أمن البحر الأحمر: ما هي خيارات صانع القرار المصري؟
المؤشر 06-10-2026
بقلم : عمر حمزاوي
لم يعد أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر مسألة مرتبطة بحماية الملاحة في قناة السويس أو تأمين سواحلها الطويلة فحسب، بل أصبح قضية تتصل مباشرة بموقع مصر الإقليمي وبأمنها القومي وبقدرتها على حماية أحد أهم الممرات البحرية التي تصل البحر المتوسط بالمحيط الهندي وآسيا. وإذا كانت التطورات الأخيرة قد أظهرت أن اضطراب البحر الأحمر يمكن أن ينعكس سريعًا على حركة السفن والإيرادات المصرية وعلى أمن الطاقة والتجارة العالمية، فإن الأخطر هو أن البحر الأحمر نفسه يتحول تدريجيًا إلى ساحة تنافس على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
وتأتي التطورات الأخيرة في اليمن لتجعل الخطر أكثر وضوحًا. فقد حقق الحوثيون، المدعومون من إيران، تقدمًا على الساحل الغربي لليمن واقتربوا من السيطرة الفعلية على مساحات استراتيجية عند باب المندب، بالتزامن مع إعلانهم حصارًا على الملاحة المرتبطة بالسعودية. وتحذر السلطات البحرية الأمريكية حاليًا من استمرار تهديد الحوثيين للسفن التجارية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وتشير إلى أن الجماعة باتت تمتلك قدرة متزايدة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والهجمات البحرية.
ولذلك لا ينظر صانع القرار المصري إلى الخطر الحوثي باعتباره مشكلة يمنية أو سعودية فقط. فباب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وما يحدث فيه ينتقل بصورة مباشرة إلى شمال البحر وإلى قناة السويس. وقد أصبح هذا الترابط واضحًا بصورة عملية؛ إذ اضطرت سفن مرتبطة بالنفط السعودي إلى تغيير مساراتها بعد إعلان الحوثيين الحصار، بينما تواجه التجارة العالمية كلفة متزايدة كلما أصبح المرور في البحر الأحمر أكثر خطورة.
الخطر الإيراني هنا لا يرتبط فقط بقدرة طهران على استخدام الحوثيين كورقة ضغط عسكرية في مواجهة خصومها، وإنما يتعلق بمبدأ أوسع: أن تتحول جماعة مسلحة غير حكومية إلى طرف قادر على التأثير في حرية الملاحة الدولية وفي أمن ممر بحري يقع على مقربة مباشرة من الأراضي والمصالح المصرية. ولذلك فإن مواجهة هذا الخطر ينبغي ألا تعني الانخراط المصري في حرب مفتوحة في اليمن، وإنما العمل سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا لمنع تثبيت واقع يسمح بالسيطرة على باب المندب أو تحويله إلى أداة ابتزاز إقليمية.
وتزداد المسألة تعقيدًا لأن الخطر على أمن البحر الأحمر لا يأتي من الحوثيين وإيران وحدهما. فهناك أيضًا تنافس إقليمي ودولي متصاعد على المواقع والموانئ والقواعد والبنية التحتية الممتدة من القرن الأفريقي إلى خليج عدن وباب المندب. وتتابع مصر، بصورة طبيعية، التطورات المرتبطة بمحاولات إثيوبيا التدخل في شؤون البحر الأحمر وكذلك الدور المتنامي لإسرائيل في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بعد اعترافها بأرض الصومال غير الشرعية.
وقد عبرت القاهرة بالفعل عن تصور يقوم على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية أساسية للدول المشاطئة، وهو تصور يستند إلى اعتبارات السيادة والقانون الدولي وإلى حقيقة أن مصر هي الدولة التي تتحمل في شمال البحر الأحمر مسؤولية حماية قناة السويس، في حين تمتلك دول أخرى مواقع استراتيجية على امتداد البحر وخليج عدن. كما رفضت القاهرة ترتيبات تمنح إثيوبيا منفذًا عسكريًا على البحر عبر أرض الصومال، في سياق أوسع من التوتر حول أمن القرن الأفريقي وسد النهضة.
