التصعيد الإسرائيلي في سوريا يفتح جبهة توتر جديدة مع تركيا

التصعيد الإسرائيلي في سوريا يفتح جبهة توتر جديدة مع تركيا

المؤشر 23-08-2026   عاد الملف السوري إلى واجهة التوتر الإقليمي مع تجدد الغارات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع تصاعد الخلاف بين تل أبيب وأنقرة بشأن الدور العسكري التركي في سوريا، في وقت تحاول فيه دمشق تثبيت تفاهمات أمنية مع إسرائيل وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ويأتي هذا التصعيد بعد أسابيع قليلة من حديث الرئيس السوري أحمد الشرع عن رغبته في التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو «سلام شامل»، فيما تحدثت تقارير سابقة عن تفاهم أمريكي-سوري-إسرائيلي يتعلق بإخراج مواد نووية من دمشق.

غارات إسرائيلية ورسائل أمنية

نفذت إسرائيل خلال الأيام الماضية ضربات استهدفت مواقع داخل سوريا، كان أبرزها الهجوم على مطار أبو الظهور العسكري، بعد إعلان دمشق تغيير موقفها بشأن المواد النووية الموجودة لديها، والتأكيد على الاحتفاظ بها لأغراض سلمية.

وفي اليوم التالي، استهدفت غارة إسرائيلية مركبة في بلدة بيت جن بريف دمشق، ما أدى إلى إصابة شخص واحد. وقال الجيش الإسرائيلي إن المستهدف كان عنصراً يشتبه في أنه يعمل على تنفيذ هجمات ضد إسرائيل، وإن عملية استهدافه جاءت بعدما بلغ التخطيط مرحلة متقدمة وشكل، وفق الرواية الإسرائيلية، «تهديداً فورياً».

لكن التطور الأكثر حساسية تمثل في تبرير إسرائيل لضربة أبو الظهور، إذ قال وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن أجهزة الأمن تلقت معلومات تفيد بأن تركيا تعتزم استخدام الموقع لنشر أنظمة رادار ودفاع جوي، إلى جانب قوات كوماندوز.

وبحسب كاتس، أبلغت إسرائيل دمشق وواشنطن مسبقاً بموقفها، محذرة من أن إقامة وجود عسكري تركي في القاعدة قد يؤدي إلى تغيير معادلة القوة في سوريا، ويحد من قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على تنفيذ عملياته.

أنقرة ترفض الاتهامات الإسرائيلية

أثارت الضربة الإسرائيلية ردود فعل غاضبة في تركيا، التي نفت رسمياً وجود قوات تابعة لها في مطار أبو الظهور، وطالبت المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات تجاه ما وصفته بالتحركات الإسرائيلية.

وتعاملت وسائل إعلام تركية مع الغارة باعتبارها مؤشراً خطيراً على احتمال انتقال التوتر بين أنقرة وتل أبيب إلى مواجهة أوسع. وبرزت في هذا السياق تقارير أشارت إلى قرب الموقع المستهدف من الحدود التركية.

كما دخل مسؤولون أتراك على خط التصعيد السياسي. واتهم رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسعي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة لخدمة حساباته السياسية الداخلية، معتبراً أن العداء تجاه تركيا يستخدم كوسيلة للهروب من أزمات داخلية.

من جهته، رد مكتب نتنياهو بلهجة حادة على أردوغان، متهماً الرئيس التركي بالسعي إلى توسيع نفوذه العسكري باتجاه سوريا وإسرائيل.

وفي تطور إضافي، تحركت السلطات التركية في قضية مرتبطة بأسطول الحرية «مرمرة»، مطالبة بإصدار نشرة حمراء عبر الإنتربول بحق نتنياهو، على خلفية اتهامات مرتبطة بملف الإبادة الجماعية.

اتصالات إسرائيلية-سورية خلف الكواليس

التصعيد الميداني لم يمنع استمرار الاتصالات غير المعلنة بين الأطراف المعنية. وكشفت وكالة رويترز أن رئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان أجرى في 14 أغسطس اتصالاً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تمحور حول الوجود العسكري التركي في سوريا.

وجاء الاتصال قبل أيام قليلة من الغارة على مطار أبو الظهور، ما يعكس حساسية الملف التركي في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، خصوصاً مع تنامي التعاون بين أنقرة ودمشق.

وبعد الضربات، سعت إسرائيل إلى توجيه رسالة مفادها أنها لا تستهدف الدخول في مواجهة مباشرة مع سوريا أو تركيا، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح، وفق موقفها، بإقامة بنية عسكرية تركية يمكن أن تؤثر في حرية تحركها داخل الأجواء السورية.

التوتر يمتد إلى شرق المتوسط

ولا يقتصر القلق الإسرائيلي على التحركات البرية التركية داخل سوريا، إذ تتابع تل أبيب أيضاً تنامي الحضور البحري التركي في شرق المتوسط.

ورغم عدم تسجيل مواجهة مباشرة بين القطع البحرية التابعة للجانبين، فإن تحركات السفن الحربية واقترابها من مناطق النشاط المتبادل في المياه الدولية والاقتصادية رفع مستوى الحذر الأمني.

وترتبط هذه التحركات، بحسب تقديرات إسرائيلية، برغبة أنقرة في تعزيز حضورها الإقليمي وحماية مصالحها المرتبطة بملفات الطاقة والحدود البحرية، بالتوازي مع توسيع نفوذها السياسي والعسكري في سوريا.

واشنطن تحذر من مواجهة مباشرة

في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على منع تحول الخلاف الإسرائيلي-التركي إلى صدام مباشر.

وحذر السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، من أن العمليات الإسرائيلية تحمل مخاطر حقيقية لاندلاع مواجهة بين إسرائيل وتركيا. كما ألمح إلى احتمال أن تؤدي الضربات الإسرائيلية إلى دفع أنقرة نحو رد عسكري.

وأثارت تصريحات باراك غضباً في إسرائيل، خصوصاً بعد حديثه عن أن بعض التحركات الإسرائيلية قد تكون مرتبطة بحسابات سياسية وانتخابية، إضافة إلى تأكيده أن هضبة الجولان تُعد أرضاً سورية محتلة وفق القانون الدولي.

ورد كاتس على تصريحات المبعوث الأمريكي بانتقادات حادة، في وقت تتزايد فيه داخل إسرائيل المخاوف من أن يؤثر باراك في توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الملف السوري والتركي.

صراع على شكل سوريا المقبلة

ويكشف التصعيد الأخير عن خلاف أعمق من مجرد تبادل الاتهامات بين إسرائيل وتركيا. فالمسألة ترتبط بصورة سوريا التي ستتشكل خلال المرحلة المقبلة، وحجم نفوذ كل من أنقرة وتل أبيب وواشنطن داخلها.

وتريد إسرائيل، وفق موقفها المعلن، منع تحول الأراضي السورية إلى قاعدة عسكرية تركية متقدمة، كما تسعى إلى الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة الجوية والأمنية.

في المقابل، تعمل تركيا على تعزيز حضورها في سوريا وتوسيع علاقاتها مع دمشق، بما يمنحها دوراً أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي.

وبينما تحاول الولايات المتحدة احتواء الخلاف ومنع تحوله إلى مواجهة بين حليفين، يبقى التصعيد الميداني المتكرر عاملاً يزيد من احتمالات سوء التقدير، خصوصاً مع تداخل الملفات السورية والإسرائيلية والتركية في مساحة جغرافية واحدة.

وبذلك، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية: دمشق تبحث عن ترتيبات أمنية تتيح لها استعادة الاستقرار، وأنقرة تسعى لترسيخ نفوذها في سوريا، بينما تحاول إسرائيل فرض حدود واضحة لهذا النفوذ. وفي ظل غياب تفاهم نهائي بين الأطراف، فإن أي تحرك عسكري جديد قد يدفع التوتر إلى مستوى أكثر خطورة.