بعد 25 عاماً على 11 سبتمبر.. 102 دقيقة أعادت رسم ملامح أميركا والعالم

بعد 25 عاماً على 11 سبتمبر.. 102 دقيقة أعادت رسم ملامح أميركا والعالم

المؤشر 13-09-2026   بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لا تزال آثار ذلك اليوم حاضرة في السياسة والأمن والعلاقات الدولية، بعدما شكلت الهجمات نقطة تحول كبرى في تاريخ الولايات المتحدة والعالم.

فخلال 102 دقيقة فقط، انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة ما بعد الحرب الباردة، التي اتسمت بدرجة عالية من الثقة بالنظام الدولي، إلى عصر جديد أصبحت فيه مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط في صدارة أولويات السياسة الأميركية.

ولم تتوقف تداعيات الهجمات عند الخسائر البشرية والدمار الذي خلفته في نيويورك وواشنطن، بل امتدت إلى إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وتشديد إجراءات السفر والمراقبة، وإطلاق حروب استمرت لعقدين، فضلاً عن تغييرات عميقة في موازين القوى بالشرق الأوسط.

102 دقيقة هزت الولايات المتحدة

بدأت الهجمات صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، عندما استولى 19 من عناصر تنظيم القاعدة على أربع طائرات ركاب أميركية، وحولوها إلى أسلحة لاستهداف مواقع رئيسية في الولايات المتحدة.

وجاء التسلسل الزمني للأحداث على النحو التالي:

08:46 صباحاً: اصطدمت الرحلة 11 التابعة للخطوط الجوية الأميركية بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك.

09:03: ضربت الرحلة 175 التابعة للخطوط الجوية المتحدة البرج الجنوبي للمركز.

09:37: اصطدمت الرحلة 77 التابعة للخطوط الجوية الأميركية بمبنى وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في ولاية فرجينيا.

09:59: انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي.

10:03: تحطمت الرحلة 93 التابعة للخطوط الجوية المتحدة في منطقة شانكسفيل بولاية بنسلفانيا، بعد محاولة ركابها السيطرة على الطائرة.

10:28: انهار البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.

وأودت الهجمات بحياة 2,977 شخصاً، من دون احتساب الخاطفين الـ19، فيما استمرت الخسائر البشرية في السنوات التالية نتيجة أمراض ارتبطت بالتعرض للغبار والمواد السامة في مواقع الهجمات.

القاعدة والتخطيط للهجمات

نُسب التخطيط والتنفيذ إلى تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، الذي نشأ في سياق الحرب السوفيتية في أفغانستان، قبل أن يتحول إلى تنظيم يتبنى عداءً شديداً للولايات المتحدة بسبب سياستها في الشرق الأوسط ووجود قواتها في شبه الجزيرة العربية.

 

وتشير التحقيقات الرسمية إلى أن خالد شيخ محمد كان صاحب الدور الرئيسي في تطوير فكرة الهجمات، قبل أن يعرضها على بن لادن عام 1996.

أما الخاطفون، وعددهم 19، فقد تمكن معظمهم من دخول الولايات المتحدة بصورة قانونية، وتلقى عدد منهم تدريبات على الطيران في مدارس أميركية.

ورغم ضخامة العملية، لم تكن تكلفتها المالية كبيرة مقارنة بحجم تأثيرها؛ إذ قدرت لجنة 11 سبتمبر تكلفة التخطيط والتنفيذ بنحو 500 ألف دولار، بينما تطلب الإعداد للهجمات سنوات من التخطيط والتنسيق السري.

هل كان بالإمكان منع الهجمات؟

أظهرت التحقيقات التي أعقبت الهجمات، وعلى رأسها تقرير لجنة 11 سبتمبر، وجود إخفاقات كبيرة في تبادل المعلومات والتنسيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن الأميركية.

ومن أبرز المؤشرات التي عادت إلى الواجهة مذكرة الإحاطة الرئاسية التي تلقاها الرئيس جورج بوش الابن في 6 أغسطس 2001، والتي حملت عنواناً يحذر من تصميم بن لادن على تنفيذ هجوم داخل الولايات المتحدة.

