الدولار تحت الضغط.. عودة رهانات خفض قيمة العملة
المؤشر 25-08-2026 عاد القلق بشأن مستقبل الدولار الأميركي إلى الواجهة في الأسواق المالية، مع تزايد المخاوف المرتبطة بالوضع المالي والسياسي في الولايات المتحدة. ودفع ذلك بعض المستثمرين إلى تنويع مراكزهم والبحث عن بدائل للعملة الأميركية، ما ساهم في تعزيز الإقبال على الذهب و«بتكوين».
ويُطلق في أوساط وول ستريت على هذا التوجه اسم «تجارة خفض قيمة العملة»، في إشارة إلى استراتيجية يسعى من خلالها المستثمرون إلى حماية أموالهم من مخاطر تراجع قيمة العملات أو الأصول المرتبطة بها.
ويستند المصطلح إلى ممارسة قديمة لجأ إليها حكام وإمبراطوريات تاريخية، تمثلت في تقليل قيمة العملات المعدنية من خلال خفض نسبة المعادن النفيسة فيها واستبدال جزء منها بمعادن أقل تكلفة.
ورغم أن بعض المستثمرين والاقتصاديين يشككون في وجود موجة واسعة بالفعل للتخلي عن الدولار، فإن مؤيدي هذه الرؤية يرون أن المخاوف تتزايد، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الدين الأميركي وتنامي تكلفة خدمته.
تحركات الخزانة تعيد المخاوف إلى الأسواق
ساهمت تحركات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في إعادة النقاش حول مستقبل الدولار إلى دائرة الضوء. فقد دعمت واشنطن الين الياباني في سوق العملات، بالتزامن مع توجه وزارة الخزانة إلى زيادة عمليات إعادة شراء بعض السندات الحكومية طويلة الأجل بهدف الحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأثارت هذه الخطوات تساؤلات بين المستثمرين بشأن إمكانية انتقال الضغوط من سوق السندات إلى سوق العملات، خصوصاً إذا استمرت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل في الارتفاع.
ويرى محللون أن محاولة احتواء ارتفاع عوائد السندات دون معالجة العجز المالي المتزايد قد تضعف الدولار بدلاً من معالجة أصل المشكلة.
ما المقصود بتجارة خفض قيمة العملة؟
تعتمد هذه الاستراتيجية على تقليل التعرض للعملات أو الأصول التي قد تتأثر سلباً بالاضطرابات السياسية والمالية، مقابل زيادة الاستثمار في أصول يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة.
ويأتي الذهب في مقدمة هذه الأصول، إلى جانب العملات المشفرة بالنسبة لبعض المستثمرين، رغم اختلاف طبيعة المخاطر المرتبطة بها وارتفاع مستويات تقلبها.
اكتسب هذا التوجه زخماً خلال 2025، مع تصاعد تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية وتزايد المخاوف بشأن الاقتصاد والعجز المالي. وسجل الدولار خلال العام الماضي أسوأ أداء سنوي له منذ 2017، بعدما تراجع بنحو 10%، بينما ارتفع الذهب بنحو 65%.
وفي بداية 2026، استعاد الدولار جزءاً من قوته مع تفاؤل الأسواق بشأن اختيار كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعدما أكد أن استقرار الأسعار سيكون في مقدمة أولوياته، وهو ما عزز التوقعات بسياسة نقدية أكثر دعماً للعملة.
لماذا عاد الحديث عن ضعف الدولار؟
ساهمت خطوتان اتخذتهما وزارة الخزانة في تجدد المخاوف بشأن احتمال ضعف الدولار.
الأولى تمثلت في مساعدة اليابان على دعم عملتها من خلال التدخل في أسواق الصرف، في تحرك اعتُبر الأول من نوعه منذ عقود، حتى وإن تم عبر بيع اليورو بدلاً من الدولار.
أما الخطوة الثانية، فجاءت مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل بفعل المخاوف المتعلقة بالتضخم والوضع المالي. وأعلنت وزارة الخزانة خططاً لزيادة عمليات إعادة شراء السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً.
ويخشى بعض المحللين من أن يؤدي الحد من ارتفاع عوائد السندات دون معالجة العجز المالي إلى انتقال الضغوط إلى سوق العملات، بحيث يصبح انخفاض الدولار وسيلة لامتصاص جزء من الاختلالات.
