الانتخابات بين التهجير والتعايش: أي مستقبل سيختاره الفلسطينيون والإسرائيليون؟

الانتخابات بين التهجير والتعايش: أي مستقبل سيختاره الفلسطينيون والإسرائيليون؟

المؤشر 07-09-2026

الكاتب: الدكتور نبيل كوكالي

من الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026 إلى الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية إذا أُجريت: هل تمنح صناديق الاقتراع شرعية لثقافة الإقصاء، أم تفتح الطريق أمام ثقافة البقاء المشترك؟.

مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ثم الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي حُدد لها 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، والانتخابات الرئاسية الفلسطينية المزمع إجراؤها في الربع الأول من عام 2027 إذا سمحت الظروف بإتمام هذه الاستحقاقات، قد يجد الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم، خلال فترة زمنية قصيرة، أمام أكثر من صندوق اقتراع. ظاهريًا، ستحدد هذه الانتخابات من يحكم إسرائيل ومن يمثل الفلسطينيين، لكن خلف الأسماء والأحزاب والمقاعد يوجد سؤال أعمق بكثير: أي فكرة عن الطرف الآخر ستخرج من هذه الانتخابات أقوى؟

 

وقد أكد تقرير لوكالة رويترز في 12 تموز/يوليو 2026 أن الانتخابات الإسرائيلية ستُجرى في 27 أكتوبر، فيما حدد المرسوم الرئاسي الفلسطيني الصادر في 9 تموز/يوليو الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية خلال الربع الأول من عام 2027 وفق القانون، إذا سمحت الظروف بذلك.

 

لكن أهمية هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بمن سيفوز، بل أيضًا بالأفكار التي قد تكتسب شرعية سياسية أكبر، وخصوصًا في ما يتعلق بمستقبل الضفة الغربية والفلسطينيين الذين يعيشون فيها. فهل ستمنح الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وزنًا أكبر للأفكار التي تربط الضم بخروج الفلسطينيين؟ وهل يمكن لعبارات مثل «تشجيع الهجرة» أن تنتقل من الخطاب السياسي إلى مطلب ائتلافي أو هدف حكومي؟ وماذا يحدث، في المقابل، داخل المجتمع الفلسطيني عندما يسمع الناس أن مستقبل الأرض التي يعيشون عليها يُناقش في بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية ضمن تصورات لا تفترض بالضرورة استمرار وجودهم عليها؟

 

هذه ليست أسئلة نظرية فقط. ففي 18 شباط/فبراير 2026، نقلت صحيفة Times of Israel عن وزير المالية وزعيم حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش دعوته إلى أن تعمل الحكومة الإسرائيلية المقبلة على "تشجيع هجرة" الفلسطينيين من الضفة الغربية، وربطه ذلك بإلغاء ترتيبات أوسلو والتقدم نحو فرض السيادة الإسرائيلية. وأهمية التصريح لا تكمن في كلماته وحدها، بل في السياق الذي طُرح فيه؛ إذ قُدمت الفكرة باعتبارها أحد الأهداف التي ينبغي أن تعمل عليها الحكومة المقبلة.

 

ولا يعني ذلك أن فوز اليمين الإسرائيلي سيقود تلقائيًا إلى تهجير الفلسطينيين، كما لا يعني أن كل ناخب يميني يؤيد إخراجهم من الضفة الغربية. مثل هذا التعميم لن يكون دقيقًا. لكن الانتخابات لا تعكس الأفكار الموجودة في المجتمع فحسب؛ بل يمكنها أيضًا أن تمنح بعضها شرعية سياسية وقوة تفاوضية أكبر، وأن تنقل بعض الطروحات من أطراف النقاش إلى قلب البرامج الحزبية والمفاوضات الائتلافية.

