اضطرابات الحرب تؤجل مشروعات الطاقة المتجددة بالشرق الأوسط.. والتحول طويل الأجل مستمر
وتشير تقديرات شركة "ريستاد إنرجي" إلى أن عدداً من مشروعات الطاقة المتجددة الجاري تنفيذها في المنطقة قد يواجه تأخيرات تتراوح بين 3 و12 شهراً، نتيجة صعوبات توريد المعدات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب توجيه جزء من الاستثمارات نحو إصلاح منشآت الطاقة التقليدية التي تضررت خلال الصراع.
ورغم هذه الضغوط، ترى الشركة أن الأسس التي تدعم نمو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ما تزال قائمة، مدفوعة بالزيادة المستمرة في استهلاك الكهرباء، وانخفاض تكلفة تقنيات الطاقة النظيفة، فضلاً عن سعي الدول المنتجة للنفط والغاز إلى استخدام مزيد من مصادر الطاقة المتجددة محلياً لتحرير كميات أكبر من الوقود الأحفوري للتصدير.
الحرب تضغط على سلاسل التوريد
أدت التطورات الأمنية إلى إعادة ترتيب بعض أولويات قطاع الطاقة في المنطقة، مع امتداد تأثير اضطرابات تجارة النفط والغاز إلى سوق معدات الطاقة المتجددة.
وتعتمد دول الشرق الأوسط بدرجة كبيرة على استيراد الألواح والمعدات الشمسية من الصين، الأمر الذي جعل الاضطرابات التي طالت طرق الشحن عبر الخليج عاملاً إضافياً في تأخير وصول المعدات إلى مواقع المشروعات.
كما أدى ارتفاع تكاليف النقل وزيادة مخاطر التأمين إلى رفع تكلفة المشروعات التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة في مراحلها الأولى، خصوصاً تلك التي تعتمد على عقود طويلة الأجل لبيع الكهرباء.
لكن الأزمة قد تحمل في الوقت نفسه حافزاً إضافياً لتسريع التحول، إذ إن زيادة الاعتماد على الشمس والرياح في توليد الكهرباء تتيح للدول المنتجة للنفط والغاز تقليص استهلاك الوقود الأحفوري محلياً، وتوجيه كميات أكبر منه إلى الأسواق الخارجية.
وتتوقع "ريستاد إنرجي" أن تشهد السعودية والإمارات وسلطنة عُمان زخماً أقوى في تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة بمجرد تراجع الاضطرابات الحالية.
تراجع واردات المعدات في الخليج
انعكست مشكلات النقل والشحن بشكل مباشر على تدفقات معدات الطاقة الشمسية إلى عدد من أسواق المنطقة.
وبحسب بيانات "ريستاد إنرجي"، هبط متوسط الواردات الشهرية من معدات الطاقة الشمسية الكهروضوئية إلى الإمارات من 785 ميغاواط في عام 2025 إلى نحو 98 ميغاواط بعد اندلاع الصراع، بانخفاض قدره 687 ميغاواط.
وفي السعودية، تراجعت الواردات بنحو 580 ميغاواط، لتصل إلى متوسط شهري يبلغ 139 ميغاواط. كما سجلت أسواق العراق وسلطنة عُمان وإيران انخفاضات في الواردات.
لكن شمال إفريقيا اتخذ مساراً مختلفاً؛ إذ ارتفع متوسط الواردات المصرية إلى 243 ميغاواط شهرياً، بزيادة 50 ميغاواط مقارنة بمتوسط عام 2025، في حين وصلت واردات المغرب إلى نحو 155 ميغاواط.
ويعكس هذا التباين اختلاف درجة اعتماد الأسواق على مسارات الشحن المتأثرة بالأحداث، إضافة إلى استمرار تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة في مصر والمغرب.
الشمس تقود نمو الطاقة النظيفة
رغم التأثيرات قصيرة الأجل، تظل الطاقة الشمسية الكهروضوئية في مقدمة مصادر النمو المتوقع في قطاع الكهرباء بالمنطقة.
فقد ارتفعت القدرة الشمسية المركبة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حوالي 10 غيغاواط عام 2020 إلى قرابة 40 غيغاواط بنهاية 2025، بينما تتوقع "ريستاد إنرجي" وصولها إلى نحو 176 غيغاواط بحلول عام 2035.
ومن المتوقع أن تستحوذ السعودية والإمارات ومصر وسلطنة عُمان وإسرائيل على نحو ثلثي الإضافات الجديدة خلال هذه الفترة.
