هل يقترب نتنياهو من نهاية مسيرته السياسية؟ خسارة الحكومة والمحاكمة تهددان مستقبله
المؤشر 08-11-2026 يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرحلة شديدة التعقيد في مسيرته السياسية، بعدما فقد معسكره فرصة تشكيل الحكومة الجديدة، وانتقلت مهمة بناء الائتلاف إلى منافسه غادي آيزنكوت، في تطور قد يشكل بداية تراجع نفوذ الرجل الذي هيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية لسنوات طويلة.
ولا تقتصر الأزمة التي تحاصر نتنياهو على احتمال مغادرة منصب رئاسة الحكومة، بل تمتد إلى مستقبله داخل حزب الليكود، في ظل تساؤلات بشأن قدرته على الاحتفاظ بقيادته، بالتزامن مع استمرار محاكمته في قضايا فساد قد تترتب عليها عقوبات قانونية ثقيلة إذا انتهت بإدانته.
وبين تعقيدات تشكيل الحكومة الجديدة، واحتمالات إجراء انتخابات مبكرة، والضغوط القضائية المتواصلة، يواجه نتنياهو اختباراً مصيرياً قد يحدد ما إذا كان سيتمكن من استعادة موقعه السياسي، أم أن المرحلة الحالية ستتحول إلى نقطة نهاية لنفوذه الممتد.
آيزنكوت يتقدم على نتنياهو في سباق تشكيل الحكومة
شكّل قرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة ضربة سياسية لنتنياهو، خصوصاً أن الأخير يقود الحزب صاحب أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، لكنه أخفق في حشد أغلبية برلمانية تضمن بقاءه في السلطة.
وحصل آيزنكوت على توصيات 67 عضواً في الكنيست لتولي المهمة، مقابل 46 عضواً أيدوا تكليف نتنياهو، فيما امتنع سبعة نواب عن دعم أي من المرشحين.
ورغم حصول حزب الليكود على 27 مقعداً، لم يتمكن المعسكر الداعم لنتنياهو من تجاوز حاجز 53 مقعداً، من أصل 120 مقعداً يتكون منها الكنيست.
وفي المقابل، يستند المعسكر المؤيد لآيزنكوت إلى 48 مقعداً للأحزاب الصهيونية المعارضة، فضلاً عن دعم 19 نائباً من القوائم العربية، وهو ما يمنحه أفضلية في مرحلة التكليف، لكنه لا يضمن بالضرورة تشكيل ائتلاف حكومي متماسك.
وتكمن الصعوبة في أن بعض الأحزاب المعارضة ترفض التعاون مع القوائم العربية، بينما تظل مشاركة الأحزاب الحريدية في الحكومة المحتملة موضع خلاف، ما يجعل المفاوضات المقبلة معقدة وحاسمة.
وبموجب القواعد القانونية المعمول بها، يمتلك آيزنكوت 28 يوماً لإنجاز مهمة تشكيل الحكومة، مع إمكانية حصوله على تمديد يصل إلى 14 يوماً إضافياً. وإذا أخفقت المساعي السياسية والبرلمانية في التوصل إلى ائتلاف، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة خلال نحو 100 يوم، وفقاً لما أورده تقرير لوكالة رويترز.
وحتى انتهاء هذه المرحلة، سيبقى نتنياهو في منصبه رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، إلى حين تشكيل حكومة جديدة وأدائها اليمين الدستورية.
نتنياهو يحاول العودة من بوابة حكومة الوحدة
في مواجهة تراجع فرص استمراره في رئاسة الحكومة، طرح نتنياهو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الأحزاب الصهيونية إلى جانب القوى المنضوية ضمن معسكره السياسي السابق.
وحاول رئيس الوزراء المنتهية ولايته تقديم المبادرة باعتبارها مخرجاً من الأزمة السياسية، محذراً من الاعتماد على دعم الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة الجديدة، ومطلقاً عليها اتهامات تتعلق بدعم الإرهاب.