 

التهجير أصبح جزءًا من النقاش الإسرائيلي الداخلي

 

من المهم، في الوقت نفسه، ألا نقدم إسرائيل كما لو كانت تتحدث بصوت واحد. ففي 8 شباط/فبراير 2026 نشر الصحفي عوديد شالوم في يديعوت أحرونوت /ynet تقريرًا عن خان الأحمر وتجمعات رعوية فلسطينية أخرى، تناول فيه ضغوطًا ومحاولات من مستوطنين من بؤر قريبة لدفع السكان إلى الرحيل من خلال العنف والضغط. لكن التقرير عرض أيضًا وجهًا آخر داخل المجتمع الإسرائيلي: متطوعين يهودًا، بينهم إسرائيليون متدينون ومستوطِنون، وقفوا إلى جانب السكان الفلسطينيين ورفضوا الممارسات الرامية إلى دفعهم إلى المغادرة. ونقل التقرير عن أحد هؤلاء، وهو طبيب ومستوطِن إسرائيلي، قوله إنه لم يعد يستطيع تجاهل ما وصفه بـ"الإرهاب اليهودي".

 

هذه الصورة مهمة لأنها تمنع التعميم. فكما توجد داخل إسرائيل أصوات تؤيد الضم أو تتحدث عن "تشجيع الهجرة"، توجد أصوات إسرائيلية أخرى ترى في تهجير الفلسطينيين أو استخدام العنف ضدهم أمرًا يجب رفضه ومقاومته. وبذلك لم يعد النقاش حول التهجير قائمًا فقط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل أصبح أيضًا جدلًا أخلاقيًا وسياسيًا داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

 

وفي 18 حزيران/يونيو 2026 أخذ هذا النقاش بعدًا أكثر وضوحًا عندما نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت مقال رأي في صحيفة هآرتس تناول فيه ما يجري في الضفة الغربية. واتهم أولمرت الحكومة الإسرائيلية بدعم سياسات وممارسات قال إنها تسهم في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، وربط ذلك بمواقف وزراء يدعون إلى الضم في ظل تصورات لا تضمن بقاء السكان الفلسطينيين فيها. واستخدم أولمرت توصيفات شديدة، من بينها "التطهير العرقي" و"الجرائم ضد الإنسانية". وهذه، بطبيعة الحال، اتهامات وتوصيفات طرحها أولمرت في مقال رأي، وليست حكمًا قضائيًا أو توصيفًا قانونيًا نهائيًا. لكن أهمية المقال تكمن في دلالته السياسية: التحذير من التهجير بات يُطرح أيضًا من داخل إسرائيل ومن شخصية سبق أن تولت رئاسة الحكومة.

 

ولا تثبت تصريحات سموتريتش أو مقال أولمرت أو التقارير المتعلقة ببعض التجمعات الفلسطينية، كل واحدة منها بمفردها، وجود سياسة إسرائيلية واحدة متفق عليها لتهجير الفلسطينيين، كما لا تعني أن المجتمع الإسرائيلي يتبنى اتجاهًا موحدًا. لكنها تكشف شيئًا يصعب تجاهله: أن مسألة بقاء الفلسطينيين على أرضهم أو خروجهم منها أصبحت جزءًا من النقاش السياسي والإعلامي الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية. وهنا تحديدًا تكتسب الانتخابات أهميتها، لأنها قد تحدد مقدار القوة السياسية التي ستحصل عليها الأفكار المرتبطة بالضم و"تشجيع الهجرة"، أو الأفكار التي ترفضها وتبحث عن ترتيبات سياسية أخرى.

 

ولا يقتصر هذا النقاش على الضفة الغربية. ففي 2 أيلول/سبتمبر 2026، وفي مؤتمر "وقت الحسم: الديمقراطية والمجتمع" الذي نظمته ynet و"يديعوت أحرونوت" بالتعاون مع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس إن ملف "الهجرة" من غزة ما يزال مطروحًا، وإن مديرية الهجرة التي أنشأتها وزارة الدفاع جاهزة، من وجهة نظره، لتسهيل خروج سكان غزة "بحرًا وجوًا وبأي وسيلة" إذا توافرت الظروف. وأضاف أن مصر ترفض أن يتم ذلك عبر أراضيها، وأن الدول المحتمل أن تستقبل فلسطينيين تطلب غطاءً أميركيًا. ونقلت Times of Israel التصريحات نفسها في اليوم ذاته.

