من فالتر بنيامين إلى بنيامين نتنياهو: كيف تشكلت النتنياهوية العربية؟

من فالتر بنيامين إلى بنيامين نتنياهو: كيف تشكلت النتنياهوية العربية؟

المؤشر 26-09-2026   ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في المشهد العربي الراهن: ففي الوقت الذي تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى بنيامين نتنياهو، وتتسع دائرة العزلة التي تحيط بإسرائيل على المستوى الدولي، تبدو أفكار يمكن وصفها بـ«النتنياهويّة» أكثر حضورًا في بعض الأوساط العربية.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تأييد سياسي لنتنياهو أو إعجاب بشخصه، بل بنمط من التفكير يرى في التجربة الإسرائيلية نموذجًا مكتملًا للعقلانية السياسية والأمنية والتحديث، ويذهب أبعد من ذلك حين يجعل من إسرائيل مركزًا ينبغي أن تُقاس المنطقة كلها على أساسه.

هذه الظاهرة لا تنتمي إلى تيار سياسي عربي واحد. فهي تظهر بأشكال مختلفة لدى أفراد وشبكات تنحدر من خلفيات قومية وإسلامية ويسارية وليبرالية، رغم التباين الكبير بين هذه المرجعيات. وما يجمع بعض هذه الأصوات ليس اتفاقها على التفاصيل، وإنما تصورها للمشكلة العربية وللطريق المفترض للخروج منها.

حين فقدت الأيديولوجيات قدرتها على تفسير العالم

على مدى عقود، تعاملت التيارات السياسية العربية الكبرى مع منظوماتها الفكرية باعتبارها أدوات لفهم التاريخ وتفسير الحاضر واستشراف المستقبل. لكن هذه القدرة أخذت تتراجع تدريجيًا.

فالقومي وجد نفسه أمام إرث من الهزائم والانقسامات، والإسلامي أمام أسئلة الدولة والمجتمع والحداثة، فيما واجه اليسار انهيار كثير من التصورات التي قامت عليها قراءته للصراع الطبقي والتغيير الاجتماعي.

وفي حالات كثيرة، لم يؤد هذا التراجع إلى إنتاج تصورات جديدة للعالم، بقدر ما أدى إلى الاحتفاظ ببعض الرموز والشعارات القديمة بوصفها علامات هوية وانتماء.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق: الأيديولوجيا، بمعناها الواسع، ليست مجرد مجموعة شعارات، وإنما محاولة لبناء صورة مترابطة للعالم؛ صورة تصل بين الاقتصاد والمجتمع والدولة والحرب والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية، وتضع هذه العناصر ضمن تفسير تاريخي واحد.

ومع تراجع هذه القدرة لدى قطاعات واسعة من التيارات العربية، نشأ فراغ لم يكن سياسيًا فحسب، بل فكريًا أيضًا.

إسرائيل بوصفها «إجابة» جاهزة

في المقابل، حافظ التيار الصهيوني، ولا سيما في مساره التنقيحي الممتد من زئيف جابوتنسكي إلى مناحيم بيغن ثم بنيامين نتنياهو، على طموح بناء تصور شامل للواقع المحيط بإسرائيل.

ومن هنا يمكن فهم جانب من جاذبية النموذج الإسرائيلي لدى بعض الأصوات العربية التي باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها النموذج الذي نجح في تحقيق ما عجز العرب عن تحقيقه.

وفق هذه الرؤية، لا يعود المطلوب مجرد إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل أو الوصول إلى تسوية سياسية معها، وإنما التعامل معها باعتبارها مركزًا إقليميًا للتحديث والأمن والتكنولوجيا والارتباط بالغرب.

وهنا يحدث التحول الأساسي: من الاعتراف بوجود ميزان قوى غير متكافئ، وهو أمر يمكن وصفه وتحليله، إلى تحويل هذا الميزان نفسه إلى معيار للحقيقة التاريخية.

فإذا كانت إسرائيل أكثر تفوقًا عسكريًا وتقنيًا، وأكثر اندماجًا في الاقتصاد وشبكات النفوذ الغربية، يصبح تفوقها في نظر أصحاب هذه الرؤية دليلًا على أنها تمثل «المستقبل»، فيما تُدفع المجتمعات العربية إلى موقع المتأخر الذي لا يملك سوى اللحاق بالنموذج الأقوى.

