بعد ثلاث سنوات من الحرب.. هل يقترب المشهد الإسرائيلي من مأزق استراتيجي؟
المؤشر 03-10-2026 بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، تبدو إسرائيل أمام مشهد إقليمي ودولي مختلف بصورة كبيرة عما كان عليه الوضع قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالحرب الحالية لا تُعد الأطول في تاريخ إسرائيل فحسب، وإنما اتسعت رقعتها لتشمل جبهات متعددة وأطرافاً إقليمية ودولية، بالتزامن مع تحولات عميقة، من بينها سقوط نظام بشار الأسد، وتصاعد المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى.
ورغم الضربات التي تلقاها ما يعرف بـ"محور المقاومة"، فإن الصراع لم يصل إلى نهايته، كما أن التهديدات التي تواجهها إسرائيل لم تختفِ. وفي المقابل، أظهرت إسرائيل خلال سنوات الحرب قدرة عسكرية كبيرة على خوض مواجهات متزامنة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي واستراتيجي نهائي.
من هجوم 7 أكتوبر إلى إعادة ترتيب الحسابات
كان هجوم السابع من أكتوبر نقطة تحول أساسية بالنسبة إلى الفصائل والدول المنضوية في محور المقاومة، إذ عكس انتقالاً في قدراتها وأساليب عملها، ولا سيما مع تطور قدرات حزب الله واعتماد بعض أطراف المحور على أساليب أقرب إلى عمليات الجيوش النظامية.
وبدا في البداية أن الهجوم يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، تقوم على الضغط المتزامن على إسرائيل من جبهات عدة. إلا أن التطورات اللاحقة جاءت بعكس كثير من التوقعات، إذ تمكنت إسرائيل من استعادة زمام المبادرة، وشنّت عمليات عسكرية واسعة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية والقيادية لفصائل المحور.
كما أسفرت الحرب عن مقتل عدد كبير من القيادات، وسيطرة إسرائيل على مناطق في أكثر من جبهة، فضلاً عن الضربة التي تلقاها الجانب الإيراني، في حين أدى سقوط نظام الأسد إلى فقدان محور المقاومة أحد أهم مواقعه الإقليمية.
كذلك لم يتحقق مفهوم "وحدة الساحات" بالشكل الذي كان متوقعاً، وهو ما كان عاملاً مهماً في قدرة إسرائيل على التعامل مع الجبهات المختلفة بصورة منفصلة.
إخفاقات لا تعني نهاية المحور
ويرى الباحث موسى السادة أن الخلافات التي ظهرت داخل محور المقاومة منذ الساعات الأولى لهجوم 7 أكتوبر ساهمت في تعطيل الخطة الرامية إلى توحيد الجبهات، مشيراً إلى أن التباين في تقدير الموقف وطريقة التعامل مع الهجوم انعكس على مسار الحرب لاحقاً.
لكن الضربات التي تعرض لها المحور لم تؤد، وفق هذا الطرح، إلى إنهائه بالكامل، بل دفعت مكوناته إلى مراجعة حساباتها وإعادة تقييم أساليب العمل والتنسيق فيما بينها.
وينقل التقرير عن علي زعيتر، الباحث اللبناني المرتبط بحزب الله، قوله إن ما تضرر هو أسلوب ممارسة المقاومة وليس فكرة المقاومة ذاتها، معتبراً أن استهداف القيادات لا يعني بالضرورة القضاء على التنظيمات أو الأفكار التي تمثلها.
ومن هذا المنظور، تنظر أطراف في محور المقاومة إلى التطورات الأخيرة في إيران ولبنان باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الصفوف ووقف التراجع الذي أصاب المحور خلال السنوات الماضية.
تفوق عسكري إسرائيلي من دون حسم نهائي
على الجانب الإسرائيلي، تكشف سنوات الحرب عن مفارقة أخرى. فقد حققت إسرائيل سلسلة من الإنجازات العسكرية، من بينها استهداف قيادات بارزة في الفصائل المسلحة وإيران، والسيطرة على مناطق في عدة جبهات، وتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية معقدة، إضافة إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن هذه الإنجازات لم تُنهِ التهديدات التي أعلنت إسرائيل أنها تسعى إلى القضاء عليها.