 

وأكد كاتس أن الخطة لم تُلغَ، بل قال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "جمّدها"، وإنها ما تزال تُبحث. وادعى أن ضغوطًا من دول عربية على ترامب أسهمت في ذلك، وربط في روايته بين تجميد الخطة ونزع سلاح حماس والاستثمارات العربية. كما ربط إمكان إعادة تحريكها مستقبلًا بتطورات سياسية، قائلًا إن تنفيذها يحتاج إلى الولايات المتحدة وإن "اللحظة ستأتي" إذا تبين، بحسب قوله، أن حماس لا تفي بالتزاماتها. وتظل هذه التفاصيل أقوالًا منسوبة إلى كاتس، ولا ينبغي التعامل معها كحقائق مستقلة من دون مصادر أخرى تؤكدها.

 

وفي 3 أيلول/سبتمبر 2026، انتقلت الفكرة خطوة إضافية إلى المجال الانتخابي. فقد كشف وزير الأمن القومي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» إيتمار بن غفير عن خطة سماها "فك الارتباط 710" لتشجيع ما وصفه بـ«الهجرة الطوعية» لسكان غزة. وحددت الخطة أهدافًا تبلغ 250 ألف مغادر في السنة الأولى، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، و1.86 مليون خلال سبع سنوات، وقال بن غفير إن إنشاء «وزارة للهجرة» سيكون من أبرز مطالب حزبه للانضمام إلى الحكومة المقبلة. ولا يعني طرح الخطة أنها ستُنفذ أو أنها تحظى بإجماع إسرائيلي؛ فقد أشارت التغطية الإسرائيلية نفسها إلى عدم وجود دول مستعدة حتى الآن لاستقبال أعداد كبيرة وإلى احتمال مواجهة معارضة دولية واسعة. لكن دلالتها الانتخابية مهمة: فهي تنقل فكرة «تشجيع الهجرة»، لدى أحد أحزاب اليمين الإسرائيلي، من مستوى التصريح السياسي إلى برنامج انتخابي ومطلب ائتلافي معلن. (Ynet وTimes of Israel، 3 أيلول/سبتمبر 2026).

 

ماذا تقول استطلاعات الرأي الإسرائيلية؟

 

تساعد استطلاعات الرأي على فهم البيئة الاجتماعية والسياسية التي يتحرك فيها هذا الخطاب، لكن بشرط ألا نتعامل مع أسئلة مختلفة وكأنها تقيس الموقف نفسه بالطريقة نفسها؛ فصياغة السؤال وطبيعة العينة والبدائل المعروضة كلها تؤثر في النتيجة.

 

في دراسة أجراها الباحث تمير سوريك من جامعة ولاية بنسلفانيا في آذار/مارس 2025 على عينة من 1,005 من اليهود الإسرائيليين من مستخدمي الإنترنت، سُئل المشاركون بصورة مباشرة عن موقفهم من طرد سكان الضفة الغربية أو نقلهم إلى دول أخرى. وأظهرت النتائج، التي نُشرت لاحقًا في المجلة الأكاديمية المحكّمة Ethnic and Racial Studies، أن نحو 79% أيدوا الفكرة بدرجات متفاوتة. ومن الضروري هنا التأكيد أن الدراسة تخص اليهود الإسرائيليين من مستخدمي الإنترنت، لا جميع المواطنين الإسرائيليين، وأن السؤال كان مباشرًا عن الطرد.

 

أما معهد سياسات الشعب اليهودي JPPI، فقد استخدم في استطلاعه الصادر في آب/أغسطس 2026 منهجًا مختلفًا، إذ طلب من المستجيبين اختيار هدف استراتيجي طويل المدى للضفة الغربية من بين عشرة سيناريوهات. واختار 38% من اليهود الإسرائيليين أحد سيناريوهات ضم كامل الضفة الغربية، فيما اختار 22% تحديدًا ضم كامل الأرض إلى إسرائيل مع انتقال السكان العرب إلى دول أخرى، بينما اختار 35% أحد سيناريوهات تقسيم الأرض.

 

ولهذا فإن المقارنة المباشرة بين 79% في دراسة سوريك و22% في استطلاع JPPI ستكون مضللة؛ فالأولى سألت بصورة مباشرة عن الطرد، بينما وضع الثاني المستجيب أمام عشرة بدائل سياسية مختلفة. صياغة السؤال وبنية البدائل ليستا تفصيلًا فنيًا، بل جزء من تفسير النتيجة نفسها.

