من نيويورك.. «كُن ندّاً» بين شرعية القوة وقوة الشرعية

من نيويورك.. «كُن ندّاً» بين شرعية القوة وقوة الشرعية

المؤشر 26-09-2026   

الكاتب: مروان أميل طوباسي

يرى الكاتب مروان أميل طوباسي أن المشهد الذي رافق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يعكس صراعًا متصاعدًا بين منطق القوة ومنطق القانون، معتبرًا أن القضية الفلسطينية باتت من أبرز الاختبارات لمصداقية النظام الدولي وقدرته على تطبيق مبادئه بصورة متساوية.

ويقول طوباسي إن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة لم يقتصر على عرض مواقف إدارته، بل عكس، بحسب قراءته، تصورًا يقوم على تقديم القوة والمصلحة القومية الأميركية، والتعامل مع القانون والمؤسسات الدولية بصورة انتقائية عندما تتعارض مع السياسات الأميركية. ويرى أن التهديد باستخدام القوة والهجوم على المحكمة الجنائية الدولية يمثلان، في هذا السياق، نموذجًا لتحول القوة من أداة خاضعة للقانون إلى وسيلة تسهم في تحديد مفهوم الشرعية.

في المقابل، برزت خلال الجلسة الافتتاحية مواقف دولية انتقدت منطق الهيمنة واستخدام القوة خارج إطار القانون. فقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العودة إلى ما وصفه بـ«قانون الغاب»، بينما انتقد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا سياسات الهيمنة والاحتلال والتدخل في شؤون الدول.

كما تناول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما يجري بحق الفلسطينيين، محذرًا من جرائم الإبادة، في حين أشار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى أن المجتمع الدولي أمضى عقودًا في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلًا من الوصول إلى حل سياسي له.

أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فاختصر جانبًا أساسيًا من الإشكالية بالتأكيد على أن السلام لا يتحقق إلا عندما تكون القوة مقيدة بالقانون.

«كُن ندّاً».. رسالة إلى القيادة الفلسطينية

وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر تقنية الاتصال المرئي، بعد تعذر وصوله والوفد الفلسطيني إلى نيويورك.

ويرى طوباسي أن الرسالة الفلسطينية في هذه المرحلة ينبغي أن تقوم على مفهوم «الندية»، أي التعامل مع المجتمع الدولي من موقع أصحاب الحقوق والقضية الوطنية، وليس من موقع انتظار المنح أو المساعدات السياسية.

وبحسب رؤيته، فإن الندية تعني الحفاظ على استقلال القرار الفلسطيني والكرامة الوطنية والقدرة على المبادرة، إلى جانب التمسك بوحدة الأرض والشعب والقضية والولاية الوطنية، ورفض تحويل مستقبل قطاع غزة أو شكل النظام السياسي الفلسطيني إلى ترتيبات تُفرض من الخارج.

مراجعة التجربة بعد أوسلو

ويطرح الكاتب أيضًا ضرورة إجراء مراجعة سياسية شاملة للمسار الذي بدأ باتفاق أوسلو، في ظل استمرار الاستيطان وعزل القدس وتجزئة الضفة الغربية، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الأرض والحدود والموارد.

ويؤكد أن مراجعة التجربة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاكمة للماضي، وإنما باعتبارها محاولة لتصحيح المسار في ضوء التحولات التي طرأت على الواقع السياسي والميداني، والإعلان عن ذلك بوضوح أمام المجتمع الدولي.

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، يدعو طوباسي إلى عدم اختزال السياسة الفلسطينية في انتظار ما تقرره واشنطن، من دون أن يعني ذلك قطع العلاقة معها، بل توسيع دائرة الخيارات والعلاقات الدولية، والاستفادة من التحولات في مواقف دول الجنوب العالمي ومجموعة «بريكس» وعدد من الدول الأوروبية.

من الاعتراف السياسي إلى أدوات الفعل

كما يشدد الكاتب على ضرورة الانتقال من الاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي بتنفيذ قراراته إلى توظيف الأدوات التي توفرها الشرعية الدولية سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا.

