هل تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي الصينية مواصلة سياسة الأسعار المنخفضة؟

هل تستطيع شركات الذكاء الاصطناعي الصينية مواصلة سياسة الأسعار المنخفضة؟

المؤشر 25-08-2026   أثبتت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية خلال الفترة الماضية قدرتها على تطوير نماذج متقدمة بتكلفة منخفضة، في تطور وضع ضغوطاً إضافية على شركات وادي السيليكون. لكن استراتيجية خفض الأسعار قد تتحول في الوقت نفسه إلى تحدٍ كبير أمام الشركات الصينية نفسها، مع تزايد صعوبة تحقيق عوائد مجزية من هذه النماذج.

وأعادت شركة «ديب سيك» (DeepSeek) النقاش حول مستقبل حرب الأسعار بعدما أعلنت عن تسعيرة جديدة لنموذجيها الأحدث «V4-Pro» و«V4-Flash». وتختلف الأسعار الجديدة بحسب فترات الاستخدام، إذ ترتفع الرسوم خلال ساعات الذروة مقارنة بالفترات التي يكون فيها الطلب أقل.

وجاء الإعلان بعد تحذيرات للعملاء من احتمال حدوث زيادة ملحوظة في تكلفة الخدمات، في خطوة قد تعكس رغبة الشركة في التعامل مع ارتفاع الطلب وضغوط البنية التحتية الحاسوبية.

رفع الأسعار لا يعني نهاية المنافسة

قد تبدو زيادة أسعار «ديب سيك» مؤشراً على بداية تراجع حرب الأسعار، لكن من المبكر اعتبارها تحولاً دائماً في السوق.

فخلال أكثر من عام ونصف العام، ركزت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية على إثبات قدرتها على تطوير نماذج تنافس أحدث التقنيات العالمية. إلا أن التحدي الأكبر أصبح يتمثل في تحويل هذه القدرات التقنية إلى أعمال مربحة.

ويُقدر عدد نماذج اللغة الكبيرة المتاحة في الصين بنحو ألف نموذج، وفق روبرت ليا من «بلومبرغ إنتليجنس»، ما يعكس شدة المنافسة بين الشركات على جذب العملاء، خصوصاً من خلال تقديم خدمات معالجة البيانات بأسعار منخفضة للغاية.

حتى بعد الزيادة الأخيرة، لا تزال أسعار «ديب سيك» أقل بكثير من مستويات التسعير لدى بعض الشركات الأميركية الكبرى. فخارج أوقات الذروة، يبلغ سعر مليون رمز إدخال في نموذج «V4 Flash» نحو 0.22 دولار، مقابل 0.66 دولار لمليون رمز إخراج. وترتفع الأسعار إلى الضعف خلال فترات الذروة.

وكانت الشركة تتقاضى سابقاً 0.14 دولار لمليون رمز إدخال و0.28 دولار لمليون رمز إخراج.

وللمقارنة، تفرض «أنثروبيك» أسعاراً أعلى بكثير على نموذجها المتقدم، تصل إلى 10 دولارات لمليون رمز إدخال و50 دولاراً لمليون رمز إخراج.

لكن استمرار المنافسة يجعل قدرة الشركات على رفع الأسعار محدودة، إذ أصبح العملاء أمام خيارات عديدة بفضل موجة النماذج الجديدة التي ظهرت في السوق خلال الأشهر الأخيرة.

النماذج المفتوحة تعقد معادلة الربحية

تزداد المشكلة تعقيداً مع انتشار النماذج مفتوحة المصدر، التي تسمح للمطورين والشركات بالوصول إلى التقنيات الأساسية واستخدامها بتكلفة منخفضة أو في بعض الحالات دون رسوم مباشرة.

كما أن دعم الحكومة الصينية لهذا الاتجاه يجعل التخلي عنه أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات، حتى عندما تكون الأسعار المنخفضة أقل جاذبية من الناحية التجارية.

ولهذا بدأت الشركات البحث عن طرق أخرى لتحقيق الإيرادات، بدلاً من الاعتماد حصراً على رفع أسعار استخدام النماذج.

تقاسم الإيرادات كبديل لرفع الأسعار

برزت شركة «مونشوت» (Moonshot) كأحد الأمثلة على هذا الاتجاه، بعد إطلاق نموذجها «Kimi K3» الشهر الماضي.

