لماذا ترفض الصين استخدام سلاح الفائدة لإنقاذ اقتصادها؟

لماذا ترفض الصين استخدام سلاح الفائدة لإنقاذ اقتصادها؟

المؤشر 19-07-2026   تتجه الصين إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرجعية على الإقراض دون تغيير للشهر الرابع عشر على التوالي، في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تباطؤاً في النمو وتبايناً متزايداً بين قوة قطاع التصدير وضعف الطلب المحلي.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» أن جميع المشاركين الـ23 توقعوا بقاء سعر الفائدة الأساسي على القروض لأجل عام واحد عند 3%، ولأجل خمس سنوات عند 3.5%، رغم تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني خلال الربع الثاني من العام إلى 4.3% على أساس سنوي، وهو أبطأ معدل منذ أكثر من ثلاث سنوات.

لكن قرار بكين المحتمل بتثبيت الفائدة يطرح سؤالاً مهماً: لماذا لا تستخدم الصين سلاح خفض الفائدة لإنعاش الاقتصاد، كما تفعل العديد من البنوك المركزية عندما يتباطأ النمو؟

العقارات.. المشكلة التي لا تحلها الفائدة وحدها

تواجه الصين أزمة ممتدة في قطاع العقارات، الذي كان لعقود أحد أهم محركات النمو والاستثمار. ومع استمرار تراجع الطلب على المساكن وتراجع أسعار العقارات، أصبح خفض الفائدة أقل قدرة على تحفيز الاقتراض، إذ إن المشكلة لا تتعلق فقط بتكلفة القروض، بل بضعف الثقة في السوق نفسها.

كما أن انخفاض قيمة العقارات يضغط على ثروات الأسر، ويدفعها إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، في ما يعرف بتأثير الثروة السلبي. ويشير البنك الدولي إلى أن استمرار تعديل قطاع العقارات وضعف الطلب على المساكن، إلى جانب حذر المستهلكين، يواصلان الضغط على النمو والاستهلاك الخاص.

وبالتالي، فإن خفض الفائدة قد يجعل الاقتراض أرخص، لكنه لا يضمن بالضرورة أن الأسر ستعود إلى شراء المنازل، أو أن الشركات ستزيد استثماراتها في قطاع يعاني فائض المعروض وضعف الطلب.

تكمن إحدى أكبر مشكلات الاقتصاد الصيني حالياً في ضعف الاستهلاك المحلي. فبينما حافظت الصادرات والاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة على قوة نسبية، ظل إنفاق الأسر أكثر حذراً.

ويعكس ذلك ما يصفه بعض الاقتصاديين بنمو اقتصادي على شكل حرف «K»، حيث تسير قطاعات في اتجاه صاعد، خصوصاً التكنولوجيا والصادرات، بينما تتراجع قطاعات أخرى، مثل العقارات وبعض مجالات الاستثمار والاستهلاك.

ولهذا، يبدو أن بكين ترى أن خفض الفائدة وحده لن يعالج السبب الأساسي وراء ضعف الطلب. فالمشكلة تتعلق أيضاً بثقة الأسر، وسوق العمل، وتراجع أسعار العقارات، وارتفاع الميل إلى الادخار.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نمو الاقتصاد الصيني قد يتباطأ إلى 4.4% في عام 2026، مع استمرار ضعف الطلب المحلي، فيما قد يظل الاستهلاك مكبوحاً بسبب استمرار تعديل سوق العقارات وضعف أرباح الشركات في بعض القطاعات.

الصادرات.. محرك قوي لكنه ليس كافياً

في المقابل، لا يزال قطاع التصدير أحد أبرز نقاط القوة في الاقتصاد الصيني، إلى جانب الاستثمارات في الصناعات عالية التكنولوجيا.

لكن الاعتماد المتزايد على الصادرات يفرض تحدياته الخاصة، إذ يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتوترات التجارية والرسوم الجمركية وتباطؤ الطلب العالمي. كما أن دفع الصادرات بقوة لتعويض ضعف الطلب المحلي قد يزيد الضغوط التجارية على الصين من جانب شركائها التجاريين.

