية، بمتوسط درجات حرارة يزيد بنحو درجتين مئويتين على المعدلات التاريخية، حتى تتمكن من خفض مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال إلى مستويات مماثلة لما استوردته خلال الشتاء الماضي أو أقل منها.
وتأتي هذه التقديرات في وقت تتزايد فيه حساسية السوق الأوروبية تجاه الطقس والإمدادات العالمية، خصوصاً مع استمرار الضغوط على تدفقات الغاز من منطقة الخليج وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط على حركة التجارة والطاقة.
ظاهرة قوية تقترب من المحيط الهادئ
تتمثل «النينيو» في ارتفاع غير معتاد لدرجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، وهي ظاهرة مناخية يمكن أن تؤثر في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك درجات الحرارة والأمطار ومواسم العواصف.
وبحسب «ريستاد إنرجي»، تقترب فرص تشكل النينيو خلال الأشهر المقبلة من اليقين، مع تقديرات تبلغ نحو 100% خلال فترة التسعة أشهر المقبلة، قبل أن تتراجع إلى 97% بحلول مارس/آذار 2027.
ولا تقتصر التوقعات على حدوث الظاهرة، بل تشير أيضاً إلى احتمال أن تكون قوية نسبياً. وتقدر الشركة احتمال تجاوز مؤشر درجات الحرارة عتبة 1.5 درجة مئوية بنحو 97%، فيما تبلغ فرصة وصوله إلى درجتين مئويتين أو أكثر نحو 81%.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون النينيو المقبلة من أقوى الظواهر المسجلة منذ أكثر من عقد، وربما الأقوى منذ موسم 2015-2016.
لكن قوة النينيو وحدها لا تضمن شتاءً دافئاً في أوروبا، إذ تختلف آثار الظاهرة من منطقة إلى أخرى، وهو ما يجعل تأثيرها الفعلي على الطلب الأوروبي على الغاز غير محسوم حتى الآن.
15 مليون طن إضافية قد تكون مطلوبة
تواجه أوروبا تحدياً آخر يتمثل في مستويات تخزين الغاز قبل بداية موسم التدفئة.
وتتوقع «ريستاد إنرجي» أن تبلغ مخزونات الغاز الأوروبية نحو 76% من الطاقة الاستيعابية بحلول الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ومع هذا المستوى، قد تحتاج القارة إلى زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال بنحو 15.15 مليون طن مقارنة بالعام السابق، وذلك حتى يونيو/حزيران 2027.
وتعكس هذه الحاجة حجم الفجوة التي يتعين على السوق سدها، خصوصاً مع تراجع بعض تدفقات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026 نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية.
وتقدر الشركة أن أوروبا قد تحتاج إلى نحو 150 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال قبل بداية الشتاء، وهو ما يعادل في المتوسط أكثر من شحنة يومياً حتى نوفمبر/تشرين الثاني.
ويضع ذلك المشترين الأوروبيين أمام منافسة قوية على الشحنات المتاحة في السوق العالمية، في وقت تتزايد فيه احتياجات مناطق أخرى من الغاز لتوليد الكهرباء والصناعة والتدفئة.
ماذا لو جاء الشتاء أكثر دفئاً؟
ترسم «ريستاد إنرجي» عدة سيناريوهات مرتبطة بدرجات الحرارة الأوروبية خلال الشتاء المقبل.
في السيناريو المعتدل، الذي ترتفع فيه درجات الحرارة الأوروبية بنحو درجة مئوية واحدة عن المتوسط، سينخفض استهلاك الغاز الطبيعي المسال مقارنة بالسيناريو الأساسي، لكن القارة ستظل بحاجة إلى نحو 7 ملايين طن إضافية مقارنة بواردات الشتاء السابق.
بمعنى آخر، يمكن للطقس الدافئ أن يقلص الفجوة، لكنه لن يغلقها بالكامل.
أما السيناريو الأكثر تفاؤلاً بالنسبة إلى المستهلكين الأوروبيين فيفترض ارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو درجتين مئويتين فوق المعدلات التاريخية.
وفي هذه الحالة، قد تتراجع حاجة أوروبا إلى الغاز الطبيعي المسال إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة خلال شتاء 2025-2026، ما سيخفف الضغط على السوق ويقلل حاجة المشترين الأوروبيين إلى المنافسة على الشحنات الفورية.
ومن شأن هذا السيناريو أيضاً أن يضغط على أسعار الغاز إلى الأسفل، نتيجة انخفاض الطلب الأوروبي في فترة تكون فيها السوق العالمية شديدة الحساسية لأي نقص في المعروض.
الخليج يضيف مزيداً من المخاطر
تزداد أهمية الطقس بالنسبة إلى أوروبا بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها سوق الغاز العالمية.
فالحرب في الشرق الأوسط أثرت في تدفقات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، التي تعد مركزاً رئيسياً للإمدادات العالمية، في الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا إلى تعزيز مخزوناتها قبل دخول موسم التدفئة.
وهذا الوضع يجعل أي موجة برد مفاجئة أكثر خطورة، حتى لو كان متوسط درجات الحرارة خلال الشتاء بأكمله أعلى من المعدلات المعتادة.
فالسوق لا تتأثر بالمتوسط الموسمي فقط، وإنما أيضاً بسرعة تغير الطلب، وقدرة الموردين على توفير شحنات إضافية في فترة قصيرة.
الطقس قد يساعد.. لكنه لا يعوض نقص الإمدادات
تضع هذه المعطيات «النينيو» في موقع مهم بالنسبة إلى سوق الغاز الأوروبية، لكن «ريستاد إنرجي» لا تعتبرها حلاً مستقلاً لمشكلة الإمدادات.
فالسيناريو الأساسي لا يزال يفترض ارتفاعاً معتدلاً في درجات الحرارة، وهو ما يعني انخفاض الطلب مقارنة بشتاء أكثر برودة، لكنه لا يلغي حاجة أوروبا إلى استيراد كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال.
وفي حال تحولت التوقعات خلال الأشهر المقبلة إلى سيناريو أكثر دفئاً، فقد تتغير الحسابات بصورة كبيرة، خصوصاً إذا انعكست قوة النينيو على الطقس الأوروبي بشكل واضح.
وتشير التجارب السابقة إلى أن التوقعات الموسمية يمكن أن تتغير مع اقتراب موعد الشتاء، وهو ما يجعل الاعتماد على ظاهرة مناخية واحدة لتأمين سوق الطاقة الأوروبية رهاناً غير مضمون.
أوروبا تراهن على عامل خارج سيطرتها
في نهاية المطاف، تبدو المعادلة الأوروبية واضحة: كلما كان الشتاء أكثر دفئاً، تراجع الطلب على الغاز وانخفضت الحاجة إلى منافسة المشترين العالميين على الشحنات المتاحة.
لكن الوصول إلى سيناريو يخفف فاتورة الغاز بصورة ملموسة يتطلب، وفق تقديرات «ريستاد إنرجي»، ظروفاً مناخية أكثر دفئاً بكثير من المعتاد.
لذلك، قد تمنح «النينيو» أوروبا متنفساً مهماً خلال شتاء 2026-2027، لكنها لا تمثل بديلاً عن تأمين الإمدادات ورفع مستويات التخزين وتنويع مصادر الغاز.
وبينما تترقب الأسواق تطورات الطقس خلال الأشهر المقبلة، يبقى العامل الأكثر حساسية هو ما إذا كانت النينيو ستترجم فعلاً إلى شتاء أوروبي دافئ، أم أن القارة ستجد نفسها مجدداً أمام منافسة شرسة على الغاز الطبيعي المسال مع دخول موسم التدفئة.



