لا داعي ...
المؤشر 07-09-2026
الكاتب: يونس العموري
لا داعي للدعاة والمدعين، ولا داعي للداعين والمدعوين، ولا داعي للدعوات والاستدعاءات والادعاءات، ولا داعي لمن يدعو الى ما لا يفعل، ولا لمن يدعي ما لا يملك، ولا لمن يستدعي ما لا يحتاج، ولا لمن يحتاج في كل مرة الى دعوة جديدة كي يقول لنا ما قاله بالامس. لا داعي لكل هذا الدوران حول الكلمة، فالدعوة دعت بما يكفي، والادعاء ادعى بما يكفي، والاستدعاء استدعى ما يكفي، والمدعون قالوا ما يكفي، والداعون دعوا بما يكفي. فلا داعي لان نزيد الكلام كلاما، ولا الادعاء ادعاء، ولا الدعوة دعوة، ولا الاستدعاء استدعاء.
لا داعي للكل. لا داعي للتنظير، ولا داعي للتبرير، ولا داعي لاستشراق المستقبل وتحليل الحاضر، ولا داعي لهذا السيل الطويل من الكلام الذي لا ينقصه شيء سوى الحقيقة. لا داعي لكل هذا الضجيج الذي يحاول ان يقنعنا بأن شيئا ما يحدث، فيما كل شيء يحدث الا ما يجب ان يحدث. لا داعي للقادة والقيادة. لا داعي لاعتلاء المنصات وصناعة صورة القائد، ولا داعي للصور التي تسبق اصحابها، ولا داعي للخطابات التي تملأ الشاشات ولا تغير شيئا في الواقع. لا داعي لتلميع الصورة الباهتة، ولا داعي لمحاولة اقناعنا بأن العجز مرحلة، وان الانتظار حكمة، وان الصمت تكتيك، وان الفشل يحتاج الى مزيد من الوقت كي يتحول الى نجاح.
لا داعي لممارسة الاقناع بأننا مختلفون، وان الاختلاف حضاري، وان تعدد الرؤى دليل عافية، بينما الخلاف في حقيقته صار وسيلة للبقاء، وصارت المواقع اهم من المواقف، والمصالح اهم من المشروع، والكراسي اكثر صلابة من كل الشعارات التي رفعت باسم القضية. ولا داعي لمنح شهادات لبعضنا البعض. هذا وطني، وذاك مناضل، وهذا اكثر اخلاصا، وذاك اكثر حرصا، وهذا صاحب تجربة، وذاك صاحب تاريخ. يكفي ان نمنح بعضنا هذه الشهادات حتى يصبح الجميع ابرياء من كل ما حدث. يكفي ان نوزع المديح كي لا يضطر احد الى السؤال عن المسؤولية.
ولا داعي للفصائل والقوى والتيارات حين تصبح الاسماء اكبر من افعالها، وحين يتحول التاريخ الى حصانة، والشعار الى غطاء، والراية الى حجة. لا داعي لاستدعاء الامس كلما طالب الحاضر بحساب اليوم. الماضي لا يمنح احدا رخصة مفتوحة للفشل. ولا داعي للزركشات اللغوية المتعبة اصلا. لا داعي للكلمات الكبيرة حين تكون الحقيقة صغيرة الى هذا الحد. لا داعي للخطابات التي ترفع سقف اللغة كلما انخفض سقف الفعل. لا داعي للمثقف الذي يبحث عن جملة جميلة فوق جرح مفتوح، ولا للكاتب الذي يخفف قسوة الحقيقة كي تصبح قابلة للنشر والتصفيق.
