مراكز البيانات تدفع استهلاك الكهرباء في أميركا نحو مزيد من الوقود الأحفوري

مراكز البيانات تدفع استهلاك الكهرباء في أميركا نحو مزيد من الوقود الأحفوري

المؤشر 17-08-2026   تضع الطفرة غير المسبوقة في إنشاء مراكز البيانات الأميركية قطاع الكهرباء أمام معادلة صعبة؛ فبينما تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة لتوفير البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى كميات هائلة من الكهرباء، ما يهدد بإبطاء مسار خفض الانبعاثات ودفع شركات المرافق إلى التوسع مجدداً في محطات الغاز.

وأظهر تحليل أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز» لنحو 60 مشروعاً كبيراً لمراكز بيانات تخطط شركات «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل» و«ميتا» لإنشائها في الولايات المتحدة، أن هذه المنشآت قد تنتج، عند تشغيلها بكامل طاقتها، نحو 101.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، استناداً إلى مزيج توليد الكهرباء الأميركي الحالي.

ويشير هذا الرقم إلى حجم التأثير المحتمل للطلب الجديد على الكهرباء، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة وشركات التكنولوجيا خفض البصمة الكربونية لقطاع الطاقة والاقتصاد.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة الطلب على الكهرباء

أصبحت مراكز البيانات أحد أبرز محركات نمو استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة، مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وارتفاع احتياجات تشغيل النماذج الحاسوبية العملاقة.

وقال الباحث في مجال الطاقة والمناخ جوناثان كومي إن تقدير الانبعاثات الناتجة عن المشاريع الجديدة يبدو معقولاً، مشيراً إلى أن هذه الزيادة، رغم أنها تمثل جزءاً من إجمالي الانبعاثات الأميركية، تعد كبيرة مقارنة بالتعهدات التي قطعتها شركات مراكز البيانات قبل سنوات بشأن تقليص انبعاثاتها.

وتشير تقديرات «غريد ستراتيجيز» إلى أن مراكز البيانات قد تمثل نحو 55% من الزيادة المتوقعة في أحمال شركات المرافق الأميركية خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يجعلها عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل خطط إنتاج الكهرباء.

الغاز الطبيعي يعود إلى الواجهة

تواجه شركات المرافق ضغوطاً متزايدة لتوفير كهرباء موثوقة على مدار الساعة، في وقت لا تزال فيه إضافة مشروعات الطاقة المتجددة وشبكات النقل تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتنفيذ.

وبحسب تحليل «فاينانشال تايمز»، فإن نحو ثلاثة أرباع شركات المرافق التي تخدم مشاريع مراكز البيانات الستين تخطط لبناء قدرات جديدة لتوليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي.

كما اتجهت بعض الشركات إلى تأجيل خطط إغلاق محطات الفحم، ما يعني استمرار تشغيل أصول كان من المقرر إخراجها من الخدمة.

ويقول آرون بيرغمان، الباحث في مؤسسة «ريسورسز فور ذا فيوتشر»، إن زيادة الطلب على شبكة الكهرباء غالباً ما تؤدي في المدى القصير إلى ارتفاع الانبعاثات، ما لم تتزامن الزيادة في الاستهلاك مع توسع مماثل في مصادر الكهرباء منخفضة الكربون.

محطات غاز مرتبطة مباشرة بمراكز البيانات

ولا تقتصر العلاقة بين توسع مراكز البيانات والغاز الطبيعي على زيادة الطلب بشكل عام، إذ أبلغ نحو 17% من مشغلي شركات المرافق التي تخدم المشاريع التي شملها التحليل الجهات التنظيمية بأن محطات غاز جديدة يجري تطويرها لتلبية احتياجات مراكز بيانات فائقة الضخامة بعينها.

ويرى تايلور ماكنير، نائب مدير شركة «غريد لاب» للاستشارات في مجال الطاقة النظيفة، أن شركات المرافق تميل عند حدوث قفزة مفاجئة في الطلب إلى الخيار الأسرع والأكثر اعتياداً لديها، وهو إضافة قدرات توليد تعمل بالغاز.

ويأتي ذلك رغم التوسع الملحوظ في مشاريع الطاقة المتجددة خلال العامين الماضيين، إذ بات النمو السريع في أحمال مراكز البيانات يمثل تحدياً إضافياً أمام استمرار انخفاض انبعاثات قطاع الكهرباء.

الولايات المتحدة تزيد قدرات الغاز قيد التطوير

شهد عام 2025 قفزة كبيرة في حجم مشروعات توليد الكهرباء بالغاز قيد التطوير في الولايات المتحدة.

