حين يصبح اسم فلسطين سؤالاً وجودياً

حين يصبح اسم فلسطين سؤالاً وجودياً

المؤشر 07-09-2026   

الكاتب: ثروت زيد الكيلاني

يفتح الجدل المتداول حول المناهج الفلسطينية سؤالاً يتجاوز الكتاب المدرسي وحدود الصياغة التعليمية، بعدما نُسب إلى الدبلوماسي البريطاني السابق جيريمي غرينستوك قوله إن توني بلير طُلب منه التوجه إلى رام الله والضغط من أجل حذف اسم فلسطين من المناهج الفلسطينية واستبداله بـالسامرة. وقد نفى معهد توني بلير هذه الرواية نفياً قاطعاً ووصفها بأنها مختلقة، لتبقى الواقعة نفسها بحاجة إلى التحقق، من دون أن ينتهي بذلك السؤال الذي أثارته حول حدود التدخل السياسي في تشكيل المعرفة التي يتلقاها الطلبة والشروط التي ينبغي أن تحكم مراجعة المناهج وتطويرها.

غير أن السؤال الأعمق يتجاوز ثبوت الواقعة أو نفيها: ماذا يعني أن تصبح تسمية المكان موضوعاً للضغط أو التفاوض السياسي؟ فالاسم ليس مجرد علامة جغرافية محايدة؛ إنه يختصر علاقة بالأرض والتاريخ والشعب والذاكرة والحقوق، ويضع إطاراً لغوياً ومعرفياً يُفهم المكان من خلاله. ومن يملك سلطة التسمية يشارك، بدرجة ما، في تحديد الكيفية التي يُرى بها المكان ويُفسَّر تاريخه ويُقدَّم للأجيال؛ فالتغيير في الاسم قد يبدو لغوياً في ظاهره، لكنه يكتسب أثراً سياسياً حين يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين الذاكرة والمعنى، وبين الواقع كما يُعاش والواقع كما يُقدَّم، ومن هنا تتجاوز المسألة حدود مصطلح في كتاب مدرسي إلى سؤال أوسع: من يملك حق تعريف المكان، ومن يملك سلطة إنتاج المعنى الذي يستقر في وعي الأجيال؟

أولاً: من إعادة تشكيل الأرض إلى إعادة تعريف المكان

تكتسب هذه المسألة معناها الأوسع حين تُقرأ في سياق التحولات المادية التي تُفرض على الجغرافيا الفلسطينية. فقد وثقت منظمة العفو الدولية خلال عام 2026 تصاعد إجراءات مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وشق الطرق والبنى التحتية المرتبطة بها، بما يعيد تشكيل المجال المكاني الذي يعيش فيه الفلسطينيون ويؤثر في اتصال تجمعاتهم بالأرض.

وهنا تتقاطع الجغرافيا مع المعرفة. فإعادة تشكيل الأرض مادياً تغيّر طرق الوصول إليها والحركة فيها وحدود المجال الذي يعيشه الناس، بينما يمكن لإعادة تشكيل اللغة التي نصف بها المكان أن تغيّر صورته في الوعي. ومن ثم فإن المعركة على المكان تجري في مستويين متداخلين: مستوى السيطرة على الأرض، ومستوى السيطرة على المعنى الذي تُفهم من خلاله الأرض.

ولا يعني استدعاء التاريخ هنا إقامة مساواة بين سياقات تاريخية مختلفة؛ فذلك سيكون اختزالاً مضلاً. لكن تجربة وعد بلفور تظل كاشفة عن منطق سياسي أوسع: قوة خارجية تتدخل في تقرير مستقبل مكان وشعب، ثم تُنتج لغة تمنح هذا التدخل إطاراً من المشروعية. واليوم، حين تُعاد صياغة الجغرافيا بالاستيطان والطرق ومصادرة الأرض، تصبح الأسماء والروايات والخرائط جزءاً من الصراع على المكان ومعناه.

ثانياً: المنهاج بوصفه مجالاً للسيادة المعرفية

 

في هذا السياق، يصبح المنهاج أكثر من مجموعة كتب ومقررات؛ إنه أحد المجالات التي يتشكل فيها وعي المتعلم بالمكان والتاريخ والمجتمع وعلاقته بالعالم. والدفاع عن المنهاج الوطني لا يعني تحصينه ضد النقد أو تحويله إلى نص مغلق، بل حماية حق المجتمع في مراجعته وتطويره وفق معاييره العلمية والتربوية وأهدافه الوطنية.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين مراجعة وطنية مستقلة تستند إلى البحث العلمي والنقد التربوي، وبين إملاء سياسي خارجي يفرض ما ينبغي أن يُقال أو يُحذف أو يُسمّى. الأولى تعزز استقلال المعرفة، أما الثانية فتجعل التعليم امتداداً لعلاقات القوة القائمة خارج المدرسة.