وحذر روبن بروكس، الزميل البارز في معهد بروكينغز، من أن هذه السياسة قد تنقل المخاطر من سوق السندات إلى العملة، بما يفتح الباب أمام أزمة في سعر الصرف بدلاً من أزمة ديون تقليدية.
كما زادت التكهنات بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة الأميركية من الضغوط على الدولار، مع تزايد الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتبنى مساراً أقل تشدداً مما كان متوقعاً.
الدين الأميركي يظل مصدر القلق الأكبر
تعود المخاوف الأساسية بشأن الدولار إلى الارتفاع الكبير في الدين الحكومي الأميركي، الذي تجاوز 40 تريليون دولار.
وكانت الولايات المتحدة قد لجأت إلى الاقتراض على نطاق واسع خلال جائحة كورونا لتفادي ركود اقتصادي عميق، قبل أن يؤدي تدفق السيولة إلى زيادة الطلب وارتفاع التضخم.
ورد الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بقوة، وهو ما ساعد على احتواء التضخم، لكنه في الوقت نفسه رفع تكلفة خدمة الدين الحكومي.
ومع ارتفاع مدفوعات الفائدة، تضيق مساحة المناورة أمام الحكومة الأميركية، سواء فيما يتعلق بالإنفاق أو تحفيز الاقتصاد. وقد يؤدي استمرار هذا الوضع إلى إبطاء النمو وزيادة الضغوط على العملة الأميركية.
وفي هذا السياق، دعا المستثمر راي داليو إلى تقليل الانكشاف على السندات الأميركية والاحتفاظ بجزء من الاستثمارات في الذهب و«بتكوين»، باعتبارهما أدوات تحوط محتملة أمام مخاطر أزمة ديون.
وتتزايد كذلك التكهنات بشأن موقف إدارة الرئيس دونالد ترمب ووزير الخزانة من مستوى الدولار، وسط اعتقاد لدى بعض المستثمرين بأنهما قد يكونان أكثر ارتياحاً لعملة أميركية أضعف، رغم تأكيداتهما العلنية على دعم سياسة الدولار القوي.
الذهب المستفيد الأبرز
يظل الذهب أحد أهم الخيارات التي يلجأ إليها المستثمرون في فترات عدم اليقين، باعتباره أصلاً لا يرتبط مباشرة بقرارات الحكومات أو البنوك المركزية من حيث حجم المعروض.
ورغم أن المعدن النفيس لا يشكل تحوطاً مثالياً ضد التضخم في جميع الفترات، فإنه يُنظر إليه على المدى الطويل باعتباره مخزناً للقيمة، خصوصاً أن المعروض منه تحكمه عوامل جيولوجية أكثر من ارتباطه بالسياسات الحكومية.
كما يستفيد الذهب عادة من ضعف الدولار، إذ يصبح شراء المعدن أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
وتعزز الطلب على الذهب أيضاً مع استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها منه، في إطار مساعي بعض الدول لتنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الأصول المرتبطة بالدولار.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية إضافية في ظل استخدام النظام المالي العالمي كأداة ضغط جيوسياسي، خاصة بعد العقوبات التي استهدفت احتياطيات روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.
هل توجد فعلاً تجارة واسعة لخفض قيمة العملة؟
رغم كل هذه المؤشرات، لا يتفق جميع المستثمرين مع فكرة وجود تحول واسع النطاق بعيداً عن الدولار.
ويستند المشككون إلى استمرار الطلب العالمي على سندات الخزانة الأميركية، معتبرين أن احتفاظ المستثمرين الدوليين بمراكز ضخمة في الأصول المقومة بالدولار لا يتوافق مع سيناريو التخارج الجماعي من العملة الأميركية.
كما أن استمرار قوة سوق الأسهم الأميركية يمثل عاملاً آخر يصعب تجاهله، إذ يحتاج المستثمر الأجنبي إلى شراء الدولار عندما يوجه أمواله إلى الأسهم الأميركية.
وبالتالي، يبقى الجدل قائماً بين من يرى أن الأسواق بدأت فعلاً في بناء مراكز تحوط تحسباً لتراجع قيمة الدولار، ومن يعتبر أن التحركات الأخيرة لا تتجاوز كونها إعادة توزيع مؤقتة للاستثمارات في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي.