ويطرح في هذا الإطار تحويل تنامي الاعتراف بدولة فلسطين من قيمة رمزية إلى أداة سياسية وقانونية لمواجهة الاستيطان والضم والتهجير والتهويد، إلى جانب مواصلة المسارات أمام المحاكم الدولية بهدف محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية، والمطالبة بحقوق الفلسطينيين في التعويض.

غزة والولاية الوطنية

ويتوقف طوباسي كذلك عند قرار مجلس الأمن رقم 2803 وما يراه من تداعيات محتملة على مستقبل قطاع غزة، محذرًا من ترتيبات قد تؤدي، وفق قراءته، إلى إدارة القطاع وسكانه بدلًا من معالجة أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال.

ويؤكد أن غزة، شأنها شأن القدس، ليست كيانًا منفصلًا أو فراغًا سياسيًا، وإنما جزء من دولة فلسطين ووحدة أراضيها وولايتها الوطنية.

كما يشدد على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمرجعية السياسية والقانونية لمؤسسات دولة فلسطين، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى تطويرها واستنهاض مؤسساتها.

الندية تبدأ من الداخل

ويربط الكاتب بين قوة الموقف الفلسطيني خارجيًا وبين طبيعة الوضع الداخلي، معتبرًا أن الاستقلال في القرار الوطني يحتاج إلى شرعية فلسطينية متجددة.

وفي هذا السياق، يطرح إجراء الانتخابات، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير وتطوير مؤسساتها، بما في ذلك المجلس الوطني، وتعزيز الديمقراطية وفصل السلطات وسيادة القانون، باعتبارها خطوات سياسية لا تنفصل عن المواجهة الخارجية.

ويرى أن إعادة الشعب إلى موقعه باعتباره مصدر السلطات من شأنها تعزيز الموقف الفلسطيني ومصداقيته على الساحة الدولية.

فلسطين حاضرة رغم منع الوصول إلى نيويورك

ورغم عدم تمكن الرئيس الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك، يلفت طوباسي إلى أن فلسطين حضرت في أعمال الجمعية العامة، مشيرًا إلى تصويت 152 دولة لصالح مشاركتها، معتبرًا أن ذلك يعكس اتساع مساحة التأييد الدولي للقضية الفلسطينية.

ويستحضر في هذا السياق واقعة عام 1988، عندما مُنع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من دخول الولايات المتحدة، قبل أن تنتقل أعمال الجمعية العامة إلى جنيف لإتاحة المجال أمامه لإلقاء كلمته.

ويرى أن المقارنة بين تجربتي نيويورك وجنيف تعيد طرح السؤال نفسه حول العلاقة بين القوة والشرعية، وحول قدرة المؤسسات الدولية على توفير مساحة للحضور السياسي حتى في ظل القيود التي تفرضها الدول الأقوى.

وفي ختام طرحه، يؤكد طوباسي أن مفهوم «الندية» لا يعني تجاهل الاختلال الكبير في موازين القوى، وإنما يعني عدم السماح لهذا الاختلال بتحويل الفلسطينيين إلى طرف فاقد للقرار والمبادرة.

ويعتبر أن اتساع التضامن الدولي مع فلسطين، وتغير اتجاهات الرأي العام العالمي، وما يصفه بتزايد العزلة السياسية والأخلاقية لإسرائيل، يمكن أن يشكل رصيدًا سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا ينبغي توظيفه بصورة أكثر فاعلية.

وبهذا المعنى، يختصر الكاتب رسالته إلى القيادة الفلسطينية في عبارة «كُن ندّاً»: فلسطين ليست مجرد قضية تُدرج في مشاريع الآخرين، ولا شعبًا أسيرًا لمسارات الماضي، وإنما طرف يمتلك حقوقًا وإرادة سياسية، ويسعى إلى صياغة مستقبله بقرار مستقل.