الذكاء الاصطناعي يربك بيئة العمل ويزيد التوتر بين الموظفين

الذكاء الاصطناعي يربك بيئة العمل ويزيد التوتر بين الموظفين

المؤشر 24-08-2026   لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصراً على طبيعة الوظائف والمهام التي يؤديها الموظفون، بل بدأ يغير أيضاً طريقة تواصلهم وعلاقاتهم داخل أماكن العمل، وسط تزايد الشكوك حول مصدر الأعمال وجودتها، وتصاعد المخاوف من فقدان الوظائف.

وتكشف تجارب عدد من العاملين والمديرين عن مواقف غير مألوفة فرضتها أدوات الذكاء الاصطناعي، وصلت في بعض الحالات إلى صعوبة التواصل مع زملاء أو شركاء عمل بسبب اعتمادهم المفرط على أنظمة آلية تتولى إدارة البريد والرسائل.

وفي إحدى الحالات في شيكاغو، وجدت مديرة مشاريع نفسها عاجزة عن الوصول إلى خبير في الذكاء الاصطناعي كانت تعمل معه بعد أن تولت أدوات آلية إدارة بريده الوارد، لتبدأ تلك الأدوات في حجب رسائل واتصالات مهمة. ومع تعطل التواصل وتأخر تنفيذ التزامات تجاه أحد العملاء، أصبحت المديرة تبحث حتى عن فعاليات يشارك فيها الرجل أملاً في الوصول إليه شخصياً.

وتقول المديرة إن هذه التجربة جعلتها تتساءل في لحظة ما عما إذا كانت تتعامل مع شخص حقيقي أم مع نظام آلي، مؤكدة أنها تفضل التعامل مع إنسان قد يخطئ أو يتأخر على محاولة التواصل مع آلة.

أزمة ثقة بين الزملاء

ومع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي منذ إطلاق ChatGPT على نطاق واسع في 2022، بات الموظفون يواجهون واقعاً جديداً لم تضع له كثير من المؤسسات قواعد واضحة.

هذا الغياب التنظيمي يترك الموظفين أمام رسائل متناقضة؛ فقد يشجع المدير على استخدام التقنية لتسريع الإنجاز، بينما ينظر زملاء آخرون إلى الأمر باعتباره اختصاراً للجهد أو دليلاً على عدم قيام الموظف بعمله بنفسه.

وتروي موظفة موارد بشرية في لندن تجربة مشابهة، بعدما أثنى أحد زملائها على رسالة أعدتها ثم سألها مباشرة عما إذا كانت استعانت بـChatGPT في كتابتها. ورأت الموظفة في السؤال تقليلاً من قيمة مهاراتها وجهدها، خصوصاً أنها أكدت أنها كتبت الرسالة بنفسها.

وتكتسب هذه الشكوك أهمية أكبر في ظل نتائج تجربة أجرتها شركة Atlassian على 1000 موظف أميركي، خلصت إلى أن الأشخاص الذين يصرحون باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل يُنظر إليهم على أنهم أكثر كسلاً، وتقل فرص ترشيحهم لمشروعات مهمة.

"العمل الرديء" الناتج عن الذكاء الاصطناعي

ولا تتوقف المشكلة عند الشك في مهارات الموظفين، إذ أصبح كثير من العاملين يواجهون ما يوصف بـ"workslop"، أي محتوى تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعي ويبدو جيداً من الناحية الشكلية، لكنه يفتقر إلى الدقة أو القيمة الفعلية.

ووفق دراسة أجرتها BetterUp بالتعاون مع مختبر ستانفورد لوسائل التواصل الاجتماعي في سبتمبر 2025، قال نحو 40% من موظفي المكاتب في الولايات المتحدة إنهم يتلقون هذا النوع من المحتوى، ما يضطرهم إلى قضاء ساعات إضافية في مراجعته وتصحيح أخطائه.

وتقول كيم بودي، الرئيسة التنفيذية لشركة اتصالات في ميشيغان، إنها خسرت نحو 10 آلاف دولار في إحدى المهام بعد الاستعانة بمقاول قدم محتوى احتاج إلى إعادة كتابة شاملة، معتبرة أن الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي أدى إلى تراجع واضح في جودة العمل وأصبح مصدراً للتوتر بين الزملاء.

وفي السياق ذاته، يرى مسؤولون في شركات تقنية أن ضغط الإدارات على الموظفين لزيادة الإنتاجية قد يدفع البعض إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد إثبات أنهم يستخدمونه، حتى عندما لا يكون ذلك مفيداً للمهمة.

