البيتكوين تستعيد الزخم.. قرار الفائدة وتصويت الكونغرس يحددان اتجاه السوق
المؤشر 15-09-2026 استعادت أسواق العملات المشفرة قدرًا من التفاؤل بعد فترة طويلة من الضغوط، مع تحسن أداء البيتكوين وعودة المستثمرين إلى الرهان على إمكانية تسجيل مكاسب جديدة، إلا أن مسار السوق خلال الفترة المقبلة يبقى مرتبطًا بتطورين رئيسيين في الولايات المتحدة: قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة، والتصويت المرتقب في مجلس الشيوخ على تشريع ينظم سوق الأصول الرقمية.
وكانت البيتكوين قد أمضت أشهرًا قرب مستويات منخفضة، قبل أن تستعيد جزءًا من خسائرها وتتجاوز مستوى 70 ألف دولار في أواخر أغسطس، مستفيدة من تراجع مؤقت في عوائد سندات الخزانة وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وجاء هذا التعافي بعدما كانت العملة المشفرة الأكبر عالميًا قد فقدت نحو نصف قيمتها مقارنة بذروتها التي سجلتها في أكتوبر 2025، عندما تجاوز سعرها 126 ألف دولار.
خيارات البيتكوين تميل إلى الصعود
ورغم عدم وجود توقعات واسعة بعودة البيتكوين سريعًا إلى مستوياتها القياسية السابقة، فإن سوق المشتقات بدأت ترسل إشارات أكثر إيجابية.
وأظهرت بيانات منصة Deribit، وفق ما نقلته رويترز، أن سوق خيارات البيتكوين تحولت إلى اتجاه صعودي للمرة الأولى منذ نحو عام، في مؤشر على تزايد الرهانات على ارتفاع السعر خلال الأشهر المقبلة.
ويضع بعض المتداولين رهانات على تجاوز البيتكوين مستوى 80 ألف دولار قبل نهاية العام، بينما تتركز كميات كبيرة من العقود المفتوحة التي تستحق في 25 ديسمبر عند سعري تنفيذ يبلغ كل منهما 80 ألف دولار و100 ألف دولار.
وتبلغ القيمة الاسمية لهذه العقود نحو 710 ملايين دولار و530 مليون دولار على التوالي، بحسب بيانات المنصة.
كما أشار شون دوسون، رئيس الأبحاث في Deribit، إلى أن مؤشر "دلتا 25" الذي يقيس الفارق بين الطلب على خيارات الشراء والبيع دخل المنطقة الإيجابية في 20 أغسطس.
ويعكس ذلك استعداد المتعاملين لدفع علاوة أكبر مقابل خيارات تستفيد من ارتفاع أسعار البيتكوين، في إشارة إلى تحسن التوقعات قصيرة ومتوسطة الأجل.
قرار الفدرالي قد يعيد اختبار صلابة التعافي
لكن الزخم الإيجابي للعملات المشفرة يواجه اختبارًا مهمًا مع اقتراب قرار السياسة النقدية الأميركية.
وتظل الأسواق تحت ضغط مجموعة من العوامل، من بينها استمرار التضخم، وارتفاع عوائد سندات الخزانة، والتوترات الجيوسياسية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر مباشرة في شهية المستثمرين تجاه الأصول الأكثر مخاطرة.
وبحسب استطلاع أجرته رويترز، يتوقع غالبية خبراء الاقتصاد المشاركين، بنسبة 85%، رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال الاجتماع الحالي، وهو ما سيكون أول رفع منذ يوليو 2023 وفق المعطيات الواردة في التقرير.
كما يتوقع أكثر من نصف المشاركين زيادة أخرى في أسعار الفائدة بحلول مارس 2027.
وتزيد عوائد السندات المرتفعة من جاذبية الأصول ذات الدخل الثابت مقارنة بالبيتكوين، التي لا توفر عائدًا دوريًا، وهو ما قد يحد من تدفق السيولة نحو العملات المشفرة.
وقال ماثيو ديب، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة Stack Funds، إن البيتكوين كانت لفترة في حالة تشبع بيعي، لكنه أشار إلى أن المستثمرين قصيري الأجل يراقبون التضخم والفائدة باعتبارهما مصدرين رئيسيين للمخاطر.
بدوره، يرى الباحث المالي المستقل جوزيف إدواردز أن أي تشدد إضافي من جانب الفدرالي قد يحد من قوة موجة الصعود الأخيرة، خصوصًا إذا انعكس القرار في ارتفاع عوائد السندات والدولار.
في المقابل، فإن أي إشارات تميل إلى التيسير النقدي قد تمنح البيتكوين وبقية الأصول المضاربية مساحة أكبر للصعود.
مستويات سعرية تحت المجهر
وتراقب المؤسسات الاستثمارية كذلك المستويات الفنية للبيتكوين، في محاولة لتحديد ما إذا كان الارتفاع الأخير يمثل بداية اتجاه صاعد جديد أم مجرد ارتداد مؤقت.
وترى Wolfe Research أن مستوى 82 ألف دولار يمثل حاجز مقاومة مهمًا، بينما يقع مستوى 76 ألف دولار ضمن أبرز مناطق الدعم التي ينبغي مراقبتها.
