"نحيا ليحيا الوطن ... لأن الإنسان هو الوطن"
المؤشر 19-07-2026
الكاتب: سليم عبد الكريم الهندي
ترددت عبر التاريخ مقولة "نموت ليحيا الوطن"، وكانت عنواناً للتضحية والفداء في مواجهة الاحتلال والعدوان. غير أن هذه العبارة، على ما تحمله من معانٍ نبيلة، تدفعنا اليوم إلى سؤال عميق: كيف يحيا الوطن إذا فقد أبناءه؟ وكيف ينهض إذا استنزفت طاقاته البشرية، وهجر سكانه، وغابت عنه الحياة التي تمنحه معناه؟
الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الوطن ليس الأرض وحدها، بل الإنسان أولًا. فالإنسان هو الذي يزرع الأرض، ويبني المدن، ويؤسس المدارس والجامعات، ويُشغل المستشفيات، ويصنع الثقافة، ويحفظ الهوية الوطنية. ومن دون الإنسان، تتحول الأرض إلى مساحة صامتة تفتقد روحها.
لذلك، فإن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي أمة هو الاستثمار في الإنسان، وحماية كرامته، وصون حياته، وتوفير الأمن والحرية والعدالة له. فالوطن القوي لا يُقاس بعدد مبانيه أو حجم موارده، وإنما بقدرته على حماية مواطنيه وتمكينهم من العيش الكريم.
لقد كشفت حرب غزة عن حجم المأساة الإنسانية التي يمكن أن يعيشها شعب بأكمله. فقد خلفت الحرب دماراً واسعاً طال الأحياء السكنية والبنية التحتية، وألحقت أضراراً كبيرة بالمستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة، كما أثرت في الأراضي الزراعية والأشجار ومصادر الرزق، ودفعت مئات الآلاف إلى النزوح وفقدان منازلهم وأحبائهم. ولم تقتصر آثارها على الحاضر، بل امتدت لتلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل الأطفال والشباب، وعلى فرص التعليم والعمل والتنمية، وعلى النسيج الاجتماعي الذي يحتاج إلى سنوات طويلة ليستعيد عافيته.
لقد فقدت آلاف الأسر أحباءها، وأصبح كثير من الأطفال أيتاماً، فيما يعيش آخرون آثاراً نفسية عميقة نتيجة ما شهدوه من أحداث قاسية. كما وجد الشباب أنفسهم أمام واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار، في وقت يفترض أن يكونوا فيه القوة التي تبني المجتمع وتقوده نحو المستقبل.
ومع ذلك، فإن الشعب الفلسطيني أثبت، في كل المحطات، قدرة استثنائية على الصمود والتشبث بالحياة. فوسط الركام، تستمر محاولات التعليم، وتقام المبادرات المجتمعية، ويواصل الأطباء والمعلمون والمتطوعون أداء رسالتهم، في مشهد يؤكد أن إرادة الحياة أقوى من اليأس، وأن الإنسان الفلسطيني لا يزال يؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
إن الدفاع عن الوطن لا يعني فقط حمل السلاح أو تقديم التضحيات، بل يعني أيضًا حماية الإنسان، وصيانة كرامته، وضمان حقه في التعليم والعلاج والعمل، وحق الطفل في أن يلعب ويتعلم، وحق الشاب في أن يحلم، وحق الأسرة في أن تعيش بأمن وسلام.
فالحرية ليست شعاراً سياسياً فحسب، بل هي حق الإنسان في أن يعيش دون خوف، وأن يعبر عن رأيه، وأن يشارك في صناعة مستقبل وطنه. والسلام ليس استسلاماً، بل هو البيئة التي يستطيع فيها الإنسان أن يبني ويبدع ويحقق طموحاته. أما الكرامة، فهي الأساس الذي لا يكتمل الانتماء الوطني من دونه.
إن الشعوب لا تقاس فقط بقدرتها على الصمود في زمن الحرب، وإنما أيضاً بقدرتها على إعادة البناء بعد انتهائها. وإعادة البناء لا تعني تشييد المباني والجسور فحسب، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان نفسياً وتعليمياً واجتماعياً، وفتح الأفق أمام الشباب، وتعزيز قيم الحوار والتسامح وسيادة القانون، حتى يشعر كل مواطن بأن له مكاناً ودوراً في وطنه.
إن مستقبل فلسطين لن تصنعه الحجارة وحدها، بل سيصنعه الإنسان الفلسطيني بعلمه، وإبداعه، وإرادته، وتمسكه بالحياة. لذلك فإن حماية الإنسان ليست قضية إنسانية فقط، بل هي مشروع وطني بامتياز، لأن الإنسان هو الثروة الأغلى، وهو أساس التنمية، وهو الضمان الحقيقي لاستمرار الوطن.
قد يضحي الإنسان من أجل وطنه عندما تُفرض عليه التضحية، لكن الغاية النهائية ليست الموت، بل أن يحيا الإنسان حراً كريماً في وطنه. فالوطن الذي نحلم به هو وطن يوفر لأبنائه الأمن والحرية والعدالة، ويمنحهم فرصة بناء مستقبل يليق بتضحياتهم.
ولهذا، ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في العبارة التي طالما رددناها، فنقول: "نحيا ليحيا الوطن، لأننا نحن الوطن." فحين تُصان حياة الإنسان، وتُحفظ كرامته، ويعيش في أمن وسلام، يكون الوطن قد حقق أعظم انتصاراته.