 

ومع ذلك، تبقى هناك دلالة سياسية مهمة: فكرة خروج الفلسطينيين من الضفة الغربية تظهر، وإن بصيغ ونسب مختلفة، كخيار يحظى بتأييد له وزن داخل قطاعات من الرأي العام اليهودي الإسرائيلي. لكن الصورة الإسرائيلية لا تزال أكثر تعددية من ذلك. فقد أظهر استطلاع معهد دراسات الأمن القومي INSS الذي أُجري بين 16 و22 حزيران/يونيو 2026 على عينة تمثل الإسرائيليين البالغين أن 27% فضلوا الانفصال عن الفلسطينيين، وأيد 25% حل الدولتين، فيما فضل 25% الضم الكامل من دون منح الفلسطينيين حقوق المواطنة الكاملة. وبين ناخبي الائتلاف الحكومي كان الضم الخيار الأبرز بنسبة 50%، بينما فضل 40% من ناخبي المعارضة الانفصال وأيد 36% منهم حل الدولتين.

 

وهكذا لا تظهر إسرائيل كتلة واحدة تتحرك في اتجاه واحد؛ بل مجتمعًا منقسمًا بين الضم والانفصال وحل الدولتين وغيرها من الخيارات. ومن هنا تكتسب انتخابات أكتوبر أهميتها: فهي لن تحسم تلقائيًا مسألة التهجير، لكنها قد تحدد أي تصور من هذه التصورات سيحصل على قوة سياسية أكبر داخل الحكومة والكنيست.

 

الهجرة ليست التهجير

 

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في النقاش العام: الهجرة والتهجير.

 

الهجرة قد تكون قرارًا فرديًا يرتبط بالدراسة أو العمل أو البحث عن مستقبل أفضل. أما التهجير فهو أن يترك الإنسان مكانه نتيجة الخوف أو العنف أو فقدان القدرة على البقاء، أو تحت ضغط مباشر أو متراكم يجعل مغادرته أقرب إلى الإكراه منها إلى الاختيار الحر.

 

وقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA منذ بداية عام 2023 حالات نزوح لتجمعات فلسطينية في الضفة الغربية ارتبطت بعنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول والحركة. وهذه الحالات ينبغي وصفها بدقة باعتبارها، في جزء كبير منها، نزوحًا أو تهجيرًا داخليًا داخل الضفة الغربية، لا هجرة جماعية من فلسطين إلى الخارج.

 

لكن السؤال الأعمق هو: هل يمكن للضغط السياسي والأمني والاقتصادي أن يدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم بصورة جماعية؟

 

في تقديري، الإجابة هي: لا.

 

قد تدفع الظروف بعض الأفراد والعائلات إلى الرحيل، وهذا يحدث بالفعل، لكن الاعتقاد بأن المجتمع الفلسطيني يمكن أن يُدفع ببساطة إلى التخلي الجماعي عن أرضه يتجاهل عقودًا طويلة من التجربة الفلسطينية. فمنذ 1948 مر الفلسطينيون باللجوء والحروب، ومنذ 1967 عاشوا الاحتلال والاستيطان والإغلاقات والانتفاضات والأزمات الاقتصادية وفقدان فرص العمل، ومع ذلك بقي ملايين الفلسطينيين على أرضهم.

 

والسبب لا يمكن تفسيره بالاقتصاد وحده. فالأرض بالنسبة إلى الفلسطيني ليست مجرد عقار؛ إنها البيت والعائلة والحي والقرية والمدينة والمدرسة والكنيسة والمسجد، وذكريات الوالدين والأجداد، والمقبرة التي يرقد فيها أفراد الأسرة. إنها جزء من الذاكرة والهوية والشعور بالوجود. ولهذا فإن الضغط لا يقود دائمًا إلى الرحيل؛ فقد يؤدي أحيانًا إلى النتيجة العكسية، فيصبح الإنسان أكثر تمسكًا بالمكان عندما يشعر أن حقه في البقاء فيه أصبح موضع تحدٍّ.

