هل يغيّر الذكاء الاصطناعي شكل الإنترنت؟ مؤشرات تكشف المحتوى المولّد آلياً
المؤشر 06-09-2026 لم يعد الجدل حول تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصراً على قدرته على إنتاج النصوص والصور، بل امتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى انتشاره داخل المحتوى الذي يقرأه المستخدمون يومياً على الإنترنت.
ومع الانتشار الواسع لأدوات مثل «تشات جي بي تي»، بدأت بعض السمات الأسلوبية واللغوية تظهر بوتيرة أكبر في المحتوى الرقمي، ما دفع باحثين إلى اعتبارها مؤشرات محتملة على أن النص كُتب أو خضع للتعديل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
ومن بين أبرز هذه السمات استخدام الشرطة الطويلة (em dash)، وفاصلة أكسفورد، إلى جانب مجموعة من المفردات والتراكيب التي باتت ترتبط بصورة متزايدة بالكتابة التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي.
الشرطة الطويلة ليست دليلاً قاطعاً
أصبحت الشرطة الطويلة تُعامل أحياناً باعتبارها علامة مميزة للنصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، حتى إن البعض أطلق عليها بصورة غير رسمية اسم «شرطة تشات جي بي تي».
لكن وجود هذه العلامة وحده لا يعني بالضرورة أن النص مولد آلياً، فهي مستخدمة في الكتابة البشرية منذ عقود، ولا تزال شائعة لدى كثير من الكتاب والصحفيين.
وتزداد قوة المؤشر عندما تظهر الشرطة الطويلة إلى جانب مجموعة من الخصائص الأخرى التي ترتبط باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد عليها منفردة للحكم على مصدر النص.
ماذا تكشف الكلمات والأساليب؟
هناك عدد من الكلمات والتراكيب التي تظهر في النصوص التي تنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي بمعدلات أعلى مقارنة بالكتابات البشرية، إضافة إلى أنماط معينة في بناء الجمل وعلامات الترقيم.
ومن الأمثلة على ذلك مفردات إنكليزية مثل «pivotal» و«underscore» و«vibrant»، إلى جانب أسلوب بلاغي يعرف باسم التوازي السلبي، والذي يظهر في تراكيب تقوم على صيغة «ليس فقط... بل أيضاً».
ولا يمكن لأي مؤشر منفرد أن يحسم بشكل نهائي ما إذا كان النص قد كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، كما أن أدوات الكشف عن المحتوى المولد آلياً قد تنتج نتائج خاطئة. لكن ظهور مجموعة من المؤشرات في عينة واسعة يمكن أن يعطي الباحثين دلالة أقوى على حجم استخدام الذكاء الاصطناعي.
لماذا تتكرر هذه الأنماط في كتابة الذكاء الاصطناعي؟
يرتبط الأمر، بدرجة كبيرة، بالبيانات التي تُدرّب عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.
فهذه النماذج تتعلم من كميات هائلة من النصوص التي كتبها البشر، وتشكل المواد الصحفية والأكاديمية وغيرها من النصوص المتاحة على الإنترنت جزءاً مهماً من هذه البيانات.
وبالتالي، يمكن لبعض المفردات والتراكيب والأساليب الموجودة بكثرة في تلك المصادر أن تنتقل إلى النصوص التي تنتجها النماذج، ثم تنتشر لاحقاً عبر المستخدمين الذين يعتمدون عليها في الكتابة أو التحرير.
نحو نصف مليون صفحة تحت المجهر
اعتمد تحليل أجرته مؤسسة «بيو» للأبحاث على نحو 490 ألف نص منشور عبر الإنترنت، بهدف دراسة التغيرات التي طرأت على أساليب الكتابة منذ ظهور «تشات جي بي تي» في أواخر عام 2022.
وأظهرت النتائج ارتفاعاً كبيراً في استخدام عدد من السمات التي ترتبط بالكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
فقد تضاعف تقريباً استخدام الشرطة الطويلة خلال السنوات الثلاث الماضية في النصوص المنشورة بعد إطلاق «تشات جي بي تي»، بينما ارتفع استخدام فاصلة أكسفورد بنسبة 63%.
كما زاد استخدام عدد من الكلمات المرتبطة بشكل متكرر بالنصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بأكثر من الضعف، في حين ارتفع استخدام أسلوب التوازي السلبي إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه في أوائل عام 2023.
كم تبلغ حصة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي؟
لم تكتف مؤسسة «بيو» بتحليل الأسلوب، بل درست أيضاً حجم المحتوى الذي يُرجح أن يكون قد أُنشئ أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وشمل البحث قرابة نصف مليون صفحة إلكترونية جرى أرشفتها بواسطة منظمة «كومن كرول» (Common Crawl)، واستخدم الباحثون أداة تعتمد على التعلم الآلي تعرف باسم «أوبن بانغرام» (Open Pangram) لتقدير احتمال إنتاج النص بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت النتائج أن نسبة صفحات الويب التي تحمل مؤشرات قوية على استخدام الذكاء الاصطناعي ارتفعت بشكل واضح منذ إطلاق «تشات جي بي تي».
ففي نطاقات «.com»، كانت النسبة لا تتجاوز نحو 1% قبل ظهور الأداة، لكنها تجاوزت 9% خلال النصف الأول من عام 2026.
وتشير الدراسة إلى أن هذه النسبة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للمحتوى الحديث المولد بالذكاء الاصطناعي، لأن العينة تضمنت صفحات منشورة قبل ظهور «تشات جي بي تي».
أكثر من ثلث الصفحات الحديثة تحمل مؤشرات
وعند التركيز على الصفحات التي نُشرت بعد إطلاق «تشات جي بي تي»، وجدت مؤسسة «بيو» أن نحو 35% من صفحات الويب التي شملتها العينة في يوليو/تموز 2026 أظهرت احتمالاً مرتفعاً لأن تكون قد كُتبت أو عُدلت باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتنخفض النسبة إلى 9.6% عند احتساب جميع الصفحات في عينة الشهر نفسه، بما فيها المحتوى الأقدم.
وتقدم هذه الأرقام صورة عن السرعة التي يتوسع بها حضور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الرقمي، كما توضح أن الشكوك التي تنتاب المستخدمين بشأن مصدر بعض النصوص المنشورة على الإنترنت تستند، جزئياً، إلى تغيرات قابلة للقياس في المحتوى.
في المقابل، أظهر التحليل أن استخدام الذكاء الاصطناعي يبدو أقل انتشاراً في المواقع التي تحمل نطاقات «.gov» و«.edu»، مقارنة بالمواقع الأخرى.
الذكاء الاصطناعي لا يكتب المحتوى فقط.. بل يغير أسلوبه
وتشير النتائج إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز إنتاج نصوص جديدة إلى التأثير في الطريقة التي يكتب بها البشر أنفسهم.
فكلما زاد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة النصوص وتحريرها، انتقلت بعض السمات الأسلوبية المتكررة في مخرجات هذه الأدوات إلى المحتوى المنشور على الإنترنت.
ومن هنا، فإن انتشار الشرطة الطويلة، وفاصلة أكسفورد، وبعض المفردات والتراكيب لا يمثل دليلاً منفرداً على أن الذكاء الاصطناعي كتب النص، لكنه يعكس تحولاً أوسع في لغة الإنترنت، بالتزامن مع النمو السريع للمحتوى الذي يُنتج أو يُحرر بمساعدة الذكاء الاصطناعي.