لكن المبادرة لم تجد استجابة من حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت، الذي رفض العودة إلى شراكة سياسية مع نتنياهو، ودعا في المقابل أعضاء حزب الليكود إلى الانفصال عن الأحزاب اليمينية المتشددة والانخراط في ترتيبات حكومية جديدة.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 7 نوفمبر، فإن نتنياهو أراد أن تشمل حكومة الوحدة المقترحة جميع حلفائه السابقين، ومن بينهم حزبا «الصهيونية الدينية» و«عوتسما يهوديت»، إلى جانب الأحزاب الحريدية والليكود، دون أن يعلن بوضوح الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة.
وتعكس هذه الخطوة محاولة من نتنياهو للحفاظ على موقع مؤثر في المعادلة السياسية، حتى في حال اضطراره إلى التخلي عن رئاسة الحكومة، إلا أن موقف آيزنكوت الرافض للعمل معه يمثل عقبة رئيسية أمام نجاح المبادرة.
مستقبل الليكود بعد نتنياهو.. من يخلف الزعيم التاريخي؟
من بين الملفات التي قد تتصدر المشهد السياسي الإسرائيلي خلال الفترة المقبلة، مستقبل حزب الليكود في حال خروج نتنياهو من رئاسة الحكومة.
فعلى الرغم من احتفاظ الحزب بموقعه كأكبر قوة حزبية في الكنيست بحصوله على 27 مقعداً، فإن خسارة السلطة قد تعيد طرح أسئلة قديمة بشأن مستقبل القيادة داخله، ومدى قدرة الحزب على الاستمرار تحت زعامة نتنياهو أو الانتقال إلى قيادة جديدة.
ولا يعني فقدان رئاسة الحكومة بالضرورة انتهاء سيطرة نتنياهو على الليكود، إذ لا يزال يتولى قيادة الحزب ويتمتع بنفوذ واسع داخل صفوفه.
لكن استمرار الأزمة السياسية قد يؤدي إلى ظهور خلافات بين قيادات الحزب، خصوصاً إذا تراجعت قدرة نتنياهو على إعادة بناء التحالفات التي ضمنت له البقاء في الحكم خلال السنوات الماضية.
كما أن غياب شخصية متفق عليها لتولي قيادة الليكود بعده يجعل أي محاولة لانتقال السلطة داخل الحزب محفوفة بالتنافس والانقسامات.
ومن ثم، فإن مستقبل نتنياهو الحزبي لن يتحدد بمجرد خسارته رئاسة الحكومة، بل بمدى قدرته على الاحتفاظ بولاء أعضاء الليكود وإقناعهم بأنه لا يزال الشخصية الأقدر على قيادة الحزب والعودة إلى السلطة.
محاكمة الفساد.. الخطر الأكبر على مستقبل نتنياهو
في الوقت الذي يخوض فيه نتنياهو معركته السياسية، لا تزال المحاكمة الجنائية التي تلاحقه منذ سنوات تشكل أحد أخطر التحديات أمام مستقبله.
ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في القضية المعروفة إعلامياً بالقضية رقم 4000، إلى جانب اتهامات بالاحتيال وخيانة الأمانة في القضيتين 1000 و2000.
وتكتسب هذه الملفات أهمية استثنائية بسبب العقوبات التي قد تترتب على الإدانة، إذ تصل عقوبة الرشوة وفق القانون الإسرائيلي إلى السجن عشر سنوات، بينما تصل عقوبة الاحتيال وخيانة الأمانة إلى ثلاث سنوات.
وينفي نتنياهو جميع الاتهامات الموجهة إليه، إلا أن استمرار المحاكمة يضع مستقبله السياسي تحت ضغط متزايد، خصوصاً أن الإدانة في بعض هذه القضايا قد تترتب عليها تبعات تتعلق بالأهلية لتولي المناصب العامة، إذا اقترنت بوصمة العار الأخلاقي وفق الإجراءات القانونية الإسرائيلية.
وكان نتنياهو قد أنهى الإدلاء بشهادته في يونيو الماضي، بعد مشاركته في 98 جلسة، بينما لا تزال المحكمة تستمع إلى شهود آخرين وتدرس دفوع فريق الدفاع.