 

وهنا يدخل الاقتصاد باعتباره أحد العوامل التي قد تدفع الفرد إلى التفكير في الهجرة، وليس دليلًا على استعداد المجتمع للتخلي عن أرضه. ففي دراسة الهجرة التي نفذها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي ضمن مشروع WAPOR-GRIT على عينة من 450 فلسطينيًا، قال 35% إنهم يفكرون في الهجرة بدرجات متفاوتة، وجاء العامل الاقتصادي في المرتبة الأولى بين أسباب الهجرة بنسبة 40%، يليه العامل السياسي بنسبة 25%، ثم العنف وانعدام الأمن بنسبة 15%. لكن الدراسة نفسها أظهرت أن 73% يرون أن هجرة الفلسطينيين إلى الخارج تضر بالمجتمع.

 

وتؤكد هذه الصورة دراسة أخرى أجراها المركز على عينة من 305 فلسطينيين في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة؛ إذ أظهرت أن 35.4% يفكرون في الهجرة بدرجات متفاوتة، بينما بلغ مستوى الصمود 74.5%، كما ارتبطت نية الهجرة بصورة أقوى بانخفاض الرضا عن الحياة أكثر من ارتباطها المباشر بالوضع الاقتصادي وحده.

 

وبذلك تقدم الدراستان معًا صورة أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال: هل يريد الفلسطيني الرحيل أم البقاء؟ فقد يفكر الإنسان في السفر بحثًا عن فرصة أفضل، لكنه يظل يرى فلسطين وطنه ويعتبر خروج الفلسطينيين منها خسارة. المشكلة هنا ليست، في جوهرها، أزمة انتماء بقدر ما هي أزمة ظروف وفرص. ولهذا فإن تحسين الاقتصاد والعمل والحياة اليومية يمكن أن يعزز القدرة على البقاء، لكن الضائقة الاقتصادية لا تعني أن الفلسطيني مستعد للتخلي عن أرضه.

 

هل يمكن للتهجير أن يوفر الأمن لإسرائيل؟

 

إذا أردنا أن يكون النقاش متوازنًا، فلا يمكن تجاهل البعد الأمني الإسرائيلي. فقد عاش الإسرائيليون عقودًا من الحروب والهجمات والعنف، وترك هجوم السابع من أكتوبر آثارًا نفسية وأمنية عميقة في المجتمع الإسرائيلي. ومن الطبيعي أن يسأل أي إنسان عن أمن أسرته وأطفاله ومستقبله.

 

من حق الإسرائيلي أن يعيش بأمن، كما أن من حق الفلسطيني أن يعيش بحرية وكرامة وأمن.

 

لكن الاعتراف بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية شيء، والاعتقاد بأن الأمن يمكن أن يُبنى على زيادة شعور الفلسطيني بالخوف أو تهديد وجوده شيء آخر. فعندما يسمع فلسطيني سياسيًا إسرائيليًا بارزًا يتحدث عن «تشجيع هجرته»، لا تعود المسألة مجرد خلاف على الحدود أو شكل الحكومة؛ بل تصبح سؤالًا شخصيًا: هل يُنظر إليّ باعتباري جارًا له حقوق ومستقبل على هذه الأرض، أم مشكلة يمكن حلها بخروجي منها؟

 

ومثل هذا الشعور يمكن أن تكون له نتائج سياسية. فكلما شعر الفلسطيني بأن حقه في البقاء مهدد، أصبح من الأصعب على الأصوات الفلسطينية المعتدلة إقناعه بإمكان الوصول إلى تسوية. وفي المقابل، عندما يسمع الإسرائيلي خطابًا فلسطينيًا ينكر وجوده أو يقلل من مخاوفه الأمنية، يصبح من الأسهل على التيارات الإسرائيلية المتشددة تقديم القوة والسيطرة باعتبارهما الطريق الوحيد إلى الأمن.

 

وهكذا قد تتشكل دائرة متبادلة من الخوف وانعدام الثقة: الخوف الإسرائيلي قد يدفع إلى مزيد من إجراءات السيطرة، وهذه الإجراءات قد تزيد خوف الفلسطيني وغضبه، ثم يُقرأ هذا الغضب داخل إسرائيل باعتباره دليلًا جديدًا على الحاجة إلى مزيد من القوة. وفي مثل هذه الدائرة يمكن للتيارات الأكثر تشددًا على الجانبين أن تقوي بعضها بعضًا.