وهنا تواجه بكين معضلة اقتصادية: خفض الفائدة قد يدعم النشاط، لكنه قد يضغط أيضاً على اليوان ويزيد تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، في وقت تحاول فيه السلطات الحفاظ على استقرار العملة والأسواق المالية.

لماذا تفضّل الصين التحفيز المالي؟

بدلاً من خفض كبير للفائدة، يبدو أن صناع السياسة يميلون إلى استخدام أدوات أكثر استهدافاً، مثل تسريع تنفيذ الإنفاق الحكومي، ودعم قطاعات محددة، وتوفير السيولة في سوق ما بين البنوك.

ويرى محللون أن تسريع تنفيذ الإجراءات المالية القائمة قد يكون الاستجابة الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية، مع إبقاء بنك الشعب الصيني على مستويات وفيرة من السيولة.

ويعكس هذا التوجه رغبة بكين في معالجة نقاط الضعف بشكل مباشر، بدلاً من ضخ موجة واسعة من السيولة قد تؤدي إلى زيادة الديون أو إعادة تغذية فقاعات الأصول دون أن تصل بالضرورة إلى الأسر والمستهلكين.

وبحسب البنك الدولي، فإن تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي ورفع مستويات المزايا وتوسيع نطاق التغطية يمكن أن يساعد الأسر على تقليل الادخار الاحترازي وزيادة الإنفاق، وهو ما يشير إلى أن معالجة ضعف الاستهلاك قد تتطلب سياسات مالية واجتماعية أكثر من مجرد خفض أسعار الفائدة.

ماذا يعني القرار للأسواق العالمية؟

يحمل تثبيت الفائدة الصينية أهمية تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي. فالصين أكبر مستهلك عالمي للعديد من السلع الأساسية، وبالتالي فإن أي تباطؤ في نشاطها الصناعي أو العقاري قد يؤثر في الطلب على النفط والمعادن والنحاس وخام الحديد.

وفي المقابل، فإن استمرار قوة التصنيع والصادرات، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، قد يبقي الطلب على بعض المواد الخام مرتفعاً.

لذلك، قد يؤدي استمرار النهج النقدي الحذر إلى إبقاء الأسواق أمام صورة اقتصادية مزدوجة: طلب ضعيف من العقارات والاستهلاك، مقابل طلب قوي من الصناعات المتقدمة والصادرات.

إنعاش الطلب من دون إعادة إنتاج الديون

تواجه الصين الآن تحدياً أكثر تعقيداً من مجرد رفع معدلات النمو. فالمطلوب هو إعادة توازن الاقتصاد، بحيث لا يعتمد بشكل مفرط على العقارات والاستثمار والصادرات، بل يصبح الاستهلاك المحلي محركاً أكثر قوة.

ولهذا، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: متى ستخفض الصين أسعار الفائدة؟ بل: هل تستطيع بكين إعادة الثقة إلى الأسر والشركات من دون إطلاق موجة جديدة من الديون؟

ومع توجه الأنظار إلى الاجتماع المقبل للمكتب السياسي، يترقب المستثمرون إشارات بشأن جدول أعمال السياسة الاقتصادية للنصف الثاني من العام. وبينما يتوقع بعض المحللين خفضاً محدوداً للفائدة، قد يصل إلى 10 نقاط أساس، يرى آخرون أن بكين ستواصل تفضيل التيسير التدريجي والتحفيز المالي على خفض واسع للفائدة.

وفي النهاية، لا يبدو أن الصين ترفض خفض الفائدة لأنها لا ترى حاجة إلى دعم الاقتصاد، بل لأنها تدرك أن المشكلة الحالية أعمق من تكلفة الاقتراض.

فالعقارات تحتاج إلى استعادة الثقة، والاستهلاك يحتاج إلى دعم دخل الأسر وشبكات الأمان الاجتماعي، بينما تظل الصادرات معرضة للتوترات التجارية. ولذلك، يبدو أن بكين تفضل استخدام أدوات مالية وصناعية مستهدفة بدلاً من الاعتماد على «سلاح الفائدة» وحده.