كما كشفت التحقيقات عن وجود عوائق قانونية وبيروقراطية حالت دون مشاركة بعض المعلومات المهمة بين وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، بما في ذلك معلومات مرتبطة بخالد المحضار ونواف الحازمي.

وخلصت التحقيقات إلى أن السلطات كانت تملك تحذيرات عامة من احتمال وقوع هجوم، لكنها لم تمتلك معلومات محددة تسمح بتحديد موعده أو مكانه أو الطريقة التي سيُنفذ بها.

صدمة داخلية وإغلاق غير مسبوق للمجال الجوي

في الساعات الأولى التي أعقبت الهجمات، دخلت الولايات المتحدة في حالة طوارئ واسعة. وأصدرت سلطات الطيران قراراً بإغلاق المجال الجوي الأميركي، ما أدى إلى تحويل آلاف الرحلات وهبوط أكثر من 4 آلاف طائرة تجارية ومدنية.

وفي الوقت نفسه، جرى نقل الرئيس بوش بين مواقع عسكرية قبل عودته إلى واشنطن، حيث خاطب الأميركيين في خطاب متلفز.

وسادت البلاد في الأيام الأولى حالة من التضامن والوحدة السياسية والاجتماعية، بالتزامن مع موجة خوف واسعة وارتفاع غير مسبوق في مظاهر الوطنية ورفع الأعلام الأميركية.

من 11 سبتمبر إلى «الحرب على الإرهاب»

غيّرت الهجمات توجه السياسة الخارجية الأميركية بصورة جذرية، وأطلقت ما عُرف لاحقاً بـ«الحرب على الإرهاب».

في أكتوبر/تشرين الأول 2001، بدأت الولايات المتحدة عملية عسكرية في أفغانستان بهدف إسقاط نظام طالبان الذي كان يوفر ملاذاً لتنظيم القاعدة. واستمرت الحرب نحو عقدين، إلى أن انسحبت القوات الأميركية عام 2021.

وفي عام 2003، انتقلت إدارة بوش إلى العراق، مستندة إلى اتهامات بامتلاك بغداد أسلحة دمار شامل ووجود صلات بين نظام صدام حسين والقاعدة. لكن هذه الادعاءات لم تثبت صحتها لاحقاً، كما أكدت لجنة 11 سبتمبر عدم وجود دليل يربط الحكومة العراقية بهجمات سبتمبر.

وعلى الصعيد الدولي، فعّل حلف شمال الأطلسي «الناتو» للمرة الأولى في تاريخه المادة الخامسة، التي تنص على اعتبار الهجوم على دولة عضو هجوماً على الحلف بأكمله.

أميركا تعيد بناء منظومتها الأمنية

دفعت الهجمات واشنطن إلى إعادة صياغة بنيتها الأمنية والقانونية.

وأقر الكونغرس «قانون باتريوت» الذي وسع صلاحيات السلطات في مجالات المراقبة والتنصت وجمع المعلومات.

كما أنشئت وزارة الأمن الداخلي، في أكبر عملية لإعادة تنظيم مؤسسات الحكومة الفدرالية منذ الحرب العالمية الثانية، بهدف جمع عدد كبير من الأجهزة والهيئات الأمنية تحت مظلة واحدة.

وفي قطاع الطيران، تأسست إدارة أمن النقل «TSA»، وفرضت إجراءات تفتيش أكثر تشدداً على المسافرين والأمتعة.

لكن هذه التحولات أثارت في المقابل نقاشاً مستمراً حول حدود السلطة الحكومية، خصوصاً بعد الكشف عن برامج للمراقبة الجماعية والتنصت، ومدى توافقها مع حماية الخصوصية والحريات المدنية.

العرب والمسلمون في الولايات المتحدة يدفعون ثمناً اجتماعياً

لم تقتصر تداعيات الهجمات على المؤسسات الحكومية، إذ تعرضت الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة لموجة من التمييز والاعتداءات.