وفي تطور قضائي جديد، بحث القضاة في الخامس من نوفمبر إمكانية الاستماع إلى المستشارة القضائية للحكومة بشأن الموافقات والإجراءات التي رافقت التحقيقات، في حين يتمسك الادعاء بسلامة الإجراءات ويرفض اعتراضات الدفاع، بحسب ما أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست».
كما سبق لنتنياهو أن تقدم بطلب للحصول على عفو رئاسي في نوفمبر 2025، في خطوة عكست رغبته في إنهاء القضية دون انتظار صدور حكم نهائي.
لكن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أعلن في أبريل 2026 أنه لن ينظر في طلب العفو قبل استنفاد الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية قانونية بين الأطراف المعنية.
وبذلك تظل المحاكمة مفتوحة على احتمالات متعددة، ولا تعني خسارة نتنياهو رئاسة الحكومة انتهاء الملاحقة القضائية، بل قد تتيح تطورات المرحلة السياسية المقبلة مساحة أكبر لمتابعة القضية حتى صدور قرار نهائي.
الانتخابات المبكرة.. فرصة جديدة أم مغامرة سياسية؟
يبقى الذهاب إلى انتخابات جديدة أحد السيناريوهات المطروحة إذا لم يتمكن آيزنكوت من تشكيل حكومة تحظى بالأغلبية المطلوبة، أو فشلت الأحزاب في الاتفاق على صيغة ائتلافية بديلة.
وفي حال الوصول إلى هذا الخيار، لن يفقد نتنياهو جميع أوراقه السياسية، إذ يمكنه مواصلة قيادة حكومة تصريف الأعمال خلال الفترة الانتقالية، والاحتفاظ بمنصبه داخل الليكود، والاستعداد لخوض انتخابات جديدة.
لكن العودة إلى صناديق الاقتراع لا تعني بالضرورة استعادة الأغلبية، خاصة أن الخلافات التي أدت إلى انهيار المعسكر السابق لا تزال قائمة.
ومن أبرز الملفات التي قد تعقد حسابات نتنياهو مجدداً قضية إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، إلى جانب طبيعة التحالف مع الأحزاب اليمينية المتشددة، وهي قضايا ساهمت في تعميق الانقسامات داخل المعسكر الحاكم.
وتشير تجارب إسرائيلية سابقة إلى أن تعثر تشكيل الحكومات قد يؤدي إلى فترات طويلة من الجمود السياسي، إذ سبق للبلاد أن شهدت أزمات ائتلافية متكررة بعد انتخابات عام 2019، استمر خلالها نتنياهو في إدارة الحكومة رغم عدم استقرار الأغلبية البرلمانية.
نهاية حقبة نتنياهو أم استراحة قبل عودة جديدة؟
تضع التطورات الحالية نتنياهو أمام معادلة سياسية وقضائية معقدة، فخسارة مهمة تشكيل الحكومة تمثل تراجعاً واضحاً في نفوذه، لكنها لا تعني بالضرورة خروجه النهائي من المشهد.
ولا يزال رئيس الوزراء السابق يمتلك أدوات سياسية مهمة، أبرزها قيادة الليكود والقدرة على التأثير في قرارات معسكر اليمين، فضلاً عن إمكانية العودة إلى المنافسة إذا فشلت الحكومة الجديدة أو تقرر إجراء انتخابات مبكرة.
غير أن استمرار المحاكمة وتزايد الخلافات داخل معسكره قد يجعلان استعادة موقعه السابق أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وفي الوقت الذي يحاول فيه آيزنكوت استثمار الفرصة لتشكيل حكومة جديدة، يجد نتنياهو نفسه أمام ثلاثة اختبارات مترابطة: الحفاظ على زعامته داخل الليكود، ومواجهة تداعيات محاكمته، وإعادة بناء تحالف سياسي قادر على المنافسة مجدداً.
لذلك، قد لا تكون خسارة رئاسة الحكومة مجرد انتقال مؤقت إلى صفوف المعارضة، بل بداية مرحلة إعادة تشكيل كاملة للمشهد السياسي الإسرائيلي، وربما لنفوذ نتنياهو الذي استمر لعقود.

