قراءة قانونية في تعديلات قانون الانتخابات الفلسطيني: مرونة إجرائية أم تضييق للمشاركة السياسية؟

قراءة قانونية في تعديلات قانون الانتخابات الفلسطيني: مرونة إجرائية أم تضييق للمشاركة السياسية؟

 المؤشر 13-08-2026   

الكاتب: د. حسين عبد الرحمن حماد

شهد الإطار التشريعي المنظم للانتخابات الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة تغيرات متسارعة، تعكس حجم التعقيدات القانونية والسياسية المحيطة بالعملية الانتخابية. فبعد إقرار القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026 وما أثاره من نقاشات، صدر في 6 أغسطس/آب 2026 قرار بقانون جديد ألغى التشريع السابق وأعاد العمل بالقانون رقم (1) لسنة 2007 وتعديلاته، مع إدخال مجموعة من التغييرات المهمة على أحكامه.

وتطرح هذه التعديلات جملة من الأسئلة المتعلقة بمدى تحقيقها التوازن بين المتطلبات العملية لإجراء الانتخابات وبين ضمان الحق في المشاركة السياسية، ولا سيما في ضوء المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حق المواطنين في المشاركة والانتخاب والترشح دون قيود غير معقولة.

تعديلات إجرائية لتسهيل العملية الانتخابية

ركز القرار بقانون الجديد بدرجة كبيرة على الجوانب الإجرائية والتنفيذية، في محاولة لمعالجة عدد من العقبات التي قد تواجه إجراء الانتخابات في الظروف الفلسطينية الراهنة.

ومن أبرز هذه التعديلات إعادة تنظيم العلاقة الزمنية بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية. إذ أصبح بالإمكان إجراء الاستحقاقين في مواعيد منفصلة عندما يتعذر تنظيمهما في الوقت ذاته لأسباب إجرائية، مع منع الجمع بين الترشح للمنصبين في آن واحد.

كما منح التشريع لجنة الانتخابات المركزية مساحة أوسع لوضع الآليات المناسبة لتمكين المواطنين في القدس وقطاع غزة من التسجيل والاقتراع، بالنظر إلى الظروف السياسية والجغرافية الخاصة التي تحيط بهما.

وتشمل التعديلات أيضاً تقليص المدد الخاصة بالطعن في النتائج الأولية، بحيث أصبح أمام أصحاب المصلحة يومان لتقديم الطعون، بينما حددت للمحكمة مدة أقصاها خمسة أيام للفصل فيها.

وتهدف هذه الخطوة إلى منع إطالة المسار الانتخابي والحفاظ على الجدول الزمني للاستحقاق، إلا أنها تثير في المقابل تساؤلاً حول مدى كفاية هذه المدد القصيرة لتمكين المتضررين من إعداد طعونهم بصورة دقيقة، وضمان حصول القضاء على الوقت الكافي لدراسة الملفات المعروضة أمامه.

حضور أكبر للشباب والنساء

في المقابل، تحمل بعض التعديلات جوانب إيجابية من زاوية توسيع المشاركة السياسية وتعزيز تمثيل الفئات المختلفة في المؤسسات المنتخبة.

ومن أبرزها تثبيت سن الترشح عند 23 عاماً، وهو ما يفتح المجال أمام شريحة أوسع من الشباب للمشاركة في الحياة التشريعية وصناعة القرار.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في المجتمع الفلسطيني، الذي يشكل الشباب فيه نسبة كبيرة من السكان، بما يجعل حضورهم داخل المؤسسات السياسية أحد عناصر تجديد الحياة العامة وتعزيز المشاركة الديمقراطية.

أما على صعيد تمثيل المرأة، فقد أعاد التشريع تنظيم نظام "الكوتا" داخل القوائم الانتخابية، بحيث تتضمن المراتب الثلاث الأولى امرأة واحدة على الأقل، على أن تتكرر القاعدة ذاتها في كل ثلاثة أسماء لاحقة.

كما أتاح التعديل للقوائم رفع نسبة تمثيل النساء إلى مستويات أعلى من الحد الأدنى الذي يفرضه القانون.

ويُنظر إلى هذه الآلية باعتبارها شكلاً من أشكال التمييز الإيجابي الهادف إلى ضمان تمثيل فعلي للنساء، بدلاً من وضعهن في المراتب الأخيرة من القوائم بما يجعل حضورهن البرلماني محدوداً.

شرط الالتزام السياسي يفتح باباً للجدل

رغم الجوانب التي يمكن اعتبارها إيجابية في التعديلات، فإن بعض الأحكام الجديدة تثير إشكالات تتعلق بحرية المشاركة والتعددية السياسية.

ومن أبرزها اشتراط تقديم المرشح إقراراً خطياً يتضمن التزامه بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية.

