واشنطن تحث دول العشرين على تبني نهج مرن في تنظيم الذكاء الاصطناعي

واشنطن تحث دول العشرين على تبني نهج مرن في تنظيم الذكاء الاصطناعي

المؤشر 02-09-2026   تسعى الولايات المتحدة إلى دفع دول مجموعة العشرين نحو تبني سياسة أكثر مرونة تجاه تنظيم الذكاء الاصطناعي، داعية إلى عدم فرض تشريعات جديدة على التقنيات الناشئة إلا عندما تعجز القوانين الحالية عن معالجة مخاطر أو قضايا مستجدة.

وجاءت الدعوة الأميركية خلال اجتماع لمسؤولين حكوميين وشخصيات بارزة من قطاع التكنولوجيا في ولاية نورث كارولاينا، وسط سباق عالمي متسارع لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتنافس متزايد بين واشنطن وبكين على امتلاك زمام القيادة في هذا المجال.

«مبادئ كارولاينا».. رؤية أميركية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

طرح مستشار التكنولوجيا الأميركي مايكل كراتسيوس خلال الاجتماع ما أطلق عليه اسم «مبادئ كارولاينا»، وهي مجموعة من التوجهات التي تهدف إلى الحد من التوسع في سن قوانين خاصة بكل تقنية جديدة.

وبحسب الطرح الأميركي، ينبغي ألا تتجه الحكومات إلى إصدار تشريعات إضافية للذكاء الاصطناعي إلا في الحالات التي تظهر فيها مشكلات جديدة لا تستطيع القوانين والأنظمة المعمول بها التعامل معها.

كما تتضمن المبادئ المقترحة تشجيع الدول على زيادة الإنفاق على الأبحاث الأساسية، بهدف دعم الاكتشافات العلمية وفتح المجال أمام فرص اقتصادية وتجارية جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.

ويرى كراتسيوس أن التعامل مع كل ابتكار تكنولوجي باعتباره ملفاً تنظيمياً مستقلاً قد يؤدي إلى تضخم الأطر القانونية، مشدداً على ضرورة منح الشركات والمطورين مساحة كافية لمواصلة الابتكار.

وتنسجم هذه الرؤية مع توجه أوسع داخل الإدارة الأميركية يهدف إلى الحد من القيود المفروضة على شركات الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من أن تؤدي القواعد المشددة إلى إبطاء تطوير النماذج الجديدة ورفع تكاليف الامتثال التنظيمي.

شركات التكنولوجيا تفضل قواعد أقل تشدداً

تحظى الدعوة الأميركية بتأييد نسبي من قطاع التكنولوجيا، ولا سيما الشركات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، التي تخشى أن تتحول التشريعات المتزايدة إلى عائق أمام سرعة التطوير وإطلاق المنتجات الجديدة.

ويرى أنصار التنظيم المرن أن تقليل القيود يمكن أن يساهم في جذب الاستثمارات وتحفيز الابتكار ومنح الشركات قدرة أكبر على تجربة تطبيقات جديدة.

في المقابل، يحذر منتقدو هذا النهج من أن تخفيف الرقابة بصورة مفرطة قد يفتح الباب أمام مخاطر مرتبطة بخصوصية البيانات والأمن السيبراني وسلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وتزداد حدة هذا النقاش مع التطور السريع لقدرات النماذج الحديثة، وسط مخاوف من أن تتجاوز سرعة التقدم التكنولوجي قدرة الحكومات والمؤسسات البحثية على تقييم المخاطر ووضع الضوابط المناسبة.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ساحة تنافس بين واشنطن وبكين

ولا يمكن فصل النقاش بشأن التنظيم عن المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين في مجال التكنولوجيا المتقدمة.

فقد شهدت النماذج الصينية ذات الأوزان المفتوحة تطوراً ملحوظاً، وأصبحت قادرة على منافسة عدد من الأنظمة التي تطورها الشركات الأميركية، الأمر الذي يثير مخاوف في واشنطن بشأن مستقبل التفوق التكنولوجي الأميركي.

وتسعى الإدارة الأميركية، وفقاً لخبراء، إلى تشجيع الدول الحليفة والشريكة على الاعتماد على البنية التكنولوجية الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الانفتاح على حلول صينية قد تمنح بكين نفوذاً أكبر في الأسواق العالمية.

وقال فيفيك تشيلوكوري، زميل التكنولوجيا والأمن القومي في مركز الأمن الأميركي الجديد، إن التطور المتسارع للنماذج الصينية جعل مسألة الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في النظام التكنولوجي العالمي أكثر إلحاحاً بالنسبة للإدارة الأميركية.

ماسك ينتقد القواعد الأوروبية

وشهد اجتماع نورث كارولاينا حضوراً لعدد من أبرز الأسماء في قطاع التكنولوجيا، وسط نقاشات حول مستقبل الصناعة واحتياجاتها التنظيمية والطاقة اللازمة لتشغيل بنيتها التحتية.

وانتقد إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، النهج التنظيمي الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي تجاه التكنولوجيا، معتبراً أن بعض السياسات الأوروبية قد تحد من قدرة الشركات على الابتكار والتوسع.

كما سلط ماسك الضوء على قضية الطاقة، داعياً الدول خارج الصين إلى تطوير مصادر إضافية للكهرباء لمواكبة الطلب المتزايد، خصوصاً مع التوسع الكبير في مراكز البيانات اللازمة لتشغيل نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومن المنتظر أن يشارك مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، في الاجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي، إلى جانب ديميس هاسابيس، المؤسس المشارك لـ«غوغل ديب مايند»، الذي انضم إلى قائمة المتحدثين في الفعاليات.

كندا تتمسك بمعادلة الابتكار والسلامة

وفي موقف يعكس اختلافاً في الأولويات، تستعد كندا للمشاركة في المناقشات مع التأكيد على ضرورة إيجاد توازن بين تشجيع الابتكار والحفاظ على ثقة الجمهور وضمان السلامة العامة

ويأتي الموقف الكندي في ظل استمرار التوترات والخلافات التجارية بين أوتاوا وواشنطن، ما يمنح النقاش حول التكنولوجيا بعداً اقتصادياً وسياسياً إضافياً.

ويُعد اجتماع نورث كارولاينا محطة ضمن سلسلة اجتماعات مرتبطة بأعمال مجموعة العشرين تستضيفها الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة، في إطار التحضير لقمة قادة المجموعة المقرر عقدها في ميامي خلال ديسمبر.

معركة دولية على مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي

ويبدو أن الخلاف حول أفضل طريقة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي سيستمر خلال الفترة المقبلة، في ظل اختلاف واضح بين الدول بشأن حجم الرقابة المطلوبة على هذه التكنولوجيا.

ففي حين تدفع واشنطن باتجاه الحد من التشريعات الجديدة وتجنب إنشاء أطر تنظيمية منفصلة لكل تقنية، تطالب أطراف أخرى بتشديد الرقابة لمواجهة المخاطر المرتبطة بالأنظمة المتقدمة، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني والخصوصية وسلامة البنية التحتية.

ومع اقتراب قمة مجموعة العشرين في ميامي، يُتوقع أن يحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً متقدماً على جدول الأعمال، خصوصاً مع استمرار السباق الأميركي الصيني على التفوق التكنولوجي وتزايد الحاجة إلى وضع قواعد دولية تحافظ على الابتكار من جهة وتحد من المخاطر من جهة أخرى.