وسجلت السلطات ارتفاعاً كبيراً في جرائم الكراهية ضد المسلمين والأشخاص الذين يُعتقد أنهم من أصول شرق أوسطية، كما طالت بعض الاعتداءات أفراداً من طوائف أخرى، بينها السيخ.

وتوسعت عمليات المراقبة والتنميط في المطارات والأماكن العامة، بينما خضعت بعض الجاليات لبرامج أمنية خاصة، من بينها نظام تسجيل الدخول والخروج المعروف باسم NSEERS.

وفي المقابل، ساهمت هذه المرحلة في دفع قطاعات واسعة من العرب والمسلمين الأميركيين إلى زيادة مشاركتهم السياسية والمدنية والدفاع بصورة أكبر عن حقوقهم، وصولاً إلى ارتفاع تمثيلهم السياسي في السنوات اللاحقة.

الضحايا الذين استمرت معاناتهم بعد الهجمات

لم تنتهِ الآثار الصحية في 11 سبتمبر نفسه. فقد تعرض رجال الإطفاء وعمال الإنقاذ والإغاثة وسكان مناطق في مانهاتن السفلى لكميات هائلة من الغبار والمواد الكيميائية التي انتشرت عقب انهيار الأبراج.

واحتوى الغبار على مواد ضارة، بينها الأسبستوس والرصاص ومركبات أخرى ارتبطت بأمراض مزمنة، بينها السرطان وأمراض الجهاز التنفسي.

ومع مرور السنوات، ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بهذه الأمراض، حتى أصبح عدد ضحايا التداعيات الصحية بعد الهجمات يفوق عدد من قتلوا في يومها.

كما أنشأت الحكومة الأميركية صندوقاً لتعويض ضحايا 11 سبتمبر، قبل أن يجري تمديد تمويله بعد حملات طويلة قادتها عائلات الضحايا والمستجيبون الأوائل، لضمان استمرار الرعاية والتعويضات على المدى الطويل.

فاتورة اقتصادية هائلة

أصابت الهجمات الاقتصاد الأميركي بصدمة مباشرة، حيث توقفت الأسواق المالية لعدة أيام وتعرض قطاعا الطيران والتأمين لخسائر ضخمة، فيما احتاجت قطاعات عدة إلى مساعدات ودعم حكومي.

وفي نيويورك وحدها، بلغت أضرار المباني والبنية التحتية عشرات المليارات من الدولارات.

لكن التكلفة الأكبر ظهرت في السنوات التالية، مع الحروب والعمليات العسكرية والأمنية التي ارتبطت بمسار ما بعد 11 سبتمبر.

وتشير تقديرات مشروع «تكلفة الحرب» التابع لجامعة براون إلى أن النفقات المرتبطة بالحروب والعمليات الأمنية الأميركية منذ 11 سبتمبر وصلت إلى نحو 8 تريليونات دولار.

الرحلة 93.. لحظة مقاومة في الجو

أصبحت الرحلة 93 واحدة من أبرز قصص ذلك اليوم، بعدما أدرك ركابها، عبر اتصالات هاتفية مع أقاربهم، ما حدث للطائرات الأخرى.

وعلى إثر ذلك، قرر عدد منهم محاولة اقتحام قمرة القيادة والسيطرة على الطائرة، ما أدى في النهاية إلى تحطمها في حقل بولاية بنسلفانيا قبل وصولها إلى هدفها.

ويُعتقد أن الخاطفين كانوا يستهدفون أحد المواقع الحكومية الرئيسية في واشنطن، وربما البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

وأقيم لاحقاً النصب التذكاري الوطني للرحلة 93 في موقع تحطم الطائرة تخليداً لذكرى الركاب وأفراد الطاقم.

غوانتانامو.. ملف قانوني لم يُغلق

أفرزت الحرب على الإرهاب ملفات قانونية ظلت مفتوحة لسنوات، من بينها معتقل غوانتانامو والمحاكمات العسكرية للمتهمين بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر.

