تعثر طرح «فيرموس» يثير الشكوك حول تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي
المؤشر 11-10-2026 تراجع الإقبال على الاكتتاب يسلط الضوء على مخاطر الديون الضخمة وكلفة التوسع في مراكز البيانات
أعاد قرار شركة «فيرموس» الأسترالية، المتخصصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والمدعومة من «إنفيديا»، إلغاء خطتها لطرح أسهم بقيمة 5 مليارات دولار، النقاش بشأن مدى واقعية التقييمات المرتفعة للشركات العاملة في هذا القطاع، في ظل تصاعد الإنفاق على مراكز البيانات وتزايد المخاوف من قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق عوائد مجزية.
وكانت الشركة تعتزم دخول سوق الأسهم الأسترالية، إلا أن ضعف الطلب على الاكتتاب دفعها إلى العدول عن الخطة والتوجه نحو خيارات تمويل بديلة في الأسواق الخاصة، مع إبقاء احتمال الإدراج في بورصة ناسداك الأميركية قائماً في مرحلة لاحقة، بحسب ما أوردته وكالة «رويترز» نقلاً عن مصدر مطلع على الصفقة.
وكان من شأن الطرح أن يشكل واحداً من أكبر الاكتتابات في تاريخ أستراليا، ورابع أكبر طرح عام أولي عالمياً خلال العام الجاري، وفق بيانات «ديلوجيك».
تقييم يقفز إلى ثلاثة أمثال مستواه السابق
كشفت خطط الاكتتاب عن طموحات تقييمية كبيرة لدى «فيرموس»، إذ كانت الشركة تستهدف بيع السهم مقابل 11 دولاراً أسترالياً، بما يرفع القيمة السوقية لحقوق الملكية إلى نحو 30.6 مليار دولار، مقارنة بتقييم بلغ 10.5 مليار دولار في جولة تمويل أُنجزت مطلع أغسطس 2026.
غير أن هذه القفزة واجهت تحفظات من المستثمرين، وسط تساؤلات عن حجم الالتزامات المالية للشركة، وقدرتها على تنفيذ مشروعاتها التوسعية، ومحدودية خبرتها التشغيلية في إنشاء مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي.
وزادت المخاوف بعد تقارير إعلامية تحدثت عن انسحاب شريك رئيسي من مشروع لتطوير مراكز بيانات تبلغ قيمته 73 مليار دولار أسترالي، ما أثار تساؤلات إضافية بشأن فرص تنفيذ خطط الشركة وفق الجدول والتكلفة المتوقعين.
وتشير التقديرات إلى أن ديون «فيرموس» تصل إلى نحو 30 مليار دولار. وكان محللون مشاركون في إدارة الطرح يرون أن القيمة السوقية للشركة قد تصل إلى 60 مليار دولار، وهو مستوى كان سيضعها بين كبرى الشركات الأسترالية من حيث القيمة.
مراكز بيانات طموحة والتزامات مالية مرتفعة
تأسست «فيرموس» عام 2019، وتعمل على تطوير مراكز بيانات معيارية مصممة لتلبية احتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع الاعتماد على تقنيات خاصة بإدارة الطاقة والتبريد، وهما عنصران أساسيان في تشغيل البنية التحتية اللازمة للحوسبة المتقدمة.
وتشغّل الشركة حالياً مركزين مؤجرين في ملبورن وسنغافورة، فيما تخطط لإنشاء خمسة مراكز إضافية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في إطار مساعيها للاستفادة من الطلب المتنامي على القدرة الحاسوبية.
لكن توسيع هذه العمليات يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، ويضع الشركة أمام تحدي تأمين التمويل اللازم بالتوازي مع بناء قاعدة تشغيلية قادرة على توليد إيرادات مستدامة.
ووفقاً لنشرة الطرح الأولية، تستهدف «فيرموس» تحقيق أرباح سنوية تبلغ 5 مليارات دولار خلال خمس سنوات من نشاط مراكز البيانات. غير أن بلوغ هذا المستوى يظل مرتبطاً بقدرتها على إنجاز مشروعاتها، والحصول على التمويل، والمحافظة على نمو الطلب على خدمات الحوسبة.
المستثمرون يطالبون بعوائد أكثر وضوحاً
يعكس تعثر الاكتتاب اتجاهاً متزايداً لدى المستثمرين نحو التدقيق في الأسس المالية لشركات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بالتوقعات المتفائلة بشأن نمو القطاع مستقبلاً.
وفي هذا السياق، رأى جوزيف كو، مدير المحافظ الاستثمارية لدى «بلاك وول إنفستمنت بارتنرز»، أن السعر المستهدف للطرح كان مرتفعاً قياساً إلى الأرباح التي يمكن أن تحققها الشركة مستقبلاً، مشيراً إلى أن التقييم يفترض نجاح خططها بدرجة كبيرة من دون تعثرات جوهرية، وهو ما لم يكن المستثمرون مستعدين للمراهنة عليه.
من جهته، اعتبر جون باي ليو، الشريك المؤسس لشركة «تن كاب»، أن ما حدث يعكس تحولاً في طريقة تقييم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع تزايد التركيز على الجدوى الاقتصادية الفعلية وقدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم على البنية التحتية إلى تدفقات نقدية وعوائد ملموسة.
وأوضح أن تعثر «فيرموس» لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنه يسلط الضوء على المخاطر المرتبطة بالارتفاع السريع في التقييمات، والاحتياجات التمويلية الكبيرة، وصعوبة تنفيذ المشروعات وفق الخطط المعلنة.
هل يتغير مزاج السوق تجاه الذكاء الاصطناعي؟
يأتي ذلك في وقت تتجه فيه شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «إنفيديا» و«سبيس إكس»، إلى أسواق الدين لتوفير تمويلات بمليارات الدولارات، بينما تسعى شركة «أنثروبيك» إلى جمع ما يصل إلى 100 مليار دولار من خلال طرح عام أولي، وفق المعلومات الواردة في التقارير المتعلقة بالقطاع.
وفي تطور آخر، انخفضت أسهم شركات الرقائق الأميركية بنسبة 3.4% يوم الخميس، عقب تقارير أفادت بأن «أوبن إيه آي» أبلغت مستثمريها بأن معدل إيراداتها السنوية المحسوب على أساس أداء سبتمبر بلغ نحو 50 مليار دولار، وهو مستوى أقل من توقعات سابقة أشارت إليها الشركة، بحسب التقارير.
وتشير هذه التطورات إلى أن التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي لا يلغي ضرورة الالتزام بالمعايير المالية التقليدية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشركات تحتاج إلى إنفاق ضخم قبل الوصول إلى مرحلة تحقيق أرباح مستقرة.
فبالنسبة إلى شركات مراكز البيانات، لا يقتصر التحدي على جذب العملاء أو الاستفادة من الطلب المتزايد على الحوسبة، بل يشمل أيضاً السيطرة على تكاليف الإنشاء والتشغيل، وإدارة الديون، وضمان وجود إيرادات كافية لتغطية الالتزامات التمويلية.
وبالتالي، لا يمثل إلغاء طرح «فيرموس» دليلاً حاسماً على وجود فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي، لكنه يكشف أن شهية المستثمرين ليست مفتوحة بلا حدود. فكلما ارتفعت التقييمات وتضخمت احتياجات التمويل، أصبحت قدرة الشركات على إثبات جدوى مشروعاتها وتحقيق عوائد فعلية عاملاً أكثر تأثيراً في قرارات الاستثمار.


