سباق عالمي إلى قاع البحار.. من يسيطر على معادن المستقبل؟

سباق عالمي إلى قاع البحار.. من يسيطر على معادن المستقبل؟

المؤشر 19-07-2026   تستعد السلطة الدولية لقاع البحار، الهيئة التنظيمية التابعة للأمم المتحدة، للنظر في أول طلب تجاري في العالم للتعدين في أعماق البحار والمحيطات في موعد قد يحين هذا الشهر (يوليو)، وذلك على الرغم من تحذيرات ومخاوف أبدتها العديد من الدول الأعضاء بأن الخطوة سابقة لأوانها لنقل عمليات الاستخراج من اليابسة إلى المياه.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى عامين مضيا، عندما قامت دولة ناورو -وهي جزيرة صغيرة في المحيط الهادئ- بتفعيل بند قانوني يلزم السلطة الدولية لقاع البحار بالنظر في طلبات الحصول على تصاريح التعدين التجاري بموجب الإطار الهيكلي المصمم أصلاً للاستكشاف، وذلك في حال عجزت الهيئة عن الاتفاق على مجموعة كاملة من الضمانات والمعايير البيئية لصناعة التعدين قبل هذا الصيف، بحسب صحيفة فاينانشال تايمز.

صراع المصالح واستراتيجيات الدول

ومع اقتراب الموعد النهائي، تسابق الدول والشركات الزمن للتأثير على صياغة المرحلة المقبلة، وتتباين المواقف الدولية كالتالي:

ناورو: تضغط بشكل صريح ومباشر للنظر في طلبات التعدين بدءاً من شهر يوليو الجاري.

النرويج: تبنت موقفاً ليناً مؤيداً للتعدين؛ حيث عارضت المقترحات التي تسهل استخدام حق الفيتو لتعطيل الطلبات.

الصين: ترسل سفنها لاستكشاف قاع المحيط بحثاً عن معادن حيوية مثل النيكل، والمنغنيز، والكوبالت، ورغم هيمنتها الحالية على سلاسل توريد المعادن الحرجة، لم يدعم دبلوماسييها المضي قدماً بشكل فوري في الاجتماعات الأخيرة، لكنهم جادلوا بأن المخاوف البيئية لا ينبغي أن تطغى على الفوائد الاقتصادية.

دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، إسبانيا): تمتلك هذه الدول تراخيص استكشاف، لكنها طالبت بـ«وقف مؤقت حذر» للتعدين في قاع البحار، تماشياً مع نصائح العلماء بأن دور قاع البحار في تخزين الكربون ودعم الحياة البرية لا يزال غير مفهوم بالشكل الكافي.

المملكة المتحدة: تمول مشروع بحث علمي بقيمة 6 ملايين جنيه إسترليني في مناطق استكشاف خاصة بها بالمحيط الهادئ، وأعلنت أنها لن تدعم التعدين التجاري في هذه المناطق حتى تتفق السلطة الدولية على قواعد عالمية صارمة.

الولايات المتحدة: لم تنضم أميركا قط إلى هذه الهيئة التنظيمية.

تحديات البيئة وجدوى التحول الأخضر

ويرى المدافعون عن التعدين البحري أن هذا التحول ضروري لأن التعدين البري لا يمكنه تلبية الطلب المتزايد على المعادن الحيوية المستخدمة في البطاريات والأسلاك الصلبة اللازمة للتحول بعيداً عن الوقود الأحفوري.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب على المعادن سيتضاعف أربع مرات بحلول عام 2040 نتيجة طفرة السيارات الكهربائية وبطاريات الشبكات لتحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، وأن التوسع في التعدين البري سيعني الاعتماد كلياً على الصين ويحمل كلفة بيئية باهظة.

وتختبر المجموعات البحرية حالياً ثلاث طرق للحصول على المعادن، أبرزها يعتمد على شفط «العقيدات متعددة المعادن» من قاع البحر ونقلها عبر خراطيم مرنة يبلغ طولها 4 كيلومترات إلى سفن الشحن.

وتحتوي هذه العقيدات على النحاس، والكوبالت، والنيكل، والمنغنيز، وهي معادن يثير استخراجها على الأرض جدلاً واسعاً لارتباطه بإزالة الغابات، والعمل القسري، وتشريد المجتمعات.