والمنهاج الوطني الرصين لا يجعل الهوية حقيقة مغلقة، بل يفتحها على المعرفة والحجة والنقد؛ فالوطنية فيه مصدر للانتماء وموضوع للفهم، وليست بديلاً عن الدليل أو حصانةً ضد المراجعة. فالخريطة وثيقة تحتاج إلى قراءة، والتاريخ سياق يحتاج إلى دليل، والرواية موقف يحتاج إلى تمحيص، واللغة أداة قادرة على الكشف عن الواقع أو إعادة تشكيل صورته. ومن هنا فإن السيادة المعرفية لا تعني امتلاك الكتب أو المنصات أو الأرشيفات فحسب، بل امتلاك القدرة على تحديد شروط إنتاج المعرفة ومعايير التحقق منها، وإنتاجها وتوثيقها ومراجعتها وإتاحتها للأجيال.

وهذا هو التحول الأعمق الذي ينبغي أن يستهدفه التعليم الفلسطيني: أن ينتقل المتعلم من كونه موضوعاً لمعرفة ينتجها الآخرون عنه إلى فاعل قادر على إنتاج المعرفة عن ذاته ومكانه وتاريخه، وعلى مساءلة الروايات المختلفة بأدوات العقل والدليل. فحين يفقد المجتمع قدرته على تسمية مكانه ورواية تاريخه وإنتاج المعرفة عنه، يصبح فقدان المعنى مقدمة لفقدان القدرة على حماية الوجود نفسه.

ثالثاً: حين يصبح السلام اختباراً للمعنى

السلام الحقيقي لا يُقاس بمدى نجاح التعليم في إبعاد الصراع عن وعي الأجيال، بل بقدرته على تمكينهم من فهم أسبابه وآثاره، وتفكيك الروايات التي تحيط به، والتمييز بين الحقيقة والتأويل، والاعتراف بإنسانية الآخر دون محو الذات أو التنازل عن الحقوق

فإذا طُلب من التعليم أن يتكيف مع واقع فرضته القوة، يصبح السلام قابلاً للتحول من مشروع للعدالة إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع في الوعي. أما تعليم السلام بالمعنى الإنساني والتربوي العميق، فيفترض إتاحة المجال أمام المتعلم لفهم تعدد الروايات، وفحص مصادرها، واكتشاف ما تخفيه اللغة كما تكشفه، وبناء موقف أخلاقي يقوم على الحرية والكرامة والعدالة.

والأخطر أن التحول قد لا يأتي دائماً في صورة حذف مباشر أو قرار معلن؛ فقد يحدث تدريجياً عبر تغيير الأسماء والمصطلحات والخرائط والسياقات، بحيث تتغير الصورة التي يرى بها المتعلم المكان والتاريخ دون أن يشعر بأن شيئاً جوهرياً قد تغير. لذلك فإن استقلال المنهاج لا يتعلق بحماية كلمات بعينها، بل بحماية حق المجتمع في أن يقرر، عبر المعرفة والنقد والمراجعة، كيف يعلّم أبناءه تاريخهم ومكانهم وعلاقتهم بالآخر.

وأمام هذا كله، يصبح معيار التعليم من أجل السلام هو قدرته على توسيع مجال الحقيقة، لا تضييقه؛ وعلى تعليم المتعلم كيف يفهم اختلاف الروايات دون أن يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة وتأويلها، وبين المصالحة وإعادة كتابة الذاكرة. فالسلام الذي يطلب من المعرفة أن تصمت، أو من الذاكرة أن تتنازل عن أسئلتها، يؤجل الصراع في الوعي بدلاً من أن يعالج جذوره.

وختاماً، تتصل القضية بحق الإنسان في أن يعرف المكان الذي ينتمي إليه، وأن يفهم تاريخه بأدوات العقل والدليل، وأن يشارك في صياغة معناه. ومن هنا تكون قوة المنهاج في استقلال مرجعيته، وعمق معرفته، وقدرته على النقد والمراجعة؛ إذ إن السلام الأكثر رسوخاً هو الذي يُبنى على معرفة الحقيقة والاعتراف بالحقوق، لا على هندسة الذاكرة بما يلائم ميزان القوة.