وأشارت المؤسسة إلى أن الزخم الصعودي بدأ يفقد بعض قوته بعدما ظل سعر البيتكوين دون 80 ألف دولار لأكثر من أسبوعين، لكنها أبقت على نظرة إيجابية تجاه إمكانية استئناف الصعود بعد انحسار حالة التشبع الشرائي
تدفقات جديدة إلى صناديق البيتكوين
ولم يقتصر تحسن المعنويات على سوق التداول المباشر، إذ ظهرت مؤشرات على عودة الأموال إلى صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة.
وسجلت هذه الصناديق تدفقات صافية تقارب ملياري دولار خلال الأسبوع المنتهي في 17 أغسطس، بعد فترة امتدت لثمانية أسابيع متتالية شهدت خروج الأموال خلال مايو ويونيو.
ويُنظر إلى هذه التدفقات باعتبارها مؤشرًا مهمًا على عودة اهتمام المستثمرين، خصوصًا المؤسسات والأفراد الذين يفضلون التعرض للبيتكوين من خلال أدوات استثمار منظمة.
وقال جيم فيرايولي، رئيس أبحاث العملات المشفرة في Charles Schwab، إن المستثمرين في القطاع بدأوا يتعاملون بصورة مختلفة مع الظروف الحالية، مع تحول جزء من التركيز من المخاطر إلى فرص النمو المحتملة.
ضعف الدولار يعيد طرح "تحوط انخفاض العملة"
ومن العوامل التي دعمت البيتكوين أيضًا ضعف الدولار وبعض التحركات المرتبطة بسوق سندات الخزانة الأمريكية.
وكانت العملة المشفرة قد تجاوزت مستوى 80 ألف دولار في أغسطس، وسط تراجع الدولار وخطط وزارة الخزانة لإعادة شراء سندات طويلة الأجل، الأمر الذي ساعد على تهدئة العوائد طويلة الأجل، لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف بشأن قيمة العملة الأمريكية.
وقال برايان فيتين، كبير المحللين في Siebert Financial، إن الصورة المتعلقة بالطلب الهيكلي على البيتكوين تتحسن، رغم استمرار حساسية السوق تجاه بيانات الاقتصاد الكلي وتقلبات مراكز المتداولين.
ويرتبط ذلك بعودة ما يعرف باستراتيجية التحوط من انخفاض قيمة العملة، حيث يلجأ المستثمرون إلى أصول محدودة المعروض باعتبارها وسيلة محتملة للحفاظ على القيمة في مواجهة تراجع القوة الشرائية للعملات التقليدية.
مع ذلك، تظل زيادة عوائد السندات عاملًا سلبيًا للبيتكوين، لأنها تمنح المستثمرين بدائل ذات دخل ثابت وقد تدفع بعض السيولة بعيدًا عن الأصول غير المدرة للعائد.
تصويت مرتقب على قانون "الوضوح"
وبالتوازي مع السياسة النقدية، يتجه اهتمام سوق العملات المشفرة إلى واشنطن، حيث يستعد مجلس الشيوخ الأميركي للتصويت إجرائيًا على مشروع قانون "الوضوح" (Clarity Act) في 15 سبتمبر.
ويهدف التشريع إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا لسوق الأصول الرقمية، وتحديد الحدود الفاصلة بين الأصول التي تخضع لقوانين الأوراق المالية وتلك التي تدخل ضمن نطاق السلع، إلى جانب توضيح صلاحيات الجهات الرقابية على القطاع.
ويتطلب تجاوز التصويت الإجرائي الحصول على 60 صوتًا، في وقت لا يزال فيه المشروع يواجه اعتراضات من بعض أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
ويمثل التشريع، بالنسبة إلى قطاع العملات المشفرة، محاولة لمعالجة حالة عدم اليقين التنظيمي التي طالما اعتبرتها الشركات والمستثمرون أحد أكبر العوائق أمام نمو السوق الأمريكية.
هل يصبح القانون شرارة موجة صعود جديدة؟
ويعتقد كان-لوكا كويمين، استراتيجي الاستثمار في بنك Sygnum، أن الأسواق ربما بدأت بالفعل في تسعير احتمال تعثر مشروع القانون، في ضوء التأخيرات والخلافات السياسية المحيطة به.
لكن جيم فيرايولي يرى أن إقرار التشريع بصورة مفاجئة قد يشكل محفزًا قويًا للسوق، ويفتح المجال أمام موجة صعود جديدة في العملات المشفرة.
وفي المقابل، لا يستبعد أن يؤدي صدور نتيجة إيجابية إلى موجة من جني الأرباح، خصوصًا إذا اعتبر المستثمرون أن خبر إقرار القانون أصبح محسوبًا مسبقًا في الأسعار.
معركة بين الفائدة والتشريع
وبذلك تقف البيتكوين أمام مجموعة من المؤثرات المتعارضة. فمن جهة، هناك تحسن في تدفقات صناديق الاستثمار وعودة الرهانات الصعودية في سوق الخيارات، إلى جانب احتمال صدور تشريع أكثر وضوحًا للأصول الرقمية.
ومن جهة أخرى، يظل التضخم وعوائد السندات ومسار السياسة النقدية الأميركية عوامل قادرة على تغيير اتجاه السوق بسرعة.
لذلك، فإن الأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان صعود البيتكوين الأخير يمثل بداية دورة ارتفاع جديدة، أم مجرد تعافٍ مؤقت قبل عودة ضغوط الاقتصاد الكلي.
وفي كل الأحوال، سيبقى قرار الفدرالي ونتيجة التصويت على قانون "الوضوح" من أبرز المحطات التي يترقبها المستثمرون لتحديد المسار المقبل لسوق العملات المشفرة.