إسرائيل كـ«حزب قائد» للمنطقة

يمكن، على سبيل المفارقة، استعارة بعض مفردات الأدبيات الثورية القديمة لوصف هذه الفكرة: إسرائيل تتحول في المخيال النتنياهوي إلى ما يشبه «الحزب القائد» للمنطقة؛ فهي التي تحدد معنى الواقعية، وتضع حدود الممكن، وتمنح شهادات الحداثة والعقلانية السياسية.

وبهذا المعنى، فإن الاعتراض على النموذج الإسرائيلي يصبح سهل التصنيف: أيديولوجيا، أو رومانسية سياسية، أو رفض للواقع، أو تمسك بالماضي.

المشكلة هنا ليست في دراسة تجربة إسرائيل أو محاولة فهم عناصر قوتها. فهذا أمر مشروع وضروري لأي تحليل سياسي جاد. المشكلة تبدأ عندما يتحول تحليل القوة إلى تقديس لها، وعندما يصبح التفوق القائم دليلًا على التفوق التاريخي والأخلاقي في آن واحد.

فليس كل من ينتصر في لحظة تاريخية يصبح، بسبب انتصاره، صاحب الحق في تعريف معنى التاريخ.

القومي والإسلامي واليساري أمام أزمة الزمن

لعل ما يجمع الأزمات التي ضربت التيارات العربية المختلفة هو فقدانها تصورًا واضحًا للزمن السياسي.

كان القومي ينظر إلى التاريخ باعتباره مسارًا للنهضة والوحدة واستعادة المكانة. وكان الإسلامي يرى الحاضر مرحلة من الانحراف يمكن تجاوزها عبر الإحياء والتجديد والعودة إلى أصول الدين. أما اليسار فقرأ التاريخ من خلال التناقض والصراع والتراكم والتحولات البنيوية.

كانت هذه المشاريع مختلفة جذريًا، لكنها اشتركت في شيء أساسي: الإيمان بأن الحاضر ليس نهاية التاريخ، وأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفًا عن الواقع القائم.

ومع تراجع هذه الرؤى، نشأ نوع من الفراغ. لم يعد الماضي قادرًا على تقديم إجابات مقنعة، ولم يعد المستقبل واضح المعالم.

وفي مثل هذا الفراغ، يمكن أن يصبح الواقع نفسه أيديولوجيا.

أي أن ما هو قائم لا يعود مجرد واقع يحتاج إلى تفسير، بل يتحول إلى قدر ينبغي التسليم به.

من الخلاص إلى عبادة الغلبة

هنا تظهر النتنياهوية باعتبارها إحدى الصيغ الممكنة لهذا التحول. فهي لا تقدم وعدًا بالخلاص عبر ثورة اجتماعية، أو نهضة قومية، أو عودة دينية، وإنما عبر التسليم بأن الأقوى قد حسم اتجاه التاريخ.

وبذلك تتحول القوة العسكرية والتكنولوجية والتحالفات الدولية إلى أكثر من أدوات نفوذ؛ تصبح علامات على «الصواب التاريخي».

وهذا المنطق يجعل الغلبة معيارًا للحقيقة: الأقوى أكثر عقلانية، والأكثر تقدمًا هو من يمتلك التكنولوجيا والسلاح والتحالفات، أما الطرف المهزوم فعليه أن يتعلم من المنتصر وأن يعيد تعريف نفسه وفق شروطه.

لكن هذا التصور للتاريخ هو تحديدًا ما يستدعي فالتر بنيامين.

فالتر بنيامين في مواجهة «قطار التقدم»

كان فالتر بنيامين شديد الحساسية تجاه التصور الذي يرى التاريخ خطًا مستقيمًا يتقدم باستمرار نحو مستقبل أفضل. ففي قراءته، لا يمكن النظر إلى ما يسمى «التقدم» بمعزل عن الحطام الذي يتركه وراءه.

إن التاريخ، من هذه الزاوية، ليس قطارًا انطلق بالفعل وعلى المهزومين أن يبحثوا عن مقعد داخله. وليس من الضروري أن تكون القوة دليلًا على صحة المسار الذي تسلكه.