وفي المقابل، يحذر علماء البيئة من مخاطر تدمير النظم البيئية الحساسة في أعماق البحار (مثل منطقة «كلاريون-كليبرتون» في المحيط الهادئ التي تعد من أكثر البيئات البحرية تنوعاً بيولوجياً)، والتي تضم كائنات نادرة مثل الأسماك الشبحية الشفافة، وأخطبوط دمبو، وشقائق النعمان العملاقة.

ويوضح العلماء أن التلوث الضوضائي قد يزعج الثدييات البحرية، كما أن نفايات المياه المنبعثة من آلات التعدين قد تخل بـ«الثلوج البحرية» (الجزيئات الغنية بالكربون والمغذيات التي تستقر في القاع وتستغرق آلاف السنين لتتشكل).

انقسامات داخل أروقة السلطة الدولية لقاع البحار

وتواجه قرارات السلطة الدولية لقاع البحار -التي تأسست عام 1982 وتتخذ قراراتها عبر مجلس تدويري صغير يمثل 167 دولة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي– اتهامات من بعض الدبلوماسيين بتبني موقف مؤيد بشدة للتعدين. ويمكن لهذا المجلس، بدءاً من يوليو الجاري، الموافقة على تراخيص الاستغلال التجاري بعد مراجعة الطلبات لمدة عام، وذلك بدعم من ثلث الأعضاء فقط.

وتعرض الأمين العام البريطاني للهيئة، مايكل لودج، لانتقادات ووُصفت تصريحاته بـ«المضللة»؛ بعد أن وصف معارضي التعدين بـ«التطرف البيئي والجمود العقائدي»، معتبراً أن حظر التعدين يعد خطوة «مناهضة للعلم والتنمية والقانون الدولي»، فضلاً عن ظهوره في فيديو ترويجي لشركة التعدين الكندية «ذا ميتالز كومباني».

كما أثار لودج قلق الدبلوماسيين في فبراير الماضي بسعيه لتأكيد تفوق الهيئة على معاهدة تاريخية جديدة للأمم المتحدة لحماية التنوع البيولوجي في البحار، والتي تمنح صلاحيات للتدخل في حالات الكوارث البشرية في البحر، حيث كتب لودج أن الاتفاقية الجديدة يجب ألا «تكرر أو تقوض» عمل سلطة قاع البحار.

وفي مارس الماضي، رفض لودج مخاوف الوفد الألماني بشأن مقاومته لجهود إبطاء عملية الموافقة على عقود التعدين التجاري، واصفاً إياها بأنها «جرئية وغير مدعومة بأدلة».

رهانات الاستثمار والمسؤولية القانونية

وتقود شركة «ذا ميتالز كومباني»- المدعومة من شركة التعدين العملاقة «غلينكور» المدرجة في مؤشر «فوتسي 100» والمقاول السويسري «أولسيز» بالإضافة إلى ناورو– هذا التحول؛ حيث أكد رئيسها التنفيذي جيرارد بارون عزم الشركة تقديم طلب للتعدين التجاري هذا العام.

وكانت الشركة (التي تسجل خسائر حالياً) قد جمعت 4,500 طن من العقيدات في تجربة العام الماضي، وتخطط لجمع 1.3 مليون طن سنوياً بمجرد حصولها على الترخيص التجاري، واعدةً بتحقيق إيرادات بحلول نهاية العام المقبل (2027).

وإلى جانب المخاوف البيئية والتجارية، تواجه الصناعة الناشئة معضلات قانونية واقتصادية غير واضحة؛ مثل تحديد المسؤولية القانونية ودفع التعويضات في حال حدوث تلوث أو أضرار في قاع البحار، واحتمالية إفلاس الشركات التابعة قبل دفع الغرامات، ومدى قدرة التعدين البحري على منافسة كلف التعدين البري، وإقناع مصنعي السيارات والمستهلكين بتبني هذه المعادن، بالإضافة إلى آلية توزيع الأرباح بين الدول الأعضاء والتي ستحتسب بناءً على حجم السكان، والاستثمارات، وحجم الإيرادات المفقودة من التعدين البري.