لكن الدفاع عن هذه الرؤية لا يمكن أن يتم بالبيانات الدبلوماسية وحدها. فالبحر الأحمر أصبح مسرحًا لتفاعلات متعددة، والمطلوب هو بناء سياسة مصرية نشطة تجعل القاهرة طرفًا رئيسيًا في صياغة ترتيبات أمنه، وليس مجرد دولة تتلقى نتائج ما يقرره الآخرون. وهنا تبرز أهمية الشراكة مع المملكة العربية السعودية. فمصر والسعودية تواجهان تهديدات مترابطة عند طرفي البحر الأحمر. المملكة تمتلك ساحلًا طويلًا على البحر، وموانئ ومنشآت للطاقة على ساحله، بينما تقع قناة السويس في الطرف الشمالي وتعد شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري وللتجارة الدولية. وقد أكدت القاهرة والرياض في السابق أن أمن باب المندب والبحر الأحمر وحرية الملاحة فيهما يمثلان مصلحة مشتركة، كما شدد البلدان على التعاون في مواجهة التهديد الحوثي.
المطلوب الآن هو الانتقال من التعاون العام إلى تصور أكثر انتظامًا للأمن البحري المصري-السعودي. ويمكن أن يبدأ ذلك بتبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتطوير آليات مشتركة لمراقبة حركة الملاحة، والتنسيق في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام والزوارق غير المأهولة، والعمل مع الدول العربية المشاطئة الأخرى على بناء إطار أوسع لأمن البحر الأحمر. ويجب أن يكون الهدف حماية حرية الملاحة وليس إقامة محور عسكري جديد.
وهنا تكتسب العلاقة مع اليمن أهمية استثنائية. فاستقرار الدولة اليمنية ووحدتها وقدرتها على السيطرة على سواحلها يمثلان جزءًا أساسيًا من أمن البحر الأحمر. ولذلك فإن دعم الدولة اليمنية والحل السياسي الشامل يجب أن يكونا جزءًا من الاستراتيجية المصرية والسعودية، لأن معالجة المشكلة الأمنية من دون معالجة انهيار الدولة اليمنية ستبقي الباب مفتوحًا أمام الحوثيين وغيرهم من الفاعلين المسلحين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لمصر أن تتعامل مع إثيوبيا على نحو لا يرفض وصولها التجاري إلى البحر الأحمر بينما يرفض ويواجه بصورة قاطعة محاولاتها إنشاء وجود عسكري أو ترتيبات أمنية. وفيما خص إسرائيل، يواجه صانع القرار المصري تحدي ألا تتحول التطورات في القرن الأفريقي إلى ترتيبات أمنية تسمح لأي طرف منفرد باكتساب قدرة غير متناسبة على التأثير في باب المندب وخليج عدن. وهذا يقتضي من القاهرة متابعة التحركات الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ضمن رؤية أمنية أوسع، بالتنسيق مع السعودية والصومال والدول العربية والأفريقية المعنية.
ثم يأتي الدور الدولي. فالأوروبيون لديهم مصلحة مباشرة في أمن البحر الأحمر، لأن أي اضطراب مستمر فيه يرفع تكلفة التجارة بين آسيا وأوروبا ويزيد زمن الرحلات ويؤثر في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وقد أظهرت أزمة الملاحة أن أمن البحر الأحمر ليس قضية إقليمية محدودة، بل قضية دولية. ولذلك ينبغي لمصر أن تطالب أوروبا بالمشاركة في ترتيبات أمنية ومعلوماتية وتكنولوجية تدعم حرية الملاحة، ولكن من خلال تنسيق مع دول المنطقة وليس باستبدال الدور الإقليمي بوجود عسكري أوروبي دائم.