ويطرح هذا الشرط سؤالاً أساسياً حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها الشروط السياسية المفروضة على المرشح قبل السماح له بخوض الانتخابات.

فالمادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد حق المواطنين في المشاركة السياسية والترشح دون تمييز أو قيود غير معقولة. ومن هذا المنطلق، قد يرى البعض أن إلزام المرشح مسبقاً بتبني برنامج سياسي محدد يمكن أن يتحول إلى قيد على التعددية الفكرية والسياسية، خصوصاً إذا فُسر الشرط بصورة واسعة.

وتزداد حساسية هذه المسألة في مجتمع متعدد التيارات والاتجاهات، إذ إن الانتخابات يفترض أن تكون وسيلة لتمثيل الاختلاف السياسي، لا أداة لاستبعاد مواقف أو تيارات لا تتبنى البرنامج السياسي ذاته.

ومن هنا، تبدو طريقة تفسير هذا الشرط وتطبيقه من قبل الجهات المختصة أكثر أهمية من النص المجرد ذاته.

نسبة الحسم والتعددية البرلمانية

أما بالنسبة إلى العتبة الانتخابية، فقد حدد التعديل نسبة الحسم عند 1% من الأصوات الصحيحة.

وتُعد هذه النسبة منخفضة نسبياً، وهو ما قد يتيح للقوائم الصغيرة والمستقلة والائتلافات السياسية الناشئة فرصة أكبر للوصول إلى المجلس التشريعي.

ومن زاوية التعددية، يمكن النظر إلى ذلك باعتباره عاملاً إيجابياً، لأنه يقلل من فرص ضياع أصوات الناخبين ويتيح تمثيل شرائح سياسية مختلفة.

لكن انخفاض العتبة الانتخابية قد يحمل في الوقت ذاته تحدياً آخر يتمثل في احتمال زيادة عدد الكتل والقوائم داخل البرلمان، بما قد يؤدي إلى تشتت المشهد التشريعي وصعوبة تشكيل أغلبية مستقرة، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني.

وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق فقط بضمان وصول أكبر عدد ممكن من القوى إلى البرلمان، وإنما أيضاً بقدرة النظام الانتخابي على إنتاج مؤسسة تشريعية قادرة على ممارسة مهامها وتشكيل سلطة سياسية مستقرة.

بين المتطلبات الفنية والضمانات الحقوقية

يمكن قراءة إلغاء القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026 وإصدار التعديلات الجديدة باعتباره محاولة للتعامل مع المتطلبات العملية لإجراء الانتخابات وتجاوز بعض العقبات التي ظهرت في الإطار التشريعي السابق.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذه التعديلات لن يقاس فقط بقدرتها على تنظيم العملية الانتخابية من الناحية الإجرائية، بل بمدى قدرتها على حماية الحقوق السياسية للناخبين والمرشحين.

وهنا تبرز مسؤولية لجنة الانتخابات المركزية في تطبيق النصوص المتعلقة بالترشح بصورة لا تؤدي إلى توسيع القيود على المشاركة السياسية، مع الالتزام بحدود القانون وروحه ومبادئ الحقوق والحريات العامة.

كما أن القضاء الانتخابي سيكون أمام مسؤولية مهمة في حماية الحق في الترشح والانتخاب، ولا سيما عند النظر في الاعتراضات والطعون ذات الطبيعة المستعجلة.

الحاجة إلى ضمانات قضائية واضحة

تتطلب العملية الانتخابية وجود جهة قضائية قادرة على التدخل بصورة فعالة وسريعة عند نشوء أي نزاع بشأن أهلية المرشحين أو نتائج الانتخابات أو الإجراءات التي تتخذها الجهات المشرفة.

ولا ينبغي أن تتحول السرعة المطلوبة لإنجاز الاستحقاق الانتخابي إلى سبب لتقليص ضمانات التقاضي أو الحد من قدرة الأطراف على الدفاع عن حقوقها.

فالعدالة الانتخابية تحتاج إلى معادلة دقيقة تجمع بين سرعة الفصل في النزاعات وبين توفير الوقت والإمكانات اللازمة لدراسة الطعون بصورة جدية.

إصلاح قانون الانتخابات يبدأ بحماية التعددية

في المحصلة، تبدو التعديلات الجديدة محاولة للجمع بين المرونة الإجرائية ومتطلبات إجراء الانتخابات في بيئة فلسطينية معقدة، مع إدخال أحكام تعزز حضور الشباب والنساء في العملية السياسية.

لكن نجاح هذه التجربة سيبقى مرتبطاً بكيفية تطبيق المواد التي تتضمن شروطاً سياسية للترشح، ومدى ضمان عدم استخدامها بطريقة تؤدي إلى إقصاء قوى أو مواقف سياسية من المنافسة الانتخابية.

ومن المهم مستقبلاً أن يواصل المشرