حرب إيران في الظل.. إدارة ترامب تواجه انتقادات بسبب الغموض وتبدّل الأهداف
المؤشر 15-08-2026 تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات متزايدة بسبب الطريقة التي تدير بها الحرب ضد إيران، وسط اتهامات بفرض مستوى غير مسبوق من التعتيم على المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية، والخسائر البشرية والمادية، وكلفة الحرب، فضلاً عن غموض الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها.
وترى صحيفة «لوموند» الفرنسية أن الحرب تجري في ظروف مختلفة عن النزاعات الأمريكية السابقة، إذ بات الوصول إلى المعلومات الرسمية أكثر صعوبة، بينما لا تزال الإدارة الأمريكية تفرض قيوداً واسعة على ما يصل إلى الرأي العام والكونغرس، رغم الانتشار الكبير لصور الأقمار الصناعية ومصادر المعلومات المفتوحة التي تسمح بتتبع جانب من مجريات العمليات.
ظروف صعبة على متن «أبراهام لينكولن»
ومن أبرز الملفات التي أثارت الجدل أوضاع أفراد طاقم حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من ثمانية أشهر في مهمتها بالمنطقة.
وأفادت قناة MS NOW، في تقرير نشرته في الخامس من أغسطس، بأن نحو عشرة من أقارب أفراد الطاقم تحدثوا عن ظروف معيشية صعبة على متن الحاملة. وشملت الشهادات، بحسب التقرير، أعطالاً في دورات المياه والحمامات، ومشكلات مرتبطة بالعفن، وتعطل مرافق غسيل الملابس لأسابيع، إضافة إلى فترات لم تتوفر فيها المياه الساخنة.
كما أعادت وسائل إعلام ومنصات اجتماعية تداول صور لوجبات قدمت على متن الحاملة ووصفت بأنها متدنية الجودة، بينما نفى البنتاغون وجود أزمة في الإمدادات الغذائية.
لكن المخاوف لا تتعلق بالظروف المادية فقط، إذ يبرز أيضاً القلق بشأن الإرهاق النفسي للبحارة الذين امتدت مهمتهم لفترة طويلة من دون موعد واضح للعودة. ووفق تقارير إعلامية متخصصة في الشؤون العسكرية، بلغ بعض أفراد الطاقم مستويات مرتفعة من الإنهاك.
ومع اقتراب مهمة «أبراهام لينكولن» من تجاوز 250 يوماً، وجه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، بينهم السيناتور ريتشارد بلومنتال، أسئلة إلى وزارة الدفاع حول أوضاع الحاملة وطاقمها.
حرب تجري بعيداً عن أعين الجمهور
ترى «لوموند» أن المفارقة الأساسية في الحرب الحالية تتمثل في أن المعلومات العسكرية لم تعد حكراً على الحكومات. فصور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة ومصادر المعلومات المفتوحة تتيح للباحثين والصحافيين متابعة تحركات الطائرات والسفن، كما أصبح بالإمكان تقدير حجم استخدام الصواريخ والأسلحة المختلفة.
ومع ذلك، فإن الصورة المتعلقة بالعمليات الأمريكية داخل الشرق الأوسط لا تزال محدودة، خصوصاً في ظل غياب الصحافيين المرافقين للقوات الأمريكية ميدانياً.
وفي الجانب الإيراني، ساهمت عمليات قطع الإنترنت في الحد من تدفق المعلومات، بينما اتبعت واشنطن، بحسب الصحيفة الفرنسية، سياسة تقوم على حجب بعض البيانات وتقليص حجم المعلومات المتاحة للرأي العام.
ونقلت «لوموند» عن السيناتور الديمقراطي جون أوسوف انتقاده الشديد لما وصفه بالكذب على الأمريكيين بهدف إدخالهم في حرب، معتبراً أن التعامل مع المواطنين والجنود بهذه الطريقة يمثل إهانة لهم.
من تغيير النظام إلى الصواريخ والنووي
ومن أكثر الجوانب إثارة للجدل، وفق «لوموند»، التحول المستمر في الخطاب الأمريكي بشأن الغاية من الحرب.
ففي مراحلها الأولى، ارتبط الخطاب الأمريكي بدعم المحتجين داخل إيران، قبل أن ينتقل التركيز إلى القدرات الصاروخية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي. أما لاحقاً، فأصبح الحديث يدور حول إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع الحرب، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز.