ولا داعي للتغني بالاسير والشهيد والجريح كلما احتجنا الى جملة مؤثرة. الاسير ليس مادة خطابية، والشهيد ليس صورة في مقدمة بيان، والجريح ليس دليلا يستخدم لتثبيت شرعية احد. ولا داعي ان نتذكرهم حين نريد ان نصفق لانفسنا، ثم ننساهم حين يصبح السؤال عن حقوقهم ومسؤولياتنا تجاههم اكثر كلفة من الكلام عنهم. ولا داعي للاشادة بالموظف الصامد الصابر وهو يتلقى نصف الراتب منذ سنوات. لا داعي لتحويل الفقر الى بطولة، والحرمان الى صبر، والعجز عن دفع الراتب الى فضيلة اخلاقية. الموظف لا يحتاج الى قصيدة في الصبر، يحتاج الى راتبه. ولا يحتاج الى من يشد على كتفه ويقول له اصبر، وانما يحتاج الى من يسأل لماذا وصل الى هذا الحال، ومن الذي قرر ان يصبح نصف الراتب قدرا، ومن الذي اعتاد ان يطلب من غيره الصبر بينما لا يعرف الصبر الا من موقع المكافأة والامتياز.
ولا داعي للحث على المقاومة الشعبية لمواجهة القتل والتدمير من قبل المستوطنين، ثم ترك من يواجه وحده، وكأن المقاومة الشعبية خطاب للاستهلاك لا مسؤولية سياسية واخلاقية. لا داعي لدعوة من يقف في وجه الخطر الى الصمود، فيما الذين يملكون المنابر والقرار يكتفون بالبيانات والصور. لا داعي ان نطلب من الضعيف ان يكون شجاعا كي نبرر عجز القوي. ولا داعي للدعوة الى اجتماعات المجمعات الانتخابية لممارسة اقسى درجات الكذب والتدليس، ثم تقديم المشهد على انه اختيار وخيار وارادة وقواعد وديمقراطية. نحن نعرف كيف سيكون الاختيار، ونعرف كيف سيكون الخيار، ونعرف قبل ان تبدأ الاجتماعات من سيدخل ومن سيخرج، ومن سيرفع يده، ومن سيصفق، ومن سيحصل على شهادة النزاهة بعد انتهاء المسرحية. فلا داعي لكل هذا التعب. لا داعي ان نسمي التعيين انتخابا، ولا ان نسمي الترتيب ارادة، ولا ان نسمي التوافق ديمقراطية.
ولا داعي لشد العضد والمثابرة وكيل المديح. لا داعي لهذه اللغة التي تخدر العجز وتمنحه اسما اخر. حين يفشل الاداء، لا ينفع شد العضد. وحين تضيق الحياة، لا يكفي المديح. وحين يتكرر الخطأ، لا تكون المثابرة فضيلة اذا كانت المثابرة هي نفسها على الخطأ. ولا داعي للعبثية، ولا داعي لتطويع النظريات واستجلاب الافكار التي ليس لها علاقة، ولا داعي لتخريب القوانين ثم مطالبتنا بأن نصدق ان ما يحدث اجتهاد سياسي او ضرورة مرحلية. ولا داعي للضحك على الذقون بالفرمانات الصادرة عن الباب العالي، ولا داعي لكل هذا العبث ولكل هذا الاجتهاد في اصدار الفرمانات، وكأن مجرد صدورها يجعلها قانونا، وكأن الصمت عليها يعني القبول بها. لن يعترض عليكم احد، لا تقلقوا. لن يتعب احد نفسه كثيرا في الاعتراض، فقد تعلم الجميع كيف يمرر القرار، وكيف يصفق له، وكيف يكتشف بعد ذلك ان عليه ان يتعايش معه.
ولا داعي لاستنفار اجهزة مكافحة الشغب الامنية. لن يتحرك احد بوجهكم، ولن يخرج احد ليواجه السلطة لمجرد انكم اصدرتم فرمانا جديدا او عدلتم قانونا او اخترعتم قاعدة على مقاس اللحظة. لا تخشوا احدا، فلا داعي لقلقكم، على الاقل حاليا. افعلوا ما شئتم، فلا داعي للخوف. افتحوا الابواب التي تريدون، واغلقوا التي تريدون، غيروا القواعد كما تشاؤون، واعيدوا ترتيب المشهد بما يناسبكم. لا داعي لكل هذا القلق. فالخوف، على ما يبدو، لم يعد في مكانه الصحيح.
