نهاية الأمن المستورد.. هل تبحث دول الخليج عن منظومة إقليمية بديلة؟

نهاية الأمن المستورد.. هل تبحث دول الخليج عن منظومة إقليمية بديلة؟

المؤشر 03-10-2026   منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، ظل مفهوم الأمن العربي مرتبطاً بدرجة كبيرة بقدرة الدول على بناء مؤسساتها الوطنية وتوفير الموارد اللازمة لحماية حدودها ومصالحها. غير أن الظروف السياسية والاقتصادية التي أحاطت بالمنطقة في العقود الأولى للاستقلال جعلت بناء جيوش وطنية وأجهزة أمنية قوية مهمة شاقة، الأمر الذي دفع عدداً من الدول العربية إلى البحث عن مظلات خارجية وترتيبات أمنية تتجاوز حدودها.

ومع مرور الوقت، لم يعد الأمن قضية داخلية لكل دولة، بل تحول إلى ملف إقليمي ودولي تتداخل فيه التحالفات العسكرية ومصالح القوى الكبرى. وكانت هذه المعادلة واضحة خلال الحرب الباردة، حين أصبحت المنطقة العربية إحدى ساحات التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

من الاستعمار إلى الحرب الباردة

في السنوات الأولى، حاولت بريطانيا وفرنسا الحفاظ على نفوذهما في المنطقة عبر ترتيبات سياسية وعسكرية مختلفة، قبل أن ينتقل مركز الثقل تدريجياً إلى الصراع بين واشنطن وموسكو.

وانخرطت دول عربية في علاقات تسليح ومساعدات عسكرية وتحالفات مع أحد المعسكرين، في وقت حاولت فيه دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، استخدام حركة عدم الانحياز للحفاظ على مساحة مستقلة في السياسة الخارجية.

غير أن عدم الانحياز وفر مساحة سياسية ودبلوماسية أكثر مما قدم منظومة دفاعية متكاملة. فمعظم الدول المشاركة فيه لم تكن تمتلك القدرات العسكرية والاقتصادية التي تسمح لها بتوفير الأسلحة أو الضمانات الأمنية التي تحتاجها الدول العربية.

وبالتالي ظل الاعتماد على إحدى القوى الكبرى قائماً بدرجات مختلفة، حتى بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي.

الخليج والوجود الأميركي المباشر

شكّل الغزو العراقي للكويت عام 1990 نقطة تحول كبيرة في طبيعة الوجود الأميركي في منطقة الخليج. فبعد أن كان الحضور الأميركي قائماً أساساً على التحالفات والتسهيلات والتعاون العسكري، أصبح الوجود العسكري المباشر أكثر اتساعاً وترسخاً.

وجاء ذلك في سياق إقليمي معقد، اتسم أيضاً بتباين مواقف الدول العربية من سياسات نظام صدام حسين، الأمر الذي عزز لدى بعض العواصم الخليجية القناعة بأهمية الاعتماد على قوة خارجية لضمان أمنها.

وفي تسعينيات القرن الماضي، امتلكت الولايات المتحدة نفوذاً دولياً واسعاً سمح لها بلعب دور رئيسي في صياغة الترتيبات الأمنية والسياسية العالمية. كما رافقت تدخلاتها الخارجية خطابات ركزت على القانون الدولي وحماية الاستقرار، رغم الجدل الذي أحاط ببعض تلك التدخلات من الناحية القانونية والسياسية.

كان ذلك عصر الأحادية الأميركية، حيث لم تكن هناك قوة دولية منافسة قادرة على تحدي النفوذ الأميركي على نطاق واسع.

عندما أصبح الأمن الخارجي أكثر كلفة

تغيرت البيئة الدولية والإقليمية بصورة كبيرة خلال السنوات التالية. ومع تراجع القدرة الأميركية على تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر وحده على إدارة أزمات المنطقة، بدأت دول الخليج تواجه أسئلة أكثر تعقيداً حول مستقبل اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية.

وزادت هذه الأسئلة مع تغير الخطاب الأميركي تجاه الحلفاء، وخصوصاً مع تركيز الرئيس دونالد ترامب على فكرة تقاسم أعباء الدفاع وضرورة أن تتحمل الدول الحليفة تكلفة أكبر مقابل الحماية الأمنية.

ورغم محاولات دول خليجية تعزيز شراكاتها الاقتصادية والاستثمارية مع الولايات المتحدة، بقي السؤال الأساسي قائماً: إلى أي مدى يمكن التعويل على قوة خارجية في بيئة إقليمية تتغير بسرعة؟

كما أن التردد بين التصعيد والتهدئة في عدد من الأزمات الإقليمية عزز، وفق هذا الطرح، المخاوف بشأن مدى استعداد واشنطن للدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة دفاعاً عن مصالح دول الخليج.

البحث عن بدائل إقليمية

في المقابل، بدأت دول المنطقة في البحث عن ترتيبات أمنية جديدة، سواء من خلال تعزيز العلاقات الثنائية أو بناء شراكات عسكرية بين دول إقليمية.