مخاوف متزايدة على الوظائف

ويتزامن هذا الاضطراب مع تنامي القلق بشأن مستقبل الوظائف. وأظهر استطلاع لشبكة CNBC أن نحو موظف واحد من كل خمسة يشعر بأن وظيفته أصبحت أقل أماناً بسبب الذكاء الاصطناعي، فيما أصبح نحو ثلث العاملين أكثر تشاؤماً بشأن سوق العمل نتيجة انتشار هذه التقنية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الشركات إلى رفع الإنتاجية وخفض التكاليف، يجد الموظفون أنفسهم مطالبين بإنجاز المزيد بموارد أقل، مع ترك مسؤولية اكتشاف طرق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي للأفراد في كثير من الحالات.

غير أن العائد من هذه الاستثمارات لا يبدو واضحاً دائماً. فقد أشارت تقارير بحثية إلى أن عدداً من الشركات التي قلصت وظائفها لصالح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم تحقق حتى الآن عوائد ملموسة تتناسب مع حجم الإنفاق.

كما يحذر بعض المسؤولين التنفيذيين من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج وثائق طويلة ومعقدة لا تضيف قيمة حقيقية، إذ قد تبدو النصوص في ظاهرها احترافية، لكنها عند التدقيق تحتوي على قدر كبير من الحشو الذي يتحمل زملاء آخرون مهمة مراجعته وفهمه.

عندما يحل الذكاء الاصطناعي محل الحوار

ومن أكثر مظاهر التغيير إثارة للجدل استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيط في العلاقات المهنية.

فبعض الموظفين أصبحوا يوجهون زملاءهم إلى سؤال أدوات الذكاء الاصطناعي بدلاً من طرح الأسئلة عليهم مباشرة، سواء لتوفير الوقت أو لتشجيع الآخرين على الاعتماد على أنفسهم.

لكن هذه الممارسة قد تحمل أثراً سلبياً، إذ يرى خبراء في الإدارة أن الشخص الذي يطلب المساعدة من زميله غالباً ما يبحث عن خبرته وحكمه المهني، وليس مجرد إجابة يمكن الحصول عليها من محرك بحث أو روبوت محادثة.

كما تحذر دراسات إدارية من أن استخدام الذكاء الاصطناعي بديلاً عن التواصل البشري قد يضر بالعلاقات داخل فرق العمل. وأظهرت أبحاث أجرتها BetterUp Labs بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية أن استخدام القادة للذكاء الاصطناعي بدلاً من إجراء محادثات التطوير والتوجيه مع الموظفين يرتبط بارتفاع نوايا الاستقالة والاحتراق الوظيفي، إلى جانب تراجع التنسيق بين أفراد الفريق.

أخطاء تقنية تكشف حساسية المعلومات

وتظهر تحديات أخرى عندما تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة في الاجتماعات والتواصل الداخلي.

ففي شركة هندسية بالعاصمة واشنطن، لاحظ الموظفون أن أداة Copilot التابعة لمايكروسوفت أضافت خاصية لتسجيل الاجتماعات وتفريغها نصياً، مع مشاركة المحاضر مع الأشخاص المدرجين في قائمة الحضور.

وأثارت الخاصية مخاوف بعدما تضمنت بعض الاجتماعات نقاشات حساسة وملاحظات على أداء الموظفين لم تكن معدة للتوزيع بهذه الصورة. واضطرت إدارة الموارد البشرية إلى التدخل في عدد من الحالات بسبب فقدان بعض الملاحظات للسياق عند تحويلها إلى نص مكتوب.

ودفعت هذه التجربة الشركة إلى وضع قاعدة تقضي بعدم تشغيل أدوات تدوين الاجتماعات إلا بعد موافقة المشاركين عليها مسبقاً، مع تشجيع الموظفين على تدوين ملاحظاتهم بأنفسهم عند الحاجة.

تقنية جديدة تضيف طبقة أخرى من التعقيد

ورغم كل هذه المخاوف، لا يوجد إجماع بين الموظفين على أن الذكاء الاصطناعي جعل بيئة العمل أسوأ.

فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة Gallup في فبراير وشمل أكثر من 23 ألف شخص، قال نحو نصف العاملين في المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إن ثقافة العمل تغيرت خلال العام السابق. وانقسمت الآراء تقريباً بالتساوي بين من رأوا أن التغيير كان سلبياً ومن اعتبروه إيجابياً.

ويرى خبراء في الإدارة أن جزءاً من المشكلات الحالية لا يعود بالضرورة إلى الذكاء الاصطناعي نفسه، بل إلى مرحلة الانتقال إلى تقنية جديدة من دون قواعد واضحة تحكم استخدامها.

فالخلافات بين المديرين والموظفين، وسوء التواصل، والزملاء غير المتعاونين، والاختلاف حول جودة العمل كانت موجودة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي. إلا أن التقنية أضافت طبقة جديدة إلى هذه المشكلات، وفرضت على العاملين تعلم قواعد جديدة للتعامل معها.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز العمل، وإنما بكيفية الحفاظ على الثقة والتواصل والحكم البشري في بيئة عمل تتزايد فيها الأدوات الآلية يوماً بعد يوم.