بتسيلم: سياسات إسرائيلية متصاعدة تستهدف تفكيك الوجود الفلسطيني في الضفة

بتسيلم: سياسات إسرائيلية متصاعدة تستهدف تفكيك الوجود الفلسطيني في الضفة

المؤشر 14-09-2026   قالت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن إسرائيل تنفذ في الضفة الغربية ما وصفته بـ"مشروع محو" متكامل، يقوم على مجموعة من السياسات والإجراءات المتزامنة التي تهدف، بحسب المنظمة، إلى تفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية وإعادة تشكيل المنطقة بما يعزز الوجود والسيطرة الإسرائيليين.

جاء ذلك في تقرير جديد أصدرته المنظمة، ويُعد من أكثر تقاريرها شمولاً بشأن السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، إذ يتجاوز 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو ألفي إفادة لفلسطينيين، إلى جانب تحقيقات ميدانية وتوثيق امتد لسنوات طويلة.

وترى "بتسيلم" أن مرحلة جديدة من التصعيد بدأت منذ نهاية عام 2022، وازدادت حدتها بصورة كبيرة عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع انتقال سياسات السيطرة على الأراضي والعنف والقيود المفروضة على الفلسطينيين إلى مستوى أكثر وضوحاً واتساعاً، وباتت تُدمج بصورة أكبر ضمن سياسات الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، يولي نوفاك، إن ما يواجهه الفلسطينيون في الضفة لا يمكن فهمه باعتباره مجموعة من الوقائع المنفصلة، وإنما يمثل، وفق وصفها، "مشروعاً سياسياً واحداً" يؤثر في مختلف جوانب الحياة الفلسطينية.

وأضافت أن عمليات التهجير والضغط الاقتصادي والخوف من عنف الجيش والمستوطنين تعمل بصورة متزامنة على تفكيك المجتمع الفلسطيني، في حين يجري ترسيخ نظام من السيطرة والامتيازات لليهود الإسرائيليين في أنحاء الضفة الغربية.

خمس أدوات لإعادة تشكيل الضفة

بحسب التقرير، تعتمد السياسة الإسرائيلية، وفق "بتسيلم"، على خمس آليات رئيسية مترابطة، تتكامل فيما بينها لتحقيق أهدافها.

العنف والترهيب

تضع المنظمة العنف في مقدمة هذه الآليات، مشيرة إلى استخدام الجيش الإسرائيلي ومستوطنين مسلحين للضغط على الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم.

ووفق بيانات التقرير، قُتل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 31 أغسطس/آب 2026، بينهم 245 طفلاً.

التهجير والسيطرة على الأراضي

وتقول "بتسيلم" إن العمليات العسكرية وهدم المنازل والتوسع في البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة تُستخدم، بحسب تقديرها، للسيطرة على مساحات جديدة من الأراضي ودفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل.

وتشير المنظمة إلى تهجير 75 تجمعاً فلسطينياً حتى الآن، فيما استولت البؤر والمزارع الاستيطانية، بحسب التقرير، على نحو 1.07 مليون دونم، أي قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية.

كما يذكر التقرير أن نحو 33 ألف فلسطيني أُجبروا على مغادرة مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.

القيود على الحركة

وتشير الآلية الثالثة إلى نظام واسع من الحواجز والبوابات والسواتر وإغلاق الطرق، الذي تقول المنظمة إنه أدى إلى تقسيم المناطق الفلسطينية والحد من قدرة السكان على التنقل.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بلغ عدد العوائق أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية نحو 925 عائقاً حتى نهاية عام 2025.

الضغط الاقتصادي

وتتهم "بتسيلم" إسرائيل باستخدام سيطرتها على العمالة الفلسطينية والإيرادات الضريبية والنظام المالي والبنية التحتية كأدوات تزيد من اعتماد الاقتصاد الفلسطيني عليها.

ويشير التقرير إلى ارتفاع معدل البطالة من 13.1% عام 2022 إلى أكثر من 31% في عام 2024، بالتزامن مع إلغاء أعداد كبيرة من تصاريح العمل داخل إسرائيل واحتجاز مبالغ من أموال الضرائب العائدة للسلطة الفلسطينية.

التضييق على المجتمع المدني والحياة السياسية

أما الآلية الخامسة فتتمثل، وفق التقرير، في استهداف النشاط السياسي والمجتمع المدني، من خلال اعتقال ناشطين وطلاب وصحفيين، وفرض قيود على منظمات مدنية، إضافة إلى تفريق الاحتجاجات واقتحام مقار مؤسسات.

وتقول المنظمة إن ما لا يقل عن 60 صحفياً فلسطينياً من الضفة الغربية اعتُقلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

"خطة الحسم" في قلب التصعيد

ويربط التقرير بين التطورات الحالية وما يُعرف بـ"خطة الحسم" التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017.

وبحسب "بتسيلم"، تقوم الخطة على تعزيز الاستيطان وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض، مع الدفع نحو واقع يجعل السيادة الإسرائيلية على الضفة أمراً دائماً وغير قابل للتراجع.

وترى المنظمة أن الخطة تضع الفلسطينيين أمام ثلاثة مسارات أساسية، هي قبول الهيمنة الإسرائيلية، أو مغادرة المنطقة، أو مواجهة القمع العسكري.

ورغم أن الخطة لم تعتمد رسمياً باعتبارها سياسة حكومية، تقول "بتسيلم" إن سموتريتش بات يتمتع بصلاحيات واسعة تتعلق بالتخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وإن عدداً من الأفكار التي تتضمنها الخطة بات ينعكس، بحسب المنظمة، في الإجراءات الحكومية على الأرض.

سياسة تقول المنظمة إنها أقدم من الحكومة الحالية

وتؤكد "بتسيلم" أن ما يجري في الضفة الغربية لا بدأ مع خطة سموتريتش ولا مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، بل يمثل امتداداً لسياسات إسرائيلية استمرت لعقود.

وتصف المنظمة هذه السياسات بأنها جزء من مشروع استيطاني استعماري طويل الأمد، وتربط بينها وبين ما تصفه بنظام "أبارتهايد" إسرائيلي.

وبحسب المنظمة، وصلت هذه السياسات إلى مستويات أكثر حدة في قطاع غزة، بينما شهدت الضفة الغربية تسارعاً في وتيرتها خلال السنوات الأخيرة.

دعوة إلى تحرك دولي

ودعت "بتسيلم" الحكومات والمؤسسات الدولية إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع ما يحدث في الضفة الغربية، وعدم التعامل مع الانتهاكات باعتبارها حوادث منفردة.

وطالبت المنظمة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات، وفق ما تسمح به قواعد القانون الدولي، للضغط على إسرائيل ووقف الانتهاكات التي تقول إنها تستهدف الفلسطينيين، والعمل على إنهاء نظام الحكم العسكري الإسرائيلي.

كما دعت إلى إقامة نظام سياسي يضمن، بحسب رؤيتها، الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية لجميع السكان في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية والمشاركة السياسية المتساوية.

وقالت نوفاك إن استمرار العنف والتهجير بالتزامن مع الإجراءات الإسرائيلية في الضفة يستدعي، من وجهة نظر المنظمة، تحركاً دولياً يتجاوز الإدانات السياسية، مطالبة الدول والمؤسسات الدولية باستخدام الأدوات المتاحة لها بموجب القانون الدولي للحد من هذه السياسات.