واشنطن في مواجهة بكين.. مكاسب معلنة وتحديات يصعب احتواؤها

واشنطن في مواجهة بكين.. مكاسب معلنة وتحديات يصعب احتواؤها

المؤشر 25-08-2026  تدخل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة أكثر تعقيدا، فبينما تعتبر واشنطن تراجع الواردات المباشرة من الصين مؤشرا على نجاح ضغوطها التجارية، تكشف حركة التجارة العالمية عن استمرار وصول المنتجات الصينية إلى السوق الأميركية عبر دول وسيطة، ما يحد من تأثير الإجراءات الجمركية.

وانخفضت الواردات الأميركية المباشرة من الصين بنحو 40% حتى يونيو/حزيران مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، لكن ذلك لم يمنع السلع الصينية من الوصول إلى المستهلك الأميركي عبر مسارات تجارية بديلة.

إعادة توجيه السلع عبر دول وسيطة

أقرت الإدارة الأميركية بأن تراجع الواردات المباشرة لا يعكس الصورة كاملة، بعدما خلصت وزارة التجارة إلى أن بضائع صينية بقيمة تقارب 67 مليار دولار أعيد شحنها عبر المكسيك والهند وفيتنام خلال عام 2025.

وحذّر تقرير صادر عن البيت الأبيض من ظاهرة أطلق عليها اسم «خدعة إعادة الشحن الكبرى»، مشيرا إلى دخول منتجات ومكونات صينية، بينها الألمنيوم والبلاستيك والصمامات، إلى الولايات المتحدة عبر دول أخرى، في محاولة لتجنب الرسوم والقيود التجارية.

وفي إطار مواجهة هذه الممارسات، لجأت الإدارة الأميركية إلى أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الشحنات ورصد مسارات السلع، بهدف تحديد المنتجات التي يعاد توجيهها واتخاذ إجراءات ضد الشركات المخالفة.

لكن هذه الإجراءات تواجه سؤالا أوسع يتعلق بمدى قدرة السياسة التجارية الأميركية على معالجة جذور الاختلال في الميزان التجاري، خصوصا أن الرسوم لم تؤد حتى الآن إلى خفض إجمالي فاتورة الواردات الأميركية بالمستوى المتوقع، في الوقت الذي واصلت فيه الصادرات الصينية توسعها.

اليوان في قلب الخلاف

يرى عدد من الاقتصاديين أن جزءا من المشكلة يرتبط بسعر صرف العملة الصينية، إذ إن انخفاض قيمة اليوان يعزز القدرة التنافسية للصادرات الصينية ويسهم في استمرار الفائض التجاري الكبير لبكين.

ويعتبر محللون أن ضعف العملة الصينية لا يرتبط فقط بالسياسة النقدية، بل يعكس اختلالات اقتصادية أعمق، من بينها ضعف الاستهلاك المحلي في الصين، إلى جانب العجز المالي المرتفع في الولايات المتحدة.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الخلل التجاري قد تتطلب تحركا يتجاوز فرض الرسوم الجمركية، بحيث يشمل ضغوطا دولية لإعادة النظر في سياسات أسعار الصرف وتشجيع الصين على زيادة الطلب المحلي، بالتوازي مع معالجة واشنطن لاختلالاتها المالية.

وتستند هذه الرؤية إلى تجارب تاريخية، أبرزها اتفاق بلازا في ثمانينيات القرن الماضي، الذي ساهم في ارتفاع قيمة الين الياباني وساعد على تقليص الاختلال التجاري بين الولايات المتحدة واليابان. كما ارتبط ارتفاع قيمة اليوان بعد الأزمة المالية العالمية بتراجع الفائض التجاري الصيني لفترة، قبل أن تعاود العملة التراجع منذ عام 2023 بالتزامن مع اتساع الفائض.

دعوات لتحرك دولي أوسع

ويطرح بعض الخبراء فكرة تنسيق أميركي وأوروبي للضغط باتجاه إعادة تقييم العملات الآسيوية، بما في ذلك اليوان والوون الكوري والين الياباني والدولار التايواني، بهدف الحد من الضغوط التنافسية التي تواجه الصناعات الغربية.

وتملك واشنطن، بموجب المادة 301 من قانون التجارة، أدوات يمكن استخدامها ضد الدول التي ترى أنها تتعمد خفض قيمة عملاتها، بينما تستطيع أوروبا اللجوء إلى آليات وقواعد منظمة التجارة العالمية.

إلا أن التحدي الأكبر يبدو سياسيا أكثر منه فنيا، إذ إن أي مواجهة مباشرة مع الصين في ملف العملة قد تفتح جبهة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم، خصوصا بعد التوترات التي أثارتها قضية المعادن النادرة.

الشركات الأميركية تفقد بريقها في الصين

ولا تقتصر تداعيات التوتر بين واشنطن وبكين على التجارة الخارجية، بل تمتد إلى الشركات الأميركية العاملة داخل السوق الصينية، التي لم تعد بالنسبة إلى كثير من العلامات العالمية السوق المضمونة التي كانت عليها خلال السنوات الماضية.

وفقدت نايكي نحو 30% من نشاطها في السوق الصينية منذ عام 2021، لتصل إيراداتها هناك إلى أدنى مستوى لها في ثماني سنوات، بينما تواجه ستاربكس منافسة قوية من شركة «لوكين كوفي»، التي توسعت بعدد فروع يفوق منافستها الأميركية وبأسعار أكثر انخفاض

أما جنرال موتورز، فقد تراجع أداؤها في الصين بصورة حادة، بعدما تحولت من تحقيق أرباح قاربت ملياري دولار في 2018 إلى تسجيل خسائر متتالية خلال عامي 2024 و2025، بالتزامن مع صعود شركات صينية مثل BYD وGeely.

المستهلك الصيني يفضل العلامات المحلية

وتشهد السوق الصينية تحولا واضحا في سلوك المستهلك، مع تنامي الإقبال على المنتجات المحلية، مدفوعا بمزيج من الاعتزاز بالمنتج الوطني وتطور قدرات الشركات الصينية على الابتكار وتقديم منتجات تنافسية بأسعار أقل.

وأدى هذا التحول إلى إعادة رسم خريطة المنافسة في عدد من القطاعات، من الملابس والأحذية الرياضية إلى مستحضرات التجميل والسيارات.

وبذلك، تبدو المعركة التجارية بين واشنطن وبكين أبعد من مجرد أرقام الواردات والرسوم الجمركية؛ فهي تتعلق أيضا بمسارات التجارة العالمية، وسعر صرف العملة، وقدرة الشركات الأميركية على الحفاظ على حضورها في واحد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.