وتبرز في هذا السياق العلاقات المتنامية بين السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب الدور المحتمل لدول عربية مثل مصر والأردن، باعتبارها دولاً تمتلك قدرات عسكرية وبشرية يمكن أن تشكل جزءاً من أي تصور أوسع للأمن الإقليمي.

لكن تحويل هذه العلاقات إلى منظومة دفاعية متكاملة يظل مهمة معقدة، نظراً لاختلاف أولويات الدول ومصالحها وتقديراتها للتهديدات.

أزمات متعددة تحاصر الخليج

ولا تقتصر التحديات الأمنية التي تواجه دول الخليج على الملف الإيراني. فالمنطقة المحيطة بها تشهد أزمات متشابكة في اليمن والسودان وسوريا والعراق، فضلاً عن التوترات المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

ويجعل هذا الواقع أي تصور للأمن الخليجي أكثر اتساعاً من مجرد حماية الحدود أو مواجهة تهديد محدد، إذ باتت أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي عناصر مترابطة في معادلة واحدة.

كما يمثل التصعيد الإسرائيلي في المنطقة عاملاً إضافياً في الحسابات الخليجية، خصوصاً في ظل اختلاف المواقف بين تصور يقوم على تسوية سياسية وسلام إقليمي، وبين سيناريو توسع النفوذ العسكري وارتفاع مستوى المواجهة.

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الأزمات قد يجعل دول الخليج أكثر تعرضاً لتداعيات صراعات لا تتحكم في أسبابها المباشرة.

مفارقة المظلة الأمنية

تظهر هنا مفارقة أساسية في نموذج الأمن المعتمد على قوة خارجية. فوجود القوات والقواعد الأجنبية قد يوفر رادعاً في مواجهة بعض التهديدات، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى عنصر تستند إليه أطراف أخرى لتبرير استهداف المصالح والقواعد المرتبطة بتلك القوة.

وهكذا يصبح الوجود العسكري الخارجي جزءاً من معادلة الأمن والخطر في الوقت ذاته.

وتزداد صعوبة المعادلة عندما تكون القوة الخارجية نفسها غير مستعدة لخوض حرب شاملة من أجل حماية مصالح حلفائها، أو عندما تتباين حساباتها الاستراتيجية مع أولويات الدول الموجودة في المنطقة.

هل تعود الجامعة العربية إلى الواجهة؟

تتمثل إحدى المعضلات الرئيسية أمام بناء منظومة أمن خليجية مستقلة في محدودية الموارد البشرية مقارنة بحجم الجيوش التي تمتلكها دول إقليمية مثل مصر وتركيا وباكستان.

ومن هنا يبرز خيار أوسع، يتمثل في إعادة التفكير في دور جامعة الدول العربية باعتبارها الإطار العربي الوحيد الذي يجمع معظم دول المنطقة تحت مظلة مؤسسية واحدة.

ولا يعني ذلك تجاهل التاريخ الطويل من الإخفاقات والخلافات التي أضعفت الجامعة، بل قد يتطلب إعادة تعريف دورها بصورة تتجاوز البيانات السياسية إلى بناء آليات عملية للتعاون الدفاعي والأمني.

وقد يكون الدرس الأبرز من أزمة عام 1990 أن غياب التوافق العربي في القضايا الأمنية الكبرى يمكن أن يترك فراغاً تستفيد منه قوى خارجية وإقليمية.

نحو مفهوم جديد للأمن العربي

إن الانتقال من الاعتماد على «الأمن المستورد» إلى منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالاً لن يكون مساراً سهلاً. فهو يحتاج إلى توافق سياسي حقيقي، وإلى تحديد مشترك للتهديدات، وضمانات متبادلة بين الدول، فضلاً عن بناء قدرات عسكرية وأمنية قابلة للتنسيق.

كما يتطلب الأمر تجاوز الحسابات الثنائية والخلافات التاريخية، والنظر إلى أمن المنطقة باعتباره شبكة مترابطة لا مجموعة ملفات منفصلة.

وربما تكون التحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة قد أعادت طرح السؤال الذي ظل مؤجلاً لعقود: هل تستطيع الدول العربية بناء ترتيبات أمنية تعتمد بدرجة أكبر على قدراتها وشراكاتها الإقليمية، بدلاً من انتظار الضمانات القادمة من خارج المنطقة؟

الإجابة لا تتوقف على إنشاء تحالف عسكري جديد فحسب، وإنما على القدرة على صياغة رؤية مشتركة للأمن العربي، تكون فيها حماية الدول والممرات البحرية والطاقة والاستقرار الإقليمي مسؤولية جماعية، لا ملفاً يعتمد بصورة أساسية على قوة أجنبية.

وبهذا المعنى، فإن إعادة إحياء الدور العربي، رغم صعوبتها، قد تمثل أحد المسارات المطروحة أمام دول الخليج للتعامل مع بيئة أمنية أصبحت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاعتماد على ترتيبات الماضي.