فالنظام الإيراني لا يزال قائماً، ويواصل تطوير قدراته الصاروخية، مع احتمال أن يدفع التصعيد المتواصل نحو إعادة النظر في برنامجه النووي. كما تمكنت حماس وحزب الله، رغم الخسائر التي لحقت بهما، من الحفاظ على وجودهما وقدرتهما على العمل في المناطق التي ينشطان فيها.
وفي الوقت نفسه، تواصل أطراف أخرى في محور المقاومة إعادة بناء قدراتها، بينما أثبت الحوثيون قدرتهم على مواصلة النشاط العسكري في المنطقة.
أما على المستوى الإقليمي، فلم تنجح إسرائيل حتى الآن في بناء منظومة تحالفات أمنية معلنة وواسعة النطاق مع الدول العربية، في ظل استمرار التحفظ الرسمي العربي وصعوبة إظهار تعاون أمني مباشر مع إسرائيل أمام الرأي العام.
ضغوط دولية وانقسامات داخلية
إلى جانب التحديات الأمنية، تواجه إسرائيل ضغوطاً متزايدة على الصعيد الدولي. ويشير الكاتب إلى أن صورة إسرائيل في العالم شهدت تغيراً ملحوظاً خلال سنوات الحرب، مع تصاعد الانتقادات لسياستها العسكرية وتزايد الاتهامات بأنها تتجه نحو مواقف أكثر تشدداً.
وفي الداخل، تظهر مؤشرات على تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي، بالتزامن مع الجدل حول قضايا التجنيد والخدمة العسكرية، والهجرة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية.
ويرى خصوم إسرائيل أن هذه الخلافات الداخلية تمثل نقطة ضعف إضافية، خصوصاً في ظل تراجع الشعور بوجود رؤية وطنية مشتركة حول مستقبل الدولة والحرب.
وفي المقابل، يرى أصحاب الرؤية الأمنية المتشددة أن استمرار الضغط العسكري هو الوسيلة الأساسية للحفاظ على الردع ومنع الخصوم من استعادة قدراتهم.
هل تكفي القوة لتحقيق الأمن؟
يطرح الكاتب ميخائيل ميلشتاين في مقاله سؤالاً محورياً حول جدوى الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في إدارة الصراع.
فبعد ثلاث سنوات من العمليات العسكرية، لم تختفِ التهديدات التي كانت قائمة قبل الحرب، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية العسكرية لعدد من خصوم إسرائيل. وفي المقابل، أصبحت إسرائيل أمام تحديات جديدة تتعلق بعلاقاتها الدولية، ووضعها الداخلي، وقدرتها على الحفاظ على التفوق الاستراتيجي على المدى الطويل.
ويرى ميلشتاين أن التجربة الحالية تستدعي مراجعة الاعتقاد بأن القضاء الكامل على الخصوم يمكن أن يكون هدفاً واقعياً، داعياً إلى تبني رؤية أكثر شمولاً تجمع بين القوة العسكرية والأدوات السياسية والدبلوماسية.
وبحسب هذا الطرح، فإن التحدي أمام إسرائيل لا يتعلق فقط بكيفية الانتصار في المعارك، وإنما بكيفية تحويل الإنجازات العسكرية إلى وضع استراتيجي أكثر استقراراً، يمنع تكرار دورات الحرب ويحد من قدرة الخصوم على إعادة بناء قوتهم.
وفي نهاية المطاف، تضع السنوات الثلاث الماضية إسرائيل أمام معادلة معقدة: تفوق عسكري واضح في عدد من الجبهات، لكنه لم يتحول إلى حسم نهائي للصراع، في مقابل خصوم تعرضوا لخسائر كبيرة لكنهم احتفظوا بقدرتهم على الاستمرار وإعادة تنظيم صفوفهم.
ويرى ميلشتاين أن تجاوز هذه المعضلة يتطلب التخلي عن فكرة "النصر المطلق" والبحث عن استراتيجية أوسع توازن بين استخدام القوة وبين الأدوات السياسية والدبلوماسية، بما يتيح لإسرائيل التعامل مع التهديدات القائمة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة.
المصدر: د. ميخائيل ميلشتاين، يديعوت أحرونوت، 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026.


