ترامب وإيران: بين التهديد بالتصعيد ومحاولات التفاوض
المؤشر 26-09-2026 تبدو عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الملف الإيراني وكأنها استعادة للمشهد نفسه، ولكن بأدوات وخطابات متجددة. فبعد أشهر من الحرب والتصعيد، عاد ترامب إلى الجمع بين التهديد العسكري الشديد والحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، في مفارقة تطرح أسئلة عديدة حول مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران.
وفي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استخدم ترامب لغة شديدة التصعيد تجاه إيران، مجددًا تحذيراته بشأن برنامجها النووي، ومشيرًا إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة ضد المواقع الإيرانية شديدة التحصين. كما كرر موقفه من المحكمة الجنائية الدولية، داعيًا الدول إلى الانسحاب منها، ومطالبًا هولندا باتخاذ إجراءات بحق المحكمة الموجودة على أراضيها.
هذا الموقف ينسجم مع نهج اتبعته إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية خلال السنوات الماضية، خصوصًا في ظل اعتراض واشنطن على بعض تحركات المحكمة وقراراتها المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين. وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات وإجراءات استهدفت مسؤولين في المحكمة.
النووي الإيراني يعود إلى الواجهة
الملف النووي بقي في صدارة خطاب ترامب تجاه إيران. فقد سبق للرئيس الأمريكي أن أعلن أن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة خلال حرب يونيو/حزيران 2025، والتي حملت اسم «مطرقة منتصف الليل»، دمرت المنشآت النووية الإيرانية، ولا سيما منشأة فوردو.
لكن العودة إلى التهديد باستهداف منشآت أخرى شديدة التحصين، إلى جانب مطالبة طهران بالتخلي عن برنامجها النووي، تعكس استمرار الخلاف حول مدى فعالية الضربات السابقة في إنهاء القدرات النووية الإيرانية.
وتبرز هنا نقطة أساسية: إعلان تدمير منشآت أو قدرات نووية لا يعني بالضرورة انتهاء البرنامج بصورة نهائية، إذ إن المعرفة التقنية والبنية البشرية والقدرة على إعادة بناء بعض المنشآت يمكن أن تبقى قائمة حتى بعد الضربات العسكرية.
الانتخابات تضيف عاملًا سياسيًا
التصعيد الأمريكي تجاه إيران يأتي أيضًا في مرحلة تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وقد أكد ترامب أنه ليس مرشحًا في هذه الانتخابات، وأن أمامه عامين إضافيين في البيت الأبيض.
وفي المقابل، تتعرض الإدارة لضغوط داخلية مرتبطة بالاقتصاد وأسعار الطاقة، خصوصًا في ظل المخاوف من تداعيات تعطّل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وأي ارتفاع كبير ومستمر في أسعار النفط يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة، ويصبح بالتالي قضية سياسية داخلية.
ومن هنا يمكن فهم الانتقال المتكرر في خطاب ترامب بين التصعيد العسكري والحديث عن التفاوض، باعتباره جزءًا من إدارة أزمة متعددة المستويات، لا تقتصر على البعد العسكري وحده.
مفاوضات غير مباشرة في نيويورك
بالتوازي مع الخطاب التصعيدي، جرت اتصالات تفاوضية غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وشارك في الجانب الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما مثّل إيران وزير الخارجية عباس عراقجي.
وبحسب ما أُعلن عن الاجتماع، استمرت المحادثات نحو ثلاث ساعات، وجرى التواصل بصورة غير مباشرة عبر وسيط قطري.
ونقلت تقارير عن الجانب الإيراني طرح شروط تتعلق بإنهاء العقوبات والحصار، ووقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، إضافة إلى معالجة ملف الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. وهذه المطالب ترتبط بمواقف إيرانية سبق إعلانها خلال مسار المفاوضات السابقة.
في المقابل، سبق لترامب أن أعلن رفضه العودة إلى الصيغ السابقة للتفاهم مع طهران، مؤكدًا رغبته في التوصل إلى اتفاق جديد بشروط مختلفة.
ورغم ذلك، وصف ترامب اللقاء التفاوضي بأنه كان إيجابيًا، وهو ما يعكس مرة أخرى التناقض الظاهر بين لهجة التهديد العسكري وبين إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
طهران أمام خيار إطالة المفاوضات
من الجانب الإيراني، قد يكون إطالة المسار التفاوضي أحد الخيارات المطروحة لكسب الوقت وتجنب الانتقال السريع إلى مواجهة عسكرية جديدة. وطهران تملك تاريخًا طويلًا في إدارة المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي، وغالبًا ما تعاملت مع هذه المفاوضات باعتبارها مسارًا طويلًا قابلًا للتجزئة والمساومة.
وفي الوقت نفسه، تستمر إيران في تعزيز قدراتها العسكرية والصاروخية، وسط تقارير عن تطويرها منظومات صاروخية متقدمة والحصول على تقنيات ومعدات من شركاء دوليين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ظل استمرار التوتر حول الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، الذي يمثل واحدًا من أهم ممرات نقل النفط في العالم. وأي مواجهة واسعة في هذه المنطقة يمكن أن تترك آثارًا تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة لتطال أسواق الطاقة العالمية.
بين الحرب والصفقة
المشهد الحالي، إذن، لا يشير إلى مسار واحد واضح. فواشنطن تواصل التلويح بالخيار العسكري، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق باب التفاوض، بينما تحاول طهران الاستفادة من المفاوضات لتخفيف الضغوط أو كسب الوقت، مع الإبقاء على قدراتها العسكرية كوسيلة للردع.
وتبقى المشكلة الأساسية في أن أي تصعيد جديد قد تكون له تكلفة مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا إذا أدى إلى اضطراب طويل في سوق النفط، في حين أن الحرب الجوية، مهما بلغت شدتها، لا تضمن وحدها تحقيق الأهداف السياسية الكبرى المتعلقة بإيران.
ولهذا تبدو العلاقة بين ترامب وطهران عالقة في الحلقة نفسها: تهديد بالتصعيد يتبعه حديث عن التفاوض، ثم عودة إلى لغة القوة، قبل أن يفتح الطرفان مجددًا نافذة للاتصال.
أما السؤال الحقيقي، فلا يتعلق فقط بما إذا كانت جولة جديدة من الضربات ستقع، بل بما إذا كان أي طرف قادرًا على تحويل التفوق العسكري أو القدرة على الصمود إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار.
فالعودة إلى الحرب لا تعني بالضرورة الوصول إلى نتيجة مختلفة، كما أن العودة إلى طاولة المفاوضات لا تعني تلقائيًا قرب التوصل إلى اتفاق. وبين الخيارين تبقى إيران والولايات المتحدة أمام أزمة مفتوحة، يمكن أن تتحول في أي لحظة من التفاوض إلى التصعيد، أو من التصعيد إلى محاولة جديدة لصناعة صفقة.



