حرب إيران تعيد رسم خريطة المضاربة على النفط بين برنت وخام تكساس

حرب إيران تعيد رسم خريطة المضاربة على النفط بين برنت وخام تكساس

المؤشر 04-10-2026   أعادت الحرب على إيران تشكيل تحركات المتعاملين في أسواق النفط، بعدما لم تعد تداعيات اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز مقتصرة على أسعار الخام وتدفقات التجارة، بل امتدت إلى سوق المشتقات والمراكز الاستثمارية المرتبطة بخام برنت وغرب تكساس الوسيط والمنتجات النفطية المكررة.

وبحسب تحليل لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة، أدت الصدمة التي تعرض لها سوق النفط إلى ارتفاع مستويات التقلب ومتطلبات الهامش، ما دفع المتعاملين الماليين في بداية الأزمة إلى تقليص حجم انكشافهم، قبل أن تبدأ مراكزهم في التحول تدريجيًا مع تغير مسارات الإمدادات.

برنت يتحول إلى مركز للمراهنات البيعية

شهدت مراكز المنتجين والمتاجرين والمستخدمين الرئيسيين للنفط (PMPU) تغيرات كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، إذ اتجهت بصورة واضحة نحو المراكز البيعية قبل أن تبدأ في التعافي لاحقًا.

وكان خام برنت الأكثر تأثرًا بهذا التحول؛ إذ هبط صافي مراكز المستثمرين فيه بشكل حاد بعد بداية الحرب، ووصل إلى نحو 600 ألف عقد في الاتجاه البيعي بحلول منتصف مايو/أيار الماضي، بزيادة تقارب 250 ألف عقد مقارنة بمستواه في مطلع مارس/آذار.

ويربط معهد أكسفورد هذا التراجع بالاضطرابات التي أصابت تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط، حيث اضطرت شركات التكرير إلى البحث عن مصادر بديلة للخام لتعويض الإمدادات المتضررة من إغلاق بعض المسارات.

وفي مقدمة البدائل جاء الخام الأميركي، إلى جانب إمدادات من مصادر أخرى، لكن هذا الاتجاه بدأ في التراجع مع تحسن حركة النفط عبر مضيق هرمز لفترات خلال يونيو/حزيران.

ومع نهاية مايو/أيار، بدأت مراكز برنت في التحسن تدريجيًا، قبل أن تصبح أقل ميلًا إلى المراهنة على انخفاض الأسعار اعتبارًا من أواخر يوليو/تموز.

الصادرات الأميركية تعكس إعادة توزيع الإمدادات

ويشير تحليل المعهد إلى تحرك لافت بين مراكز برنت وصادرات الخام الأميركية خلال فترة الاضطراب.

فقد ارتفعت صادرات النفط الخام الأميركية من قرابة 4 ملايين برميل يوميًا إلى نحو 5.5 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف مايو/أيار، قبل أن تنخفض إلى حوالي 3.5 مليون برميل يوميًا في أواخر يوليو/تموز.

ولا يعتبر معهد أكسفورد أن هذا المسار يعكس بالضرورة علاقة مباشرة بين الصادرات ومراكز برنت، لكنه يراه مؤشرًا على عملية أوسع لإعادة توزيع شحنات النفط عالميًا.

ومع بحث المشترين عن بدائل للبراميل القادمة من الشرق الأوسط، ارتفع الاعتماد على الخام الأميركي. لكن تحسن تدفقات النفط عبر هرمز خلال يونيو/حزيران قلل الحاجة إلى جزء من هذه البدائل، وهو ما انعكس بدوره على بعض عمليات التحوط المرتبطة بخام برنت.

غرب تكساس يتخذ مسارًا مغايرًا

على الجانب الآخر، لم يتحرك خام غرب تكساس الوسيط بالطريقة نفسها التي تحرك بها برنت.

فبحسب المعهد، ارتفع صافي مراكز المنتجين والمتاجرين والمستخدمين الرئيسيين في خام غرب تكساس من حوالي 130 ألف عقد إلى نحو 400 ألف عقد في منتصف يوليو/تموز، قبل أن يتراجع إلى قرابة 300 ألف عقد في منتصف أغسطس/آب، مع بقائه عند مستوى أعلى بكثير من مستواه السابق للحرب.

ويرتبط جزء مهم من هذا المسار بالسوق الأميركية، ولا سيما الالتزامات المتعلقة بإعادة تكوين مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

 

وفي هذا السياق، التزمت الولايات المتحدة بإعادة 172 مليون برميل إلى الاحتياطي الاستراتيجي ضمن التحرك المنسق مع وكالة الطاقة الدولية. وقد جرى تخصيص أكثر من 133 مليون برميل من خلال عمليات تبادل مكتملة، بمتوسط علاوة إعادة بلغ نحو 25%.

وتُترجم هذه العمليات إلى التزامات بإعادة قرابة 166 مليون برميل مرتبطة بأول 133 مليون برميل جرى الإفراج عنها. وإذا تم التحوط من كامل هذا الانكشاف باستخدام العقود القياسية، التي يمثل كل منها 1000 برميل، فإن ذلك يعادل نحو 166 ألف عقد آجل.

من الخام إلى الوقود المكرر

ومن أبرز التغيرات التي رصدها معهد أكسفورد انتقال جزء من النشاط المضاربي تدريجيًا من أسواق الخام إلى المنتجات النفطية المكررة.

ففي بداية الحرب، تركزت المراهنات الصعودية بشكل أساسي في خام برنت، وهو ما يعكس المخاوف المباشرة بشأن إمدادات الشرق الأوسط نتيجة اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وإعادة توجيه التجارة العالمية.

لكن اعتبارًا من أبريل/نيسان، بدأ اهتمام المتعاملين يتحول بصورة أكبر نحو المنتجات المكررة، مع ارتفاع المكون التقديري في مراكز زيت الغاز والبنزين وصولًا إلى يونيو/حزيران.

هرمز يكشف نقطة الاختناق في سوق النفط

ويخلص التحليل إلى أن تغير مراكز المستثمرين خلال أزمة مضيق هرمز يكشف تحولًا أوسع في الطريقة التي تتعامل بها الأسواق المالية مع الصدمات النفطية.

ففي بداية الأزمة، تركزت المخاطر في سوق الخام، وكان برنت الأداة الأبرز للتعبير عن الرهانات على ارتفاع الأسعار نتيجة تعطل الإمدادات.

لكن مع إعادة توجيه شحنات النفط وظهور مصادر بديلة، انتقل جزء من الضغط إلى سوق المنتجات المكررة، لتصبح قدرة المصافي وتوافر الوقود عاملين أكثر تأثيرًا في تحديد اتجاهات السوق.

وفي المقابل، حافظ غرب تكساس الوسيط على مسار مختلف نسبيًا، مدفوعًا بعوامل خاصة بالسوق الأميركية، وعلى رأسها الالتزامات المرتبطة بإعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.

وبذلك، لا تعكس أزمة هرمز تحركات الأسعار فقط، بل تكشف أيضًا عن إعادة توزيع لمخاطر السوق بين أنواع الخام والمنتجات المكررة، وكذلك بين المراكز الاستثمارية المنهجية والتقديرية.

ويشير ذلك إلى أن نقطة الاختناق في سوق النفط ليست ثابتة، وإنما يمكن أن تنتقل سريعًا من الخام إلى المنتجات أو بين مناطق الإمداد، تبعًا لتغير مسارات التجارة وقدرة شركات التكرير على توفير البدائل.