 

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأمني الحقيقي: كيف يحقق طرف أمنه من خلال إضعاف الطرف الآخر؟ بل: هل يمكن بناء واقع يشعر فيه الإسرائيلي بالأمن من دون أن يشعر الفلسطيني بأن وجوده وحقوقه مهددان؟

 

والانتخابات الفلسطينية أيضًا أمام اختبار

 

الانتخابات الفلسطينية، إذا أمكن إجراؤها في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة في ظل الظروف الحالية، ليست بعيدة عن هذه المعادلة. فهي لن تحدد ممثلين وأحزابًا فقط، بل ستكشف أيضًا نوع الخطاب السياسي الذي يريد الفلسطينيون منحه الشرعية.

 

فكلما شعر الفلسطيني بأن السياسة الإسرائيلية تتحرك نحو الضم من دون حقوق، أو نحو سياسات يمكن أن تدفعه إلى مغادرة أرضه، يصبح من الأصعب على خطاب التسوية والتعايش أن يقنع الجمهور بجدواه. لكن الفلسطينيين أيضًا أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية؛ فالدفاع عن الأرض والحرية والاستقلال لا يتطلب ثقافة تقوم على إنكار وجود الإسرائيلي أو انتظار اختفائه. ويمكن للفلسطيني أن يتمسك بحقوقه، ويرفض الاحتلال والاستيطان والتهجير، وفي الوقت نفسه أن يدرك أن الإسرائيلي موجود وسيبقى جزءًا من واقع هذه الأرض.

 

ولا يعني ذلك مساواة السياقين أو المسؤوليات بين الطرفين؛ فهناك احتلال واختلال واضح في القوة والسيطرة والسيادة، كما أن الظروف التي تُجرى فيها الانتخابات الفلسطينية تختلف جذريًا عن الظروف الإسرائيلية. لكن اختلاف المواقع والمسؤوليات لا يلغي أن لكل مجتمع مسؤولية عن الثقافة السياسية التي يبنيها داخله وعن صورة المستقبل التي يقدمها لأبنائه.

 

لا مستقبل مستدامًا يقوم على إلغاء شعب لشعب آخر.

 

نحن لا نتشارك الجغرافيا فقط

 

بعد نحو 59 عامًا منذ عام 1967، ربما يكون من الخطأ اختصار العلاقة الفلسطينية-الإسرائيلية كلها في الحروب والحواجز والعمليات العسكرية. فقد مرت سنوات كان فيها الإسرائيلي يتسوق في مدن فلسطينية، وكان الفلسطيني يعمل داخل إسرائيل، والتقى الناس في أماكن العمل والأسواق والمستشفيات والجامعات، وتحولت بعض العلاقات المهنية والتجارية إلى علاقات إنسانية وصداقات حقيقية.

 

وأتذكر شخصيًا أنني حضرت في إحدى المرات حفل زفاف في تل أبيب لابن أخت صديقي الدكتور ألون بن مئير. قد تبدو هذه قصة صغيرة أمام صراع بهذا الحجم، لكنها بقيت في ذاكرتي لأنها تذكرني بحقيقة تضيع كثيرًا وسط السياسة: عندما يلتقي الإنسان بالإنسان بعيدًا عن الصور النمطية المسبقة، يمكن أن تصبح العلاقة مختلفة.

 

في ذلك المساء لم يكن الموجودون مجرد «فلسطينيين» و«إسرائيليين»، بل أصدقاء وأقارب وضيوفًا يشاركون عائلة فرحتها. وهناك آلاف القصص التي لا تتحول إلى عناوين صحف: عامل فلسطيني وزميل إسرائيلي، طبيب ومريض، تاجر وزبون، أستاذ وطالب، وأشخاص جمعت بينهم الحياة اليومية رغم كل ما يفصل بينهم سياسيًا.

 

هذه العلاقات لا تلغي الاحتلال، ولا تحل قضايا القدس واللاجئين والاستيطان والحدود والأمن، ولا تطلب من الفلسطيني التنازل عن حقوقه أو من الإسرائيلي تجاهل مخاوفه. لكنها تذكرنا بأن الكراهية ليست قدرًا بيولوجيًا مكتوبًا على الفلسطيني والإسرائيلي.