وبعد ربع قرن، لا تزال قضية خالد شيخ محمد وعدد من المتهمين الآخرين عالقة في إجراءات قضائية معقدة وبطيئة، وسط خلافات حول صفقات الإقرار بالذنب والإجراءات العسكرية والقضائية.

وفي المقابل، أصبح تقرير لجنة 11 سبتمبر، الذي صدر عام 2004، أحد أهم الوثائق التي تناولت التسلسل الذي قاد إلى الهجمات وأوجه القصور التي سبقتها.

كيف تبدلت أميركا خلال 25 عاماً؟

بين عامي 2001 و2026، تغيرت طبيعة المخاطر التي تضعها الولايات المتحدة في مقدمة حساباتها الأمنية.

فبعد أن كان الإرهاب الدولي في قلب الاستراتيجية الأميركية، توسع التركيز ليشمل الهجمات الإلكترونية، والتطرف العنيف داخل البلاد، والتهديدات العابرة للحدود.

كما تراجعت تدريجياً الرغبة في خوض حروب طويلة وبناء دول في الخارج، خصوصاً بعد تجربة أفغانستان، بالتزامن مع انتقال جزء كبير من الاهتمام الاستراتيجي الأميركي إلى المنافسة مع الصين وروسيا.

أما حالة الوحدة السياسية التي أعقبت الهجمات، فقد تراجعت مع مرور الوقت، وحل محلها استقطاب حزبي وسياسي أكثر حدة.

إرث تجاوز حدود الولايات المتحدة

لم تكن آثار 11 سبتمبر أميركية فقط. فقد أدت الحرب على الإرهاب إلى توسيع التعاون الاستخباراتي الدولي، وتشديد إجراءات أمن الحدود والهجرة، وتطوير أنظمة مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال.

وفي الشرق الأوسط، ساهمت التدخلات العسكرية الأميركية في إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، وارتبطت تداعياتها لاحقاً بظهور جماعات متطرفة جديدة، بينها تنظيم «الدولة الإسلامية» المعروف بـ«داعش»، إضافة إلى تفاقم صراعات إقليمية وأهلية.

كما أصبحت الطائرات المسيّرة جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية لملاحقة الجماعات المسلحة، ما ساهم في تغيير طبيعة العمليات العسكرية الحديثة والانتقال في بعض الحالات من الانتشار البري إلى الضربات الجوية والاغتيالات الموجهة.

25 عاماً.. والذكرى لا تزال حاضرة

في الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات عام 2026، تعود الولايات المتحدة إلى مواقع الهجمات الثلاثة لإحياء ذكرى الضحايا.

وتشهد نيويورك مراسم في موقع مركز التجارة العالمي السابق، تتضمن تلاوة أسماء الضحايا والوقوف دقيقة صمت في أوقات مرتبطة بالتسلسل الزمني للهجمات.

كما تقام مراسم في البنتاغون وفي موقع تحطم الرحلة 93 في بنسلفانيا، بمشاركة مسؤولين وعائلات الضحايا وأفراد من القوات المسلحة وأجهزة الإنقاذ.

وتحظى هذه الذكرى باهتمام خاص بسبب استمرار وفاة المستجيبين الأوائل والناجين نتيجة الأمراض المرتبطة بالتعرض لمواد موقع الهجمات.

يوم واحد غيّر مسار التاريخ

بعد 25 عاماً، لا يزال 11 سبتمبر يمثل أحد أهم المفاصل في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. فقد أدى إلى تغيير قواعد الأمن الداخلي، وإعادة تعريف السياسة الخارجية الأميركية، وإطلاق حروب امتدت لسنوات، وترك آثاراً قانونية وصحية واقتصادية ما زالت مستمرة.

وبينما أعيد بناء المواقع التي دمرتها الهجمات، فإن آثار ذلك اليوم لم تختفِ. فما بدأ خلال 102 دقيقة في صباح 11 سبتمبر 2001 تحول إلى مسار سياسي وأمني طويل ما زالت الولايات المتحدة والعالم يعيشان تبعاته حتى اليوم.