هل يقترب عصر الذكاء الاصطناعي منخفض التكلفة من نهايته؟
المؤشر 31-08-2026 لسنوات، ارتبط اسم «DeepSeek» بالنماذج منخفضة التكلفة التي ساعدت على تعزيز المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي، لكن قرار الشركة الصينية تعديل أسعار بعض خدماتها يعيد طرح سؤال جوهري أمام قطاع التكنولوجيا: إلى أي مدى يمكن أن تستمر خدمات الذكاء الاصطناعي بأسعارها المنخفضة في ظل تصاعد تكلفة تطوير النماذج وتشغيلها؟
وأعلنت «DeepSeek» تحديث أسعار استخدام نماذجها عبر واجهة برمجة التطبيقات (API)، مع اختلاف التسعيرة بين أوقات الذروة والفترات الأقل ضغطًا. وبدأ تطبيق الأسعار الجديدة في 16 أغسطس/آب 2026.
وتفاوتت الزيادات الجديدة بصورة كبيرة، إذ تراوحت، بحسب النموذج ونوع الرموز المستخدمة ووقت الاستهلاك، بين 50% و1,100%.
لكن ارتفاع أسعار الـAPI لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في تكلفة استخدام تطبيق «DeepSeek» بالنسبة إلى المستخدم العادي، إذ تستهدف واجهة البرمجة بصورة أساسية المطورين والشركات التي تدمج نماذج الذكاء الاصطناعي في تطبيقاتها ومنتجاتها.
ومع ذلك، فإن الخطوة تحمل دلالة أوسع على تطور اقتصاد الذكاء الاصطناعي، إذ تواجه الشركات ضغوطًا متزايدة لتحويل الانتشار الهائل لهذه التقنيات إلى إيرادات قادرة على تغطية تكاليف التشغيل والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية.
مليارات المستخدمين.. وقلة فقط تدفع
رغم الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، لا يزال نموذج الدفع يمثل جزءًا صغيرًا من السوق.
وتقدر «Menlo Ventures» أن نحو 1.8 مليار شخص حول العالم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما بلغ إنفاق المستهلكين عليها قرابة 12.1 مليار دولار، في حين لا يدفع مقابل الخدمات المدفوعة سوى نحو 3% من المستخدمين.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين حجم الاستخدام وحجم الإيرادات المباشرة. وبحساب متوسط نظري بسيط لتوزيع 12.1 مليار دولار على 1.8 مليار مستخدم، فإن الإنفاق يعادل نحو 6.7 دولار سنويًا لكل مستخدم، أو ما يقارب 56 سنتًا شهريًا.
لكن هذا الحساب لا يعكس ما يدفعه المشتركون فعليًا، لأن الغالبية العظمى من المستخدمين تعتمد على الإصدارات المجانية.
وترى «Menlo Ventures» أن هذه الفجوة قد تمثل إحدى أكبر فرص النمو أمام سوق الذكاء الاصطناعي. فإذا دفع جميع المستخدمين متوسطًا قدره 20 دولارًا شهريًا، فإن الإيرادات النظرية ستصل إلى نحو 432 مليار دولار سنويًا، مقارنة بنحو 12 مليار دولار حاليًا.
قيمة الاستخدام ترتفع أيضًا
في المقابل، لا يمكن قياس اقتصاد الذكاء الاصطناعي من خلال ما يدفعه المستخدم فقط، إذ تشير البيانات إلى أن القيمة الاقتصادية التي يحصل عليها المستخدمون من هذه الأدوات آخذة في الارتفاع.
ووفق تقرير «AI Index 2026» الصادر عن جامعة ستانفورد، وصلت القيمة السنوية المقدرة التي يحصل عليها المستهلكون الأميركيون من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نحو 172 مليار دولار في بداية 2026، مقابل 112 مليار دولار قبل عام.
كما ارتفع متوسط القيمة المقدرة لكل مستخدم من 98 دولارًا إلى 125 دولارًا خلال الفترة نفسها.
وعلى صعيد قطاع الأعمال، أظهر استطلاع أجرته «PwC» في الإمارات أن 65% من قادة الشركات الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي سجلوا تحسنًا في إنتاجية الموظفين، بينما تحدث 46% منهم عن زيادة الإيرادات، وأشار 51% إلى تحسن الربحية.