وطرحت الشركة النموذج عبر واجهة برمجة التطبيقات بسعر يُعد مرتفعاً نسبياً وفق المعايير الصينية، عند 3 دولارات لكل مليون رمز إدخال و15 دولاراً لكل مليون رمز إخراج.

لكن اللافت كان في شروط الترخيص، إذ يتعين على الشركات التي تقدم «Kimi K3» كخدمة وتحقق إيرادات تتجاوز 20 مليون دولار خلال فترة 12 شهراً الدخول في اتفاق تجاري مع «مونشوت».

ولم تكشف الشركة عن تفاصيل آلية تقاسم الإيرادات المحتملة، إلا أن تقارير أشارت إلى أن مجموعة «علي بابا» تدرس تطبيق نموذج مشابه مع نموذجها «Qwen 3.8 Max».

وتحاول هذه الآلية السماح للشركات بالاستفادة مالياً من القيمة التي تولدها نماذجها، مع إبقاء التكنولوجيا الأساسية متاحة للمطورين. لكنها في المقابل قد تحمل مخاطر، إذ يمكن أن يتجه المطورون إلى نماذج منافسة إذا أصبحت الشروط التجارية أكثر تعقيداً أو تكلفة.

أين ستتركز القيمة الحقيقية؟

تطرح هذه التطورات سؤالاً أوسع حول مكان القيمة الاقتصادية في صناعة الذكاء الاصطناعي.

فإذا أصبحت النماذج القوية متاحة على نطاق واسع، وتحوّل استخدام الرموز إلى خدمة يمكن الحصول عليها بسهولة من عدة مزودين، فقد تتراجع قدرة الشركات على تحقيق هوامش ربح كبيرة من النموذج الأساسي نفسه.

في هذه الحالة، قد تنتقل القيمة إلى قطاعات أخرى، مثل أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، والأجهزة، والتطبيقات، والخدمات التي تربط الذكاء الاصطناعي باحتياجات الشركات والعملاء.

وهذا يمثل تحدياً مهماً أمام مطوري النماذج الذين ينفقون مليارات الدولارات لبناء أنظمة أكثر قوة، إذ قد لا يكون التفوق التقني وحده كافياً لضمان عائد اقتصادي مرتفع.

حرب الأسعار تتجاوز الصين

لم تعد المنافسة على خفض أسعار الذكاء الاصطناعي مقتصرة على الشركات الصينية. فقد اتجهت شركات أميركية أيضاً إلى تخفيض تكلفة استخدام بعض نماذجها، بالتزامن مع ظهور نماذج صينية أرخص.

كما دفعت المنافسة الجديدة شركات تكنولوجية كبرى، من بينها «إنفيديا» و«ميتا»، إلى الاستثمار في نماذج أميركية مفتوحة ومنخفضة التكلفة، في محاولة للحفاظ على قدرتها التنافسية أمام التطور السريع في الصين.

وفي المقابل، يزيد هذا الضغط من حاجة الشركات الصينية إلى مواصلة تقديم نماذج ذات أداء قوي بأسعار جذابة.

انخفاض الأسعار قد يعيد توزيع مكاسب الصناعة

قد تراهن شركات الذكاء الاصطناعي على أن تطوير نماذج أكثر قوة سيمنحها القدرة على فرض أسعار أعلى، لكن سلوك العملاء قد يسير في اتجاه مختلف.

فمع كل جيل جديد من النماذج، تتحسن القدرات، بينما تصبح النماذج الأقدم أقل تكلفة. كما أن الشركات لا تحتاج دائماً إلى استخدام أكثر النماذج تطوراً لتنفيذ المهام اليومية والروتينية.

ويبرز تطوير البرمجيات كأحد المجالات الرئيسية التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وتشير تقديرات إلى أن ما بين ثلث ونصف استخدام الرموز يرتبط بهذا القطاع.

لكن إذا استمرت تكلفة الذكاء الاصطناعي في الانخفاض مع توسع استخدامه، فقد تنتقل المكاسب الاقتصادية بعيداً عن مطوري النماذج أنفسهم، لتظهر بشكل أكبر لدى شركات البنية التحتية والتطبيقات والخدمات.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المعركة الحقيقية حول الشركة التي تطور النموذج الأقوى، وإنما حول الجهة التي تستطيع تحويل هذا الذكاء الرخيص إلى قيمة اقتصادية مستدامة.