والأمر نفسه ينطبق على الصين. فالصين من أكبر المستفيدين من استقرار طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، ولها مصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة في البحر الأحمر وخليج عدن. ومن ثم تستطيع القاهرة أن تفتح مع بكين حوارًا أكثر انتظامًا حول أمن الممرات البحرية، وتبادل المعلومات، وحماية السفن، وتطوير البنية التحتية للموانئ واللوجستيات، بما يعزز أمن الملاحة من دون تحويل البحر الأحمر إلى منطقة تنافس عسكري بين الصين والولايات المتحدة.
الأهم أن تتحرك مصر وفق تصور يقوم على الأمن الجماعي لا على الأحلاف الجزئية. فالتجربة الراهنة توضح أن محاولة كل دولة حماية مصالحها منفردة، أو ترك الأمن لقوة دولية كبرى، أو عدم المواجهة السريعة لمحاولات قوى إقليمية غير عربية بناء موطئ قدم عسكري دائم، لن تنتج سوى المزيد من الأخطار. الخطر الحوثي نفسه يقدم دليلًا على ذلك: فكلما اتسعت الفجوة بين الدول المشاطئة وكلما غابت آليات أمن جماعي، أصبح من الممكن لجماعة مسلحة أن تستفيد من الفراغ وتفرض واقعًا جديدًا.
لذلك تحتاج مصر إلى استراتيجية ثلاثية المستويات. المستوى الأول عربي، تقوده شراكة وثيقة مع السعودية وتشارك فيها الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، بهدف بناء قدرة مشتركة على حماية الملاحة. المستوى الثاني إقليمي، ينفتح على اليمن والصومال ودول القرن الأفريقي، ويعمل على منع تحويل الخلافات السياسية إلى ترتيبات عسكرية تهدد أمن البحر. والمستوى الثالث دولي، تشارك فيه أوروبا والصين وغيرها من القوى ذات المصالح التجارية، ولكن على أساس دعم أمن المنطقة لا الاستيلاء على قراراتها.
إن أمن البحر الأحمر ليس مسألة هامشية في الاستراتيجية المصرية. إنه امتداد طبيعي لأمن قناة السويس، ولأمن الاقتصاد المصري، وللدور الإقليمي لمصر. والخطر الذي يواجه القاهرة اليوم ليس فقط احتمال إغلاق باب المندب، وإنما احتمال نشوء واقع جديد يصبح فيه جنوب البحر الأحمر مجالًا مفتوحًا لتنافس إيران وإسرائيل وإثيوبيا وقوى أخرى يتعين أن تبقى بعيدة عن البحر الأحمر.
ولهذا فإن المطلوب من صانع القرار المصري هو التحرك قبل أن تترسخ هذه الوقائع. فالقاهرة تملك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وخبرة دبلوماسية وعسكرية، وعلاقات واسعة مع السعودية والدول العربية وأوروبا والصين، فضلًا عن كونها صاحبة المصلحة المباشرة في استقرار قناة السويس. وإذا أحسنت مصر توظيف هذه المقومات في إطار أمني جماعي، فإنها تستطيع أن تحول أمن البحر الأحمر من ساحة للتنافس على النفوذ إلى مجال للتعاون المنظم.
المعادلة الأساسية التي ينبغي أن تحكم السياسة المصرية هي أن البحر الأحمر لا يمكن أن يكون مجالًا مفتوحًا لسيطرة أطراف خارجية، وفي الوقت نفسه يمكن تأمينه بشراكة إقليمية ودولية. المطلوب هو الجمع بين الأمرين: قيادة إقليمية للدول المشاطئة وشراكة مع العالم لضمان أمن البحر الأحمر. وفي قلب هذه المعادلة ينبغي أن تقف مصر والسعودية، لا باعتبارهما طرفين في حلف جديد، وإنما باعتبارهما دولتين عربيتين تملكان المصلحة والقدرة والمسؤولية في العمل من أجل أمن البحر الأحمر واستقراره.