وتأتي السعودية في مقدمة الأسواق من حيث التوسع، مع أكثر من 12 غيغاواط من القدرات الشمسية، تليها الإمارات بأكثر من 6.5 غيغاواط، بينما تمتلك مصر مجموعة واسعة من المشروعات، خصوصاً في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
الرياح تعزز حضورها
بالتوازي مع النمو السريع للطاقة الشمسية، تزداد أهمية طاقة الرياح البرية باعتبارها أحد المكونات الرئيسية لمزيج الطاقة المتجددة في المنطقة.
وتظهر بيانات "ريستاد إنرجي" ارتفاع القدرة المركبة لطاقة الرياح البرية من نحو 5 غيغاواط عام 2020 إلى قرابة 9 غيغاواط بنهاية 2025، مع توقعات بوصولها إلى 44 غيغاواط بحلول 2030، ثم إلى نحو 108 غيغاواط في 2035.
وتقود مصر والسعودية والمغرب وسلطنة عُمان هذا التوسع، مستفيدة من المساحات المتاحة وارتفاع سرعات الرياح في مناطق عدة، إلى جانب التحسن المستمر في اقتصاديات توربينات الرياح.
وتبرز مصر من خلال المشروعات التي يجري تطويرها على امتداد منطقة خليج السويس، بينما تمضي السعودية في تنفيذ مشروعات كبيرة ضمن برنامجها الوطني للطاقة المتجددة.
الهيدروجين الأخضر يواجه تحديات التمويل
ويمثل الهيدروجين الأخضر محوراً آخر في خطط التحول التي تتبناها دول المنطقة، خصوصاً السعودية وعُمان ومصر والإمارات والمغرب.
وتعتمد هذه الدول على وفرة موارد الشمس والرياح لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته بهدف تلبية الطلب المحلي وفتح المجال أمام التصدير إلى الأسواق العالمية.
إلا أن معظم المشروعات لا تزال في مراحل مبكرة، تتراوح بين دراسات الجدوى ومذكرات التفاهم، في حين يمثل تأمين التمويل وإبرام عقود شراء طويلة الأجل من أبرز العقبات أمام الوصول إلى قرارات الاستثمار النهائية.
الغاز يبقى جزءاً من مزيج الكهرباء
ولا يعني التوسع في مصادر الطاقة المتجددة أن الغاز الطبيعي سيفقد أهميته سريعاً، إذ تشير توقعات "ريستاد إنرجي" إلى استمرار دوره في منظومة الكهرباء خلال المرحلة الانتقالية.
ومن المتوقع ارتفاع قدرات توليد الكهرباء بالغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 345 غيغاواط عام 2020 إلى نحو 503 غيغاواط في 2035.
ويرتبط ذلك جزئياً باستمرار توجه الدول المنتجة للنفط إلى استخدام الغاز بدلاً من الخام في محطات الكهرباء، ما يتيح توجيه كميات أكبر من النفط إلى التصدير.
كما يحتفظ الغاز بأهمية خاصة باعتباره مصدراً مرناً لتوليد الكهرباء، يمكن استخدامه لتعويض التذبذب الطبيعي في إنتاج محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
الطلب على الكهرباء يفرض توسعاً هائلاً
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه المنطقة نمواً متسارعاً في استهلاك الكهرباء. فقد ارتفع الطلب على الكهرباء بنحو ثلاثة أمثال منذ عام 2000، بينما تتوقع "ريستاد إنرجي" زيادة إضافية تقارب 40% بحلول 2035.
وتعد درجات الحرارة المرتفعة واحتياجات التبريد وتحلية المياه من أبرز محركات الطلب، إلى جانب النمو الصناعي والسكاني والتوسع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.
وبالتالي، تواجه دول المنطقة تحدياً مزدوجاً: تلبية نمو كبير في الطلب على الكهرباء، بالتزامن مع خفض الانبعاثات المرتبطة بقطاع التوليد.
أكثر من 2300 غيغاواط بحلول 2050
على المدى الطويل، تتجه القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تجاوز 2300 غيغاواط بحلول 2050، أي ما يقارب أربعة أضعاف مستواها في عام 2025، مع توقع أن تأتي النسبة الأكبر من الإضافات الجديدة من مصادر الطاقة النظيفة.
وتتوقع "ريستاد إنرجي" ارتفاع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة، ولا سيما الشمس والرياح، في توليد الكهرباء من 5.4% عام 2025 إلى نحو 20% في 2030، قبل أن تقترب من 70% بحلول 2050.
ولا تعني هذه التحولات خروج الغاز من منظومة الكهرباء، وإنما تغير موقعه داخلها؛ فبعد أن كان أحد أبرز محركات زيادة قدرات التوليد خلال العقود الماضية، يتجه تدريجياً إلى أداء دور أكثر مرونة في شبكة تعتمد بصورة متزايدة على الطاقة الشمسية والرياح وتقنيات تخزين الكهرباء.