وبحسب «غلوبال إنرجي مونيتور»، اقتربت القدرات الغازية الجديدة قيد التطوير من ثلاثة أمثال مستواها السابق خلال العام، وإذا جرى تنفيذ جميع المشاريع المخططة، فقد يرتفع إجمالي أسطول محطات الغاز الأميركي بنحو 50%.

ويُخصص أكثر من ثلث هذه القدرات لتلبية احتياجات مراكز البيانات، وفق البيانات المتاحة.

ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه السياسة الأميركية تحولاً باتجاه دعم الوقود الأحفوري وتقليص عدد من الحوافز والقواعد المرتبطة بالطاقة النظيفة، ما يزيد من احتمالات استمرار الاعتماد على الغاز لتلبية الزيادة في الطلب.

شركات التكنولوجيا نفسها تسجل ارتفاعاً في الانبعاثات

ورغم التعهدات المناخية التي أطلقتها شركات التكنولوجيا الكبرى، أظهرت تقارير الاستدامة الأخيرة لبعضها أن الانبعاثات ارتفعت بالتزامن مع توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأعلنت «أمازون» ارتفاع انبعاثاتها بنسبة 16% بين عامي 2024 و2025، وعزت جانباً من الزيادة إلى التوسع في مراكز البيانات واستهلاك الوقود في عمليات التوصيل. كما ارتفعت الانبعاثات المرتبطة بشراء الكهرباء بنسبة 34%.

أما «مايكروسوفت»، فأعلنت زيادة إجمالي انبعاثاتها بنسبة 25% خلال الفترة نفسها، مشيرة إلى أن التوسع في البنية التحتية لمراكز البيانات كان العامل الرئيسي وراء الزيادة.

وفي حالة «ألفابت»، ارتفع مقياس الانبعاثات الذي تستخدمه الشركة ضمن تقاريرها المناخية بنسبة 18%، مدفوعاً بدرجة كبيرة بتوسع سلسلة التوريد اللازمة لدعم نمو أعمال الذكاء الاصطناعي.

وقالت الشركة إنها تدرك أن بصمتها المناخية اتسعت بالتوازي مع النمو السريع للذكاء الاصطناعي، مؤكدة استمرار العمل على خفض هذه الآثار.

الطاقة النظيفة لا تزال جزءاً من المعادلة

في المقابل، لا يعني التوسع في الغاز أن شركات التكنولوجيا تخلت عن أهدافها المتعلقة بالطاقة النظيفة.

فالشركات الأربع الكبرى وضعت برامج لربط استهلاكها من الكهرباء باستثمارات في مصادر منخفضة الكربون، سواء من خلال شراء الطاقة المتجددة أو تمويل مشاريع جديدة أو الاستثمار في تقنيات إزالة الكربون.

وأكدت «أمازون» أنها استثمرت مليارات الدولارات في الكهرباء الخالية من الكربون، بينما قالت «مايكروسوفت» إنها تواصل الإنفاق على مصادر الكهرباء النظيفة وتقنيات إزالة الكربون.

من جهتها، تشير «غوغل» إلى أنها من أكبر المشترين العالميين للطاقة النظيفة، وأنها نجحت في موازنة كامل استهلاكها العالمي من الكهرباء بمشتريات من الطاقة المتجددة لسنوات متتالية.

لكن المشكلة تكمن في الفارق بين النمو السريع في الطلب وبين سرعة إضافة مصادر نظيفة جديدة إلى الشبكة.

اختناقات الشبكة قد تزيد الاعتماد على الوقود الأحفوري

تحذر شركة «روديوم غروب» من أن العقبات التي تواجه سلاسل توريد معدات الطاقة، وطول قوائم الانتظار للحصول على ربط بالشبكة، وبطء إجراءات التصاريح، يمكن أن تؤخر إضافة قدرات جديدة من الطاقة النظيفة.

 

وفي هذه الحالة، قد تجد شركات المرافق نفسها مضطرة إلى تشغيل محطات الغاز والفحم القائمة لساعات أطول لتلبية الطلب، حتى قبل دخول المحطات الجديدة الخدمة.

وقال جون لارسن، الشريك في «روديوم غروب»، إن استمرار انخفاض الانبعاثات يتطلب أن تواكب إضافة مصادر الطاقة النظيفة الزيادة في استهلاك الكهرباء الناتجة عن مراكز البيانات، مشيراً إلى أن تحقق هذا التوازن ليس مضموناً.

«جورجيا باور» مثال على حجم الطلب الجديد

تظهر ولاية جورجيا حجم التحدي بوضوح.