ولا داعي لبيانات الادانة والاستنكار التي تحفظها الذاكرة اكثر مما تحفظ ما ترتب عليها. ولا داعي لاجتماعات الطوارئ التي تنتهي الى لجان، ولا داعي للجان التي تنتهي الى توصيات، ولا داعي للتوصيات التي توضع في الادراج حتى يصبح الدرج جزءا من النظام السياسي. ولا داعي للحوار من اجل الحوار، ولا داعي للمصالحة من اجل صورة المصالحة، ولا داعي للقاءات التي تلتقط فيها الصور اكثر مما تصنع فيها القرارات. لا داعي ان نجلس حول الطاولة للمرة المئة كي نكتشف في النهاية ان الطاولة نفسها هي التي نجلس حولها منذ سنوات، وان ما تغير فقط هو الوجوه والكلمات.
ولا داعي لمن يشرح لنا لماذا عجز، ولا داعي لمن يحمل المسؤولية للاخر، ولا داعي لمن يطلب منا ان نفهم تعقيدات المرحلة. لقد فهمنا. فهمنا اكثر مما ينبغي. فهمنا الاحتلال، والانقسام، والحصار، والظروف الاقليمية والدولية، وفهمنا المؤامرات والضغوط والتدخلات. لكن ما لم نفهمه حتى الان هو لماذا يتحول كل ذلك الى عذر دائم يمنع السؤال البسيط: ماذا فعلتم؟ ليس ماذا قلتم. ماذا فعلتم؟ ولا داعي للاجابة. الواقع اجاب عنكم.
ربما المشكلة اننا ما زلنا نمنح الكلام قيمة اكبر من الفعل، ونمنح الصورة اهمية اكبر من الحقيقة، ونمنح القائد فرصة جديدة كلما انتهت الفرص، ونمنح الفصيل شرعية جديدة كلما استهلك شرعيته، ونمنح الخطاب تصديقا جديدا كلما كذبته الوقائع. لذلك لا داعي. لا داعي ان تقنعونا اننا بخير. لا داعي ان تقولوا ان الازمة مؤقتة، وان القادم افضل، وان الوحدة قادمة، وان الانتخابات ستغير كل شيء، وان المقاومة مستمرة، وان المشروع الوطني بخير، وان المؤسسات صامدة، وان الموظف صابر، وان الاسير حاضر، وان الشهيد حاضر، وان القيادة تتابع، وان الفصائل تعمل، وان المستقبل مفتوح. لا داعي. نحن نرى. نرى ما يكفي.
ولم يعد ينقصنا خطاب جديد يشرح لنا ما نراه، ولا قائد جديد يطلب منا الثقة، ولا اجتماع جديد يعيد انتاج الاجتماع القديم، ولا بيان جديد يعيد صياغة العجز بلغة اكثر اناقة. اتركوا الحقيقة كما هي، ولو لمرة واحدة. اتركوا الموظف يقول انه لا يستطيع العيش بنصف راتب من دون ان تصفقوا لصبره. واتركوا من يواجه المستوطنين يقول انه يريد حماية وفعل لا خطبة عن الصمود. واتركوا الاسير والشهيد والجريح خارج بازار المديح. واتركوا الانتخابات خارج مسرحية المجمعات المعدة سلفا. واتركوا القيادة خارج صورها وخطاباتها، كي نرى ان كان هناك شيء خلف الصورة.
فقد تعبنا من الذين يطلبون منا ان نصفق لصمودهم، بينما هم يطلبون من غيرهم ان يصمد. وتعبنا من الذين يبيعون لنا الامل بالتقسيط، ويشترون به الوقت. وتعبنا اكثر من الذين يعرفون انهم لا يملكون شيئا، ومع ذلك يصرون على الظهور بمظهر من يملك كل شيء. لا داعي. فقد انتهى زمن الكلام الذي يحتاج الى تفسير. الواقع قال كلمته. والسؤال لم يعد .. ماذا ستفعلون؟ السؤال صار .. كم من الوقت تحتاجون بعد كي تتوقفوا عن فعل لا شيء؟.



