في إدارة المعارك السياسية نحمل آلامنا وخيباتنا ونواصل

في إدارة المعارك السياسية نحمل آلامنا وخيباتنا ونواصل

المؤشر 03-10-2026   

الكاتب: أمير مخول

ما من شك في أن الشعور العام يوم الأول من تشرين اول ومداولات المحكمة العليا وحصريا في ملف رئيس حزب التجمع الوطني الدمقراطي، كان يوما من الخسائر معنويا وقياديا وسياسيا. وسوف تبيّن الأيام الى أية درجة كان مفصلياً واعتقد ذلك شخصيا. المشهد امام المحكمة العليا كان مبعث غضب وخيبة شديدين لم يكونا قضاءً وقدراً. لقد وجدت المشاعر تعبيرا عنها على صفحات التواصل الاجتماعي والاعلام المحلي وهي مشاعر شرعية بامتياز، معتبرة أن دور القيادة صنع الحالة المعنوية.

مسيرة جماهير شعبنا لم تبدأ اليوم ولن تنتهي في الغد، ما ميّز كل الإنجازات الوطنية التي حققتها جماهير شعبنا منذ نكبة العام 1948 ولغاية اليوم هو انها كانت على قدر النضال من أجلها وكانت تراكمية وتميّزت ادارتها او قيادتها بالرؤية وبالنفس الطويل. لم يحصل أي انجاز بضربة واحدة وانتهى الأمر.

في المسيرة النضالية الشعبية هناك إنجازات كبرى وهناك إخفاقات عديدة، وتميزت بحالات استنهاض وصعود وبحالات تراجع. كما أنها تشبه كل المعارك او إدارة الصراعات، فحين تكون الخسائر والاثمان لا تتوقف المسيرة الى حين المحاسبة على كل اخفاق، هذا بمستطاع كل المعنيين والمعنيات الاجتهاد بصدده لكن المسيرة لا تتوقف على هذه الخسارة او تلك.

في الأول من تشرين أول تمّ خوض معركة غير متكافئة جوهرياً وبنيوياً ولا يمكن أن تكون متكافئة. جماهير شعب، او حزب سياسي او قائد سياسي ومنظمة حقوقية فريدة من نوعها (عدالة)، لا يملكون سوى الخطاب وكلمة الحق والحق قوة. يقفون امام لجنة انتخابات ومحكمة عليا تحاكمان وفقاً للأجواء وعلى النوايا مهما كانت مبطنة، فيكفي نسبها الى هذا المسؤول السياسي او ذاك حتى تُحال اليه مهمة الاعتراف بالجرم وهو محروم مسبقا من إثبات البراءة.

ليس بن غفير من يحدد وقع ووتيرة المحكمة العليا الإسرائيلية، هذه هي المحكمة العليا، والقضاء مشتقٌّ من مصدرين؛ واحد هو القضاء لصالح العدالة والأخر هو القضاء على الحق وعلى شرعية أصحابه.

قرار قضاة العليا بمنح سامي أبو شحادة الخيار "صفر" القائم على إما الشطب وإما الشطب هو حل وسط بين القضاة أنفسهم، بين من كانت نواياه الشطب بقرار حكم من العليا، ومن كانت نواياه الاكتفاء بالشطب فعليا دون النزعة الانتقامية. هذه كانت مساحة المناورة المتاحة، واعتقد ان ما عبر عنه الأخ سامي بأنه اقسى القرارات في حياته كان بين الخيارين القاتلين هو مقولة صادقة تماما، رغم اني لم أكن معجباً بأدائه او بمضمون خطابه امام القضاة.

الفكرة التي يتم التداول بها بإحراج المحكمة العليا امام العالم هي فكرة انتهى مفعولها قبل نحو عقدين ونصف من الزمن. لا حرج لدى المحكمة وفي قضايا اكثر مصيريّة من الترشح للكنيست. المحكمة العليا برئاسة رمز اللبرالية القاضي اهرون براك صادقت على كل مشاريع النهب والاستيلاء على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، وهي الهيئة القضائية التي صادقت على قانون أساس القومية، وفعليا تماشت مع أساليب التعذيب والاعتقال في سدي-دوف، وعلى الاستيطان والتهويد. والقائمة طويلة جدا.

لو كان أي سياسي آخر في وضعية سامي أبو شحادة امام المحكمة العليا، لما كانت حدود مناورته المعدومة أوسع، ولما كانت سقف الخطاب مختلفا بالجوهر. فحدود المعركة القضائية لا يحددها سوى القضاء والمنظومة الحاكمة فيما الهامش الضيق جدا والذي كان قائما للدفاع لم يعد موجودا وتبخر منذ أكتوبر 2023 وحالة الطوارئ الفعلية. المشكلة بتقديري ان الحركة السياسية قرأت المتغيرات في الحالة السياسية والمنظوماتية الإسرائيلية واعتبرتها عابرة ولم تبلور أية آلية للتعاطي معها، وإذا كان الانقلاب القضائي الذي بدأ منذ سنوات طويلة وترسّخ مع بداية حكومة نتنياهو الحالية في أواخر 2022، فإنه ناجز تماما للتعامل مع الفلسطينيين وحقوقهم في الضفة والقدس وغزة وفقط الوهم يوحي بأن الفلسطينيين مواطني إسرائيل يتمتعون بحصانة حقوقية او سياسية.

رغم الألم والضربة المعنوية الذاتية والقهرية على السواء ورغم الشعور بالإهانة الجماعية فإن الأسئلة الجوهرية سوف تفرض حضورها بعد الانتخابات، فيما حاليا من المحتمل أن مشهد المحكمة العليا بكل جوانبه، لا يبدو نهاية المطاف بل تعد المؤسسة الحاكمة لننا مطبات أخرى وتدفع نحو فرض مواجهة أصعب مما رأينا لحد الان. في هكذا وضعية فإننا جميعنا بحاجة الى جميعنا؛ نصون نفسنا الطويل ونحمل وجع خيباتنا ونواصل.

في التكافل والتضامن الداخلي

خوض انتخابات الكنيست الإسرائيلي هو خيار الفئات الأوسع وغالبية الحركة السياسية، وهذا لا يلغي شرعية التعددية وتعدد الطرق في هذا الصدد. اما مواجهة سياسة الشطب والتطهير العرقي السياسي فهي مسؤولية الجميع – كل القوى السياسية، كما كل أشكال الملاحقات السياسية. ففي ملفات الملاحقات السياسية لا أحد ينظر إذا كان الملاحَق من حزب يخوض الانتخابات او يقاطعها، كذا هو الامر عند الشطب حيث المستهدف هو جميعنا.

اعتقد ان التكافل والتضامن السياسي الشامل هما مسؤولية كبرى لحمايتنا جميعا ويبقى المجال للاختلافات والتعددية مُصاناً. الوقوف معا كجمهور ملاحق لا يمس اختلاف الرأي بل يبقي الكلمة للبوصلة السياسية الوطنية.