وهذا يعكس معادلة جديدة في سوق التقنية: إذا كانت الأداة قادرة على توفير قيمة تتجاوز تكلفتها، فإن الاشتراك فيها يمكن أن يتحول من بند إنفاق إلى استثمار.
البنية التحتية تستهلك مليارات الدولارات
في الوقت الذي يدفع فيه المستخدم النهائي مبالغ محدودة نسبيًا، تتجه الشركات إلى إنفاق مبالغ ضخمة لتطوير البنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي.
وتتوقع «Goldman Sachs» أن يصل الإنفاق الرأسمالي السنوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى نحو 765 مليار دولار خلال عام 2026، مع احتمال ارتفاعه إلى قرابة 1.6 تريليون دولار سنويًا بحلول 2031.
وبحسب تقديرات المؤسسة، قد يبلغ إجمالي الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 7.6 تريليون دولار خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2031.
وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات متعددة، من أشباه الموصلات والمعالجات ومراكز البيانات، إلى الطاقة وأنظمة التبريد والشبكات والحوسبة السحابية.
وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات السوق: تكلفة بناء وتشغيل منظومة الذكاء الاصطناعي تتضخم بسرعة، بينما لا يزال الجزء الأكبر من المستخدمين يحصلون على الخدمات مجانًا أو مقابل رسوم محدودة.
التحدي الحقيقي: تحويل الاستثمار إلى إيرادات
بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا والمستثمرين، لا يكمن التحدي في حجم الإنفاق وحده، وإنما في قدرة الصناعة على تحقيق عائد يبرر هذه الاستثمارات.
وتشير تقديرات «JPMorgan» إلى أن تحقيق عائد بنسبة 10% على الاستثمارات الحالية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد يتطلب الوصول إلى نحو 650 مليار دولار من الإيرادات السنوية.
ولإظهار ضخامة الرقم، يقدم البنك مثالًا افتراضيًا مفاده أن توزيع هذه الحاجة إلى الإيرادات على قاعدة مستخدمي أجهزة «آيفون» قد يعادل نحو 35 دولارًا شهريًا لكل مستخدم.
ولا يعني ذلك أن المستخدمين سيُطلب منهم دفع هذا المبلغ فعلًا، بل يعكس حجم الإيرادات التي قد تحتاج الصناعة إلى تحقيقها حتى تتناسب العوائد مع حجم الاستثمارات الجاري ضخها في القطاع.
هل تنتقل التكلفة إلى المستخدم؟
رفع أسعار واجهة الـAPI لدى «DeepSeek» لا يعني أن مستخدم التطبيق العادي سيواجه بالضرورة زيادة فورية في سعر الاشتراك.
لكن ارتفاع تكلفة تشغيل النماذج بالنسبة إلى الشركات والمطورين قد يجد طريقه في النهاية إلى المستهلك، سواء عبر زيادة أسعار الاشتراكات، أو فرض رسوم على مزايا معينة، أو تقليص حدود الاستخدام المجاني، أو رفع تكلفة المنتجات والخدمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وفي الاتجاه المقابل، فإن ارتفاع القيمة التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي قد يجعل المستخدم أكثر استعدادًا للدفع، خصوصًا إذا أصبحت هذه الأدوات جزءًا أساسيًا من العمل أو التعليم أو التسوق والخدمات اليومية.
وبمعنى آخر، قد لا يكون السؤال مستقبلًا: «هل سيدفع المستخدم مقابل الذكاء الاصطناعي؟»، وإنما «كم سيدفع مقابل أدوات أصبحت جزءًا لا غنى عنه من حياته؟».
الاشتراكات ليست مصدر الإيرادات الوحيد
ولا تعتمد شركات الذكاء الاصطناعي على رفع أسعار الاشتراكات كخيار وحيد لزيادة الإيرادات.
فالسوق يتجه إلى نماذج متنوعة تشمل الدفع بحسب حجم الاستخدام، وبيع الخدمات للمؤسسات، ودمج الذكاء الاصطناعي في منتجات قائمة، إلى جانب البحث عن نماذج إعلانية وتجارية جديدة.
كما تمتد الاستفادة الاقتصادية من نمو القطاع إلى شركات لا تطور نماذج الذكاء الاصطنا