 

وهناك حقيقة أبسط من السياسة كلها: نحن نعيش في البيئة نفسها. نشرب من منظومة مائية مترابطة، ونتنفس الهواء نفسه، ونتأثر بالمناخ نفسه، ونعيش في مساحة جغرافية صغيرة لا تستطيع الحواجز أن تفصل أنظمتها الطبيعية عن بعضها بعضًا. فالتلوث لا يتوقف عند حاجز، والمياه لا تسأل عن هوية من يشربها، والأمراض لا تحتاج إلى تصريح للعبور، والتغير المناخي لا يعرف أين تنتهي فلسطين وأين تبدأ إسرائيل.

 

ولا يتعلق الترابط بالبيئة وحدها؛ فالصحة والاقتصاد والعمل والأسواق والطاقة والأمن تتداخل أيضًا بدرجات مختلفة. وحتى إذا قامت غدًا دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، فلن تنتقل فلسطين إلى قارة أخرى، ولن تنتقل إسرائيل إلى قارة أخرى.

 

سنظل هنا، وسنظل جيرانًا.

 

والجغرافيا، بهذا المعنى، لا تسألنا إن كنا نريد علاقة أم لا؛ فهي تفرض وجود علاقة بحكم المكان. السؤال الحقيقي هو أي نوع من العلاقة نريد: علاقة يديرها الخوف والقوة والصراع المستمر، أم علاقة تستطيع، مهما كانت صعوبة بنائها، أن تقوم على الأمن والحقوق والاعتراف المتبادل بالوجود؟

 

ربما لهذا يجب أن نغير أيضًا بعض الأسئلة التي نطرحها في استطلاعات الرأي. لقد أمضينا سنوات نقيس تأييد الضم والتهجير والقوة وانعدام الثقة، وهي مؤشرات مهمة. لكن ماذا لو سألنا الإسرائيلي: إذا ضُمن أمنك بصورة حقيقية، هل تستطيع قبول فلسطيني يعيش إلى جانبك بحرية وكرامة وحقوق سياسية؟ وماذا لو سألنا الفلسطيني: إذا ضُمنت حقوقك وحريتك وكرامتك، هل تستطيع قبول الإسرائيلي جارًا دائمًا يعيش بأمن؟

 

ثم نسأل الطرفين معًا:

 

هل يمكن أن يتحقق أمن الإسرائيلي وحرية الفلسطيني في الوقت نفسه؟

 

في تقديري، هذا السؤال أهم للمستقبل من سؤال: من يستطيع إخضاع الآخر؟ فالسلام لا يشترط أن يتفق الفلسطيني والإسرائيلي على رواية واحدة للتاريخ. وربما لن يتفقا قريبًا على تفسير 1948 أو 1967، أو على كل ما يتعلق بالقدس واللاجئين والاستيطان والحدود. لكن الاختلاف على الماضي لا ينبغي أن يمنع الاتفاق على قاعدة للمستقبل:

 

لا ينبغي أن يقوم مستقبل الفلسطيني على اختفاء الإسرائيلي، ولا مستقبل الإسرائيلي على خروج الفلسطيني من أرضه.

 

ماذا ستختار صناديق الاقتراع؟

 

وهنا نعود إلى الانتخابات التي بدأنا منها.

 

في إسرائيل سيذهب الناخب في 27 تشرين الأول/أكتوبر لاختيار من يحكم، لكنه سيختار أيضًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بين تصورات مختلفة لمستقبل الضفة الغربية والعلاقة مع الفلسطينيين. فهل يمنح قوة أكبر للتيارات التي ترى الحل في الضم أو «تشجيع الهجرة»؟ أم للتيارات التي ترى أن أمن إسرائيل على المدى البعيد يحتاج إلى تسوية سياسية يستطيع فيها الفلسطيني أن يعيش إلى جانب الإسرائيلي بحقوق وكرامة؟