فشركة «جورجيا باور»، التي توفر الكهرباء لمراكز بيانات تابعة لـ«أمازون» و«مايكروسوفت»، طلبت من الجهات التنظيمية الموافقة على إضافة نحو 9,885 ميغاواط من قدرات التوليد الجديدة.

وقالت الشركة إن جزءاً كبيراً من هذه القدرات يستهدف خدمة عملاء كبار جدد، وفي مقدمتهم مراكز البيانات.

ورغم أن خطط الشركة تتضمن قدراً كبيراً من الطاقة المتجددة، فإن بيانات «إس آند بي» تظهر وجود نحو 5,234 ميغاواط من قدرات توليد الكهرباء بالغاز ضمن المشاريع المخطط لها أو قيد الإنشاء في الولاية.

كما أجلت الشركة إغلاق بعض محطات الفحم التابعة لها، مشيرة في إفصاحات تنظيمية إلى حاجتها إلى استمرار تشغيلها حتى عام 2035 أو بعد ذلك.

«ميتا» تتجه إلى تأمين الكهرباء بنفسها

وفي لويزيانا، تتجه شركة «إنتري لويزيانا» إلى بناء ما يقرب من 10 آلاف ميغاواط من قدرات توليد الكهرباء بالغاز، بينها مجموعة من المحطات المرتبطة بمركز بيانات جديد تابع لشركة «ميتا» في منطقة ريتشلاند باريش.

وتقول الشركة إن استخدام محطات غاز حديثة وعالية الكفاءة، إلى جانب تطوير شبكة النقل، ضروري لتوفير إمدادات مستقرة لمركز البيانات، في ظل عدم قدرة مصادر الطاقة المتجددة وحدها، وفق تقديرها، على تلبية هذا النوع من الطلب بالحجم المطلوب.

وفي المقابل، وافقت الجهات التنظيمية في الولاية على ما يصل إلى 1,500 ميغاواط من الطاقة الشمسية، فيما اقترحت الشركة إضافة 2,500 ميغاواط أخرى لتلبية الزيادة في الاستهلاك.

كما ستعمل بعض مراكز بيانات «ميتا» في إل باسو وريتشـلاند باريش مؤقتاً بواسطة محطات غاز مستقلة عن شبكة الكهرباء، قبل ربطها لاحقاً بالشبكة.

«خلف العداد».. اتجاه جديد لتأمين الكهرباء

ومع صعوبة الحصول على إمدادات إضافية من الشبكة بالسرعة المطلوبة، بدأ بعض مشغلي مراكز البيانات في تأمين مصادر كهرباء خاصة بهم، فيما يعرف بنموذج «خلف العداد»، أي توليد الكهرباء بالقرب من مركز البيانات ومن دون الاعتماد الكامل على الشبكة العامة.

وتظهر بيانات «ريستاد إنرجي» أن الغاز الطبيعي يشكل جزءاً كبيراً من هذه القدرات، ما يعني أن مراكز البيانات قد تضيف مصدراً جديداً للانبعاثات خارج مزيج الكهرباء التقليدي للشبكة.

وتتزامن هذه التطورات مع بيانات رسمية أظهرت ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطاقة الأميركي بنحو 2% خلال العام الماضي، وسط نمو الطلب على الكهرباء، الذي ساهمت مراكز البيانات في دفعه.

معادلة صعبة أمام شركات التكنولوجيا

تكشف طفرة مراكز البيانات عن مفارقة واضحة في سوق الطاقة الأميركية: فالذكاء الاصطناعي يدفع الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة في الوقت نفسه الذي يؤدي فيه إلى زيادة الطلب على الكهرباء بوتيرة قد تتجاوز قدرة الشبكات على إضافة مصادر منخفضة الانبعاثات.

وبالتالي، فإن التعهدات المناخية لشركات التكنولوجيا لن تكون وحدها كافية لمنع ارتفاع الانبعاثات، ما لم تتزامن مع توسع سريع في إنتاج الكهرباء النظيفة وتحديث شبكات النقل وتسريع عمليات الربط والتصاريح.

وبينما تراهن شركات التكنولوجيا على الطاقة المتجددة وتقنيات إزالة الكربون لموازنة نموها، تبدو شركات المرافق أمام خيار أكثر مباشرة: استخدام الغاز والفحم لتوفير الكهرباء التي تحتاجها مراكز البيانات الآن.

وهكذا، قد يتحول سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الجمع بين نمو الطلب على الكهرباء وتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، خصوصاً إذا استمرت مراكز البيانات في التوسع بالسرعة الحالية.