وتعتبر جنيفر كافاناغ، مديرة التحليل العسكري في مركز Defense Priorities، أن الحرب تمثل حالة استثنائية، وترى أن الولايات المتحدة تعرضت لما وصفته بـ«هزيمة استراتيجية» ستكون لها آثار طويلة المدى.
في المقابل، يرى مارك كانسيان، الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، أن تغير أهداف الحروب ليس أمراً جديداً في التاريخ الأمريكي، لكنه لفت إلى أن ما يحدث مع إيران يمثل اتجاهاً معاكسا لما شهدته الحرب في أفغانستان، إذ تقلصت أهداف الحرب الحالية خلال فترة قصيرة بدلاً من توسعها.
واشنطن أمام اختبار الذخائر
ويثير استنزاف الأسلحة والذخائر المتطورة مخاوف إضافية بشأن قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب طويلة بهذا الحجم.
وبحسب تقديرات نقلتها «لوموند» عن كانسيان، استخدمت القوات الأمريكية جزءاً كبيراً من مخزونها من أنظمة دفاعية وصاروخية، من بينها «باتريوت» وTHAAD وPrSM، إضافة إلى كميات من صواريخ JASSM وSM-2 وSM-3 وSM-6 و«توماهوك».
ويرى الخبير أن هذه المعطيات قد تكشف عن مشكلة أوسع تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على خوض أكثر من مواجهة عسكرية كبيرة في وقت واحد، خصوصاً في ظل طبيعة الحروب الحديثة التي لعبت فيها الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة دوراً متزايداً.
وتشير الصحيفة إلى أن الحرب كشفت، بحسب عدد من الخبراء، فجوة بين القدرات التقليدية للبنتاغون وبين طبيعة الصراعات الحديثة التي تعتمد بصورة متزايدة على أسلحة رخيصة نسبياً وقابلة للإنتاج بأعداد كبيرة.
خسائر وكلفة الحرب تحت المجهر
ويمتد الجدل إلى حجم الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في المنطقة.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعلنت، حتى 11 أغسطس، مقتل 14 عسكرياً وإصابة 417 آخرين في إطار عملية «Furious Epic». غير أن طريقة احتساب الخسائر أثارت تساؤلات، بعدما بدأ البنتاغون اعتماد تاريخ 7 يوليو كمرحلة منفصلة للحسابات، ما يرفع الأرقام الإجمالية، وفق المعطيات التي أوردتها «لوموند»، إلى 18 قتيلاً و624 جريحاً.
أما الأضرار المادية، فلا تزال تفاصيلها غير معلنة بشكل كامل. ويقدر كانسيان أن إعادة القواعد الأمريكية المتضررة في الشرق الأوسط إلى وضعها السابق قد تتطلب نحو 9 مليارات دولار.
وخلال جلسة أمام لجنة في مجلس الشيوخ في 21 يوليو، تحدث وزير الدفاع بيت هيغسيث عن تكلفة إجمالية للحرب تصل إلى 37.5 مليار دولار، من دون أن يشمل هذا الرقم تكاليف إعادة تأهيل المنشآت المتضررة.
وفي الوقت نفسه، طلبت إدارة ترامب من الكونغرس أكثر من 60 مليار دولار إضافية لتمويل العمليات المرتبطة بإيران، إلى جانب مقترح لميزانية دفاعية لعام 2027 تبلغ 1.5 تريليون دولار.
ترامب يفتح مواجهة مع «المسربين»
ولم تقتصر المواجهة على المعلومات العسكرية، إذ هاجم ترامب بشدة ما وصفه بالتسريبات المتعلقة بالحرب.
وفي منشور بتاريخ السادس من أغسطس، هدد الرئيس الأمريكي بملاحقة من يقفون وراء تسريب المعلومات، ووصف عمليات التسريب بأنها «خيانة»، متوعداً بعقوبات قاسية.
وجاء موقف ترامب بعد تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» تحدث عن مواجهة بينه وبين وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال اجتماع في كامب ديفيد بشأن وضع مخزونات الذخائر الأمريكية.
وترى «لوموند» أن هذه التطورات تعكس أزمة أوسع في إدارة المعلومات داخل المؤسسة الأمريكية، وتطرح تساؤلات حول طبيعة عملية صنع القرار ومدى اعتماد الإدارة على تقديرات الخبراء والمؤسسات العسكرية.
هل ما زالت المعلومات العسكرية سرية؟
وبحسب الصحيفة الفرنسية، لم تعد بعض المعلومات المتعلقة بمخزونات الصواريخ وأنظمة الدفاع قابلة للحجب الكامل، في ظل التطور الهائل في تقنيات الرصد ومصادر المعلومات المفتوحة.
ويشير كانسيان إلى أن الأرقام الدقيقة تبقى بطبيعة الحال من الأسرار العسكرية، لكنه يؤكد أن حجم البيانات المتاحة أصبح كبيراً إلى درجة تسمح للدول المنافسة، وعلى رأسها الصين، بإجراء تقديرات دقيقة بشأن القدرات والمخزونات الأمريكية.
وهذا يعني أن حجب الأرقام عن الجمهور الأمريكي لا يضمن بالضرورة منع الخصوم من الوصول إلى تقديرات مشابهة.
غموض قانوني وانتقادات للرقابة
وتطرح الحرب كذلك أسئلة بشأن الإطار القانوني الذي يحكم العمليات العسكرية الأمريكية.
ففي الوقت الذي تصف فيه إدارة ترامب نفسها بأنها الأكثر شفافية في تاريخ الولايات المتحدة، يقول ستيفن كاش، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية وأحد مؤسسي تجمع «The Steady State»، إن الظهور الإعلامي المتكرر للرئيس لا يعني بالضرورة توفير معلومات دقيقة أو إخضاع الإدارة لمحاسبة فعلية.
ويعتبر كاش أن انتقاد قرارات الإدارة بات يُعامل داخلها باعتباره نوعاً من الخيانة، بينما يرافق ذلك، بحسب رأيه، خطاب سياسي يركز على القوة والصلابة أكثر من اعتماده على الأرقام والتقييمات المهنية.
وتستشهد «لوموند» أيضاً بضربة استهدفت مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في 28 فبراير، وأسفرت، وفق النص، عن مقتل 175 شخصاً، مشيرة إلى عدم اعتراف الإدارة الأمريكية رسمياً بمسؤوليتها عن الهجوم.
كما تربط الصحيفة بين ذلك وبين ما تعتبره تراجعاً في آليات مراقبة الأضرار التي تلحق بالمدنيين خلال العمليات العسكرية.
إبعاد كبار المحامين العسكريين
ومن الملفات التي أثارت بدورها الجدل التغييرات التي طالت المؤسسة القانونية داخل البنتاغون.
فخلال عمليات إعادة الهيكلة التي بدأت في فبراير 2025، أُقيل عدد من كبار المحامين العسكريين المعروفين باسم «المحامين العامين»، وهم المسؤولون عن تقديم المشورة القانونية والإشراف على جوانب من نظام العدالة العسكرية في القوات المسلحة.
ويرى هارولد هونغجو كوه، أستاذ القانون الدولي في جامعة ييل ومسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن هذه التغييرات تنسجم مع نهج يقوم على تجنب إظهار التردد أثناء العمليات العسكرية.
ويحذر كوه من أن إضعاف الرقابة القانونية قد يؤدي إلى تقليص القدرة على التمييز بين الأهداف العسكرية والأضرار المحتملة التي يمكن أن تصيب المدنيين، وهو ما يثير إشكالات تتعلق بالقانون الدولي واتفاقيات جنيف.
الذكاء الاصطناعي يدخل دائرة الغموض
وتضيف الحرب على إيران بعداً جديداً يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، خصوصاً في جمع المعلومات وتحليلها والمساعدة في تحديد الأهداف.
وتطرح هذه التقنيات أسئلة حول طبيعة قواعد البيانات التي تعتمد عليها الخوارزميات، والمعايير المستخدمة لاتخاذ قرارات الاستهداف، وحدود المسؤولية البشرية عندما تدخل الأنظمة الآلية في مراحل متقدمة من العملية العسكرية.
ويرى كوه أن هذه التطورات تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي جزءاً من منظومة اتخاذ القرار العسكري.
وبينما تركز الإدارة الأمريكية في خطابها على النجاحات العسكرية وتحقيق الأهداف، تبرز خلف ذلك، بحسب «لوموند»، معركة أخرى تدور حول التحكم في المعلومات، وشفافية القرارات، وحجم الخسائر، وكلفة الحرب، فضلاً عن الدور المتزايد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات العسكرية.
وتخلص الصحيفة الفرنسية إلى أن الحرب على إيران لا تثير فقط أسئلة حول نتائجها الميدانية، بل تضع أيضاً نموذج إدارة الحرب داخل الولايات المتحدة أمام اختبار يتعلق بالشفافية والمساءلة والقانون، في وقت تتغير فيه أهداف الصراع بوتيرة سريعة وتتزايد فيه صعوبة إخفاء المعلومات في عصر الأقمار الصناعية ومصادر البيانات المفتوحة.