وفي فلسطين، إذا جرت الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر ثم الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027، سيكون هناك سؤال مقابل: هل يمنح الفلسطيني صوته لمن يستطيع الدفاع عن حقوقه وأرضه، وفي الوقت نفسه بناء مستقبل سياسي واقتصادي واجتماعي يجعل البقاء ممكنًا ويعيد إليه الأمل؟ أم لمن يعيد إنتاج الصراع من دون تقديم طريق واقعي للمستقبل؟

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات هذا الصراع: السياسي الإسرائيلي الذي يقول للفلسطيني إن الحل يكمن في رحيله قد يقوي أكثر الأصوات الفلسطينية رفضًا للتسوية، والخطاب الفلسطيني الذي ينكر حق الإسرائيلي في الوجود والأمن قد يقوي بدوره أكثر التيارات الإسرائيلية تشددًا. وهكذا قد تجد التيارات الأكثر تشددًا، رغم عدائها المتبادل، نفسها تسهم في تعزيز بعضها بعضًا، إذ يستخدم كل طرف خطاب الآخر لإقناع جمهوره بأن التسوية مستحيلة وأن الطرف المقابل لا يمكن الوثوق به.

لهذا لا تحدد الانتخابات فقط من يحكم، بل يمكن أن تحدد أيضًا أي فكرة تحصل على الشرعية السياسية: فكرة أن الأرض لا تتسع إلا لطرف واحد، أم فكرة أن بقاء الشعبين حقيقة لا يمكن تجاوزها وأن السياسة يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة.

 

فالانتخابات تأتي وتذهب، والحكومات تتشكل وتسقط، والأحزاب تكبر وتصغر، والسياسيون يفوزون ويخسرون. أما الشعوب فتبقى.

بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية سيبقى الفلسطيني هنا، وإذا أُجريت الانتخابات الفلسطينية فبعد فرز آخر صندوق سيبقى الإسرائيلي هنا أيضًا. ولذلك فإن الاختيار الحقيقي ليس بين وجود الفلسطيني ووجود الإسرائيلي، بل بين أن يستمر وجودهما في دائرة من الخوف والكراهية والعنف، أو أن يبدأ الطرفان ببناء ثقافة سياسية ترى أن أمن الإسرائيلي وحقوق الفلسطيني لا ينبغي أن يتطلب أي منهما اختفاء الآخر.

فالتهجير ليس مشروعًا واقعيًا للسلام، والهجرة الناتجة عن ضيق الظروف ليست دليلًا على تخلي الفلسطيني عن وطنه، كما أن الأمن الذي يقوم على خوف دائم لدى الطرف الآخر يصعب أن يتحول إلى أمن مستدام.

الفلسطيني يحتاج إلى الحرية والكرامة والحقوق وإلى الاطمئنان إلى أن الأرض التي يسميها وطنه لن تصبح مكانًا لا يستطيع العيش فيه. والإسرائيلي يحتاج إلى الأمن والاطمئنان إلى أن أبناءه يستطيعون أن يعيشوا من دون خوف. وفي النهاية سيظل الاثنان في المساحة الجغرافية نفسها، يشربان من منظومة مياه مترابطة، ويتنفسان الهواء نفسه، ويتأثران بالبيئة والمناخ نفسيهما، ويحتاج كل منهما إلى مدرسة آمنة لأطفاله ومستشفى لعائلته وفرصة لبناء مستقبل.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق صناديق الاقتراع المقبلة ليس: كيف نتخلص من الآخر؟ بل: كيف نبني مستقبلًا لا يحتاج فيه أحد إلى التخلص من الآخر؟

فالانتخابات الإسرائيلية قد تغير الحكومة، والانتخابات الفلسطينية قد تغير القيادة، لكن أيًا منهما لن يغير الحقيقة الأساسية:

الفلسطينيون باقون هنا، والإسرائيليون باقون هنا.

ولذلك ربما حان الوقت لأن نتوقف عن السؤال: من سيرحل؟ ونبدأ بالسؤال الأصعب، لكنه في تقديري السؤال الوحيد الذي ينسجم مع الجغرافيا والتاريخ والواقع:

كيف سنعيش معًا؟

فالسلام لا يبدأ عندما يختفي الآخر.

السلام يبدأ عندما نتوقف عن انتظار اختفائه.