لذلك تصبح لحظة الهزيمة لحظة خطرة مرتين: ليس فقط لأن المهزوم خسر معركة في الحاضر، بل لأن المنتصر قد يحاول إعادة كتابة الماضي بحيث تبدو هزيمة خصمه وكأنها نتيجة طبيعية ومتوقعة، بل وربما مستحقة.

وهذا هو الجانب الأكثر إشكالية في النتنياهوية العربية: حين تتحول الهزيمة العربية أو الضعف العربي إلى حجة لإعادة تعريف التاريخ كله من وجهة نظر المنتصر.

بين الاعتراف بالقوة وتحويلها إلى قدر

لا مشكلة في القول إن إسرائيل تمتلك قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، أو أن لها نفوذًا واسعًا في النظام الدولي. هذه وقائع يمكن بحثها وتحليلها ومناقشة أسبابها ونتائجها.

لكن الانتقال من هذا الوصف إلى استنتاج أن التفوق الإسرائيلي يثبت أن النموذج الإسرائيلي هو النموذج الصحيح للمنطقة، يمثل قفزة فكرية مختلفة تمامًا.

فالواقع لا يتحول إلى حقيقة أبدية لمجرد أنه قائم، وموازين القوى ليست قوانين طبيعية لا يمكن تغييرها.

والأخطر أن تتحول هذه الرؤية إلى طريقة لإعادة تعريف المجتمعات العربية: من مجتمعات تمتلك تاريخها وأسئلتها وصراعاتها الخاصة، إلى مجتمعات متأخرة لا يُسمح لها بالدخول إلى «المستقبل» إلا من بوابة النموذج الإسرائيلي.

لحظة الخطر

في هذا السياق، يمكن فهم الفرق بين مسارين متعارضين في التعامل مع التاريخ.

الأول يرى أن الحاضر مفتوح، وأن ما يبدو حتميًا اليوم قد لا يكون كذلك غدًا، وأن وظيفة السياسة هي توسيع مساحة الممكن.

والثاني ينطلق من الواقع القائم ليقول إن ما حدث كان لا بد أن يحدث، وإن موازين القوة الحالية تكشف وحدها الاتجاه الصحيح للتاريخ.

في الحالة الأولى، تبقى الهزيمة موضوعًا للنقد والمراجعة وإعادة البناء.

أما في الثانية، فقد تتحول الهزيمة إلى هوية، ويتحول المنتصر إلى مرجع، ويصبح المطلوب من المهزوم ليس تغيير شروط الواقع فحسب، وإنما الإقرار بأن شروط هزيمته كانت صحيحة من الأساس.

المفارقة الأخيرة

ربما تكشف إحدى المفارقات التي ظهرت في خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة شيئًا من هذا المنطق. فعندما هاجم فرنسا وبريطانيا على خلفية اتهام إسرائيل بالاستعمار، بدا وكأن التاريخ الاستعماري للدولتين عاد فجأة ليصبح حجة في سجاله السياسي.

المفارقة أن الخطاب الذي يريد تثبيت إسرائيل بوصفها القوة التي تمثل المستقبل، يجد نفسه مضطرًا في الوقت ذاته إلى استدعاء ماضي القوى الاستعمارية الأوروبية للدفاع عن شرعيته.

وهذه مفارقة أوسع من شخص نتنياهو نفسه.

فالنتنياهويون العرب، في نهاية المطاف، لا يكتفون بالإعجاب بقوة إسرائيل، بل يميلون إلى تبني سردية ترى في هذه القوة دليلًا على اتجاه التاريخ نفسه.

وهنا تحديدًا يصبح السؤال الذي طرحه فالتر بنيامين أكثر إلحاحًا: هل التاريخ طريق واحد يسير فيه المنتصرون إلى الأمام، وعلى الجميع اللحاق بهم؟ أم أن ما نسميه تقدمًا قد يخفي وراءه حطامًا، وأن المستقبل لا يصبح ملكًا لأحد لمجرد أنه امتلك القوة في الحاضر؟

ربما لا تكون المسألة، في جوهرها، اختيارًا بين برنامجين سياسيين بقدر ما هي خلاف حول معنى العيش داخل التاريخ: هل نقبل الواقع بوصفه قدرًا نهائيًا، أم نراه لحظة قابلة للتغيير، مهما بدا ميزان القوى مختلًا؟