«بوليتيكو»: هل تتحول تجربة فنزويلا إلى نموذج أمريكي في التعامل مع إيران؟

«بوليتيكو»: هل تتحول تجربة فنزويلا إلى نموذج أمريكي في التعامل مع إيران؟

المؤشر 07-09-2026   طرح الكاتب شربل أنطون، في تحليل نشرته صحيفة «بوليتيكو»، تساؤلًا بشأن ما إذا كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تستفيد من تجربتها الأخيرة في فنزويلا عند تحديد شروط أي تسوية مستقبلية مع إيران.

ويرى أن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن في كاراكاس لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستسعى إلى تكرار السيناريو ذاته في طهران، لكنه قدم للإدارة الأمريكية تجربة عملية جديدة في كيفية تحويل النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي إلى مكاسب طويلة الأمد في قطاع الطاقة.

وبحسب التقرير، فإن الإعلان الأمريكي الأخير بشأن مشروع جديد في قطاع النفط الفنزويلي قد يبدو للوهلة الأولى قضية مرتبطة بأمريكا اللاتينية فقط، إلا أن أهميته تتجاوز ذلك. فالصفقة، التي تتضمن حصة أمريكية تبلغ 55% من مشروع مرتبط باحتياطيات ضخمة من الخام الفنزويلي، إلى جانب امتيازات طويلة الأمد، يمكن أن تكشف عن الكيفية التي تنظر بها إدارة ترامب إلى مفهوم «الانتصار» في مواجهة الدول النفطية الخصمة.

ويشير أنطون إلى أن واشنطن تتعامل حاليًا مع فنزويلا وإيران عبر مسارين مختلفين، لكنهما يلتقيان في بعض الأهداف. ففي الحالة الفنزويلية، استخدمت الولايات المتحدة القوة بصورة مباشرة، وانتهى الأمر باحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو وتشكيل ترتيبات سياسية جديدة فتحت الباب أمام تنازلات واسعة في قطاع الطاقة.

أما إيران، فلم تحقق الضغوط العسكرية النتيجة نفسها، وفق الكاتب. وبعد أشهر من المواجهة، لم يؤد الضغط إلى انهيار النظام الإيراني، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى التركيز بصورة أكبر على العقوبات والضغط الاقتصادي باعتبارهما وسيلة لإضعاف قدرة طهران على تمويل اقتصادها.

وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى حملة الضغط الاقتصادي التي يقودها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، والتي تستهدف مصادر الدخل الإيرانية وتضع مشتري النفط الإيراني، وعلى رأسهم الصين، في دائرة الضغط الأمريكي.

ويعتبر أنطون أن استهداف الصين يشكل نقطة التقاء مهمة بين السياسة الأمريكية تجاه إيران وفنزويلا. فواشنطن تسعى، بحسب تحليله، إلى تقليص قدرة بكين على الاستفادة من النفط منخفض السعر المرتبط بالدول الخاضعة للعقوبات، سواء في فنزويلا أو إيران.

ومن هنا يطرح الكاتب سؤالًا أكثر أهمية: إذا عادت إيران إلى المفاوضات في ظل ضغوط اقتصادية كبيرة، فما نوع الاتفاق الذي ستسعى واشنطن إلى الحصول عليه؟

ويرى أن الإجابة قد لا تكون العودة ببساطة إلى النموذج الذي قامت عليه الاتفاقية النووية الموقعة عام 2015، والقائم على تخفيف العقوبات مقابل قيود ورقابة على البرنامج النووي الإيراني. فالتجربة الفنزويلية، بحسب التقرير، قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير في ترتيبات تمنح الشركات ورأس المال الأمريكيين حضورًا مباشرًا في قطاع الطاقة الإيراني، باعتبار ذلك جزءًا من إعادة الإعمار والاستثمار بعد النزاع.

مع ذلك، يشدد أنطون على أن المقارنة بين البلدين لها حدود واضحة. فإيران ليست فنزويلا، ولا توجد في طهران حاليًا ظروف سياسية مماثلة لتلك التي سمحت لواشنطن بفرض ترتيبات واسعة في كاراكاس. كما لا توجد حكومة انتقالية مستعدة، بحسب الكاتب، لتقديم تنازلات طويلة الأمد في قطاع الطاقة.

ويضيف أن تجربة الدول التي تعرضت لعقوبات وضغوط اقتصادية كبيرة لا تقدم دليلًا واضحًا على أن هذه الضغوط تؤدي تلقائيًا إلى التخلي عن الأصول الاستراتيجية. ويستشهد في هذا السياق بإيران والعراق وروسيا، التي تعرضت لسنوات من الضغوط الاقتصادية دون أن يعني ذلك انتقال ملكية مواردها الأساسية إلى القوى التي فرضت العقوبات.

كما يرى التقرير أن وضع قطاع النفط الإيراني يختلف بصورة جوهرية عن القطاع الفنزويلي. فقد تمكنت طهران، على مدى سنوات طويلة، من تطوير قنوات وبدائل تساعدها على التعامل مع العقوبات وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.

وتبرز، في هذا الإطار، عقبة سياسية وتاريخية أخرى تتمثل في حساسية مسألة السيطرة الأجنبية على النفط داخل إيران. ويربط الكاتب ذلك بتجربة تأميم صناعة النفط في عهد رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدق عام 1951، والتي تركت أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الإيراني وجعلت قضية السيادة على الموارد الطبيعية مسألة شديدة الحساسية لدى مختلف التيارات السياسية.

ولا يستبعد أنطون أيضًا أن تواجه الترتيبات التي أبرمتها واشنطن في فنزويلا نفسها تحديات مستقبلية، خصوصًا إذا تغيرت الظروف السياسية في كاراكاس. ويشير إلى أن الاتفاقات طويلة الأجل التي تبرمها حكومات انتقالية أو غير منتخبة قد تصبح موضع مراجعة من قبل حكومات منتخبة لاحقًا.

وبناءً على ذلك، لا يتوقع الكاتب أن تشهد إيران في المستقبل القريب اتفاقًا مطابقًا لما حدث في فنزويلا. لكنه يرى أن أهمية التجربة تكمن في كونها قدمت لإدارة ترامب سابقة يمكن الرجوع إليها عندما تتوافر الظروف السياسية المناسبة لتحويل الضغوط إلى نفوذ اقتصادي مباشر.

ويخلص التقرير إلى أن المؤشر الأهم في أي مفاوضات أمريكية إيرانية مقبلة لن يكون بالضرورة حجم التنازلات التي تقدمها طهران، بل طبيعة اللغة التي ستستخدمها واشنطن لوصف التسوية. فإذا ظهرت مفاهيم مثل «استثمارات إعادة الإعمار» أو «الشراكة مقابل تخفيف العقوبات» في أي اتفاق مستقبلي، فقد يكون ذلك مؤشرًا على انتقال التجربة الفنزويلية من كونها حالة استثنائية إلى نموذج تسترشد به واشنطن في التعامل مع الدول النفطية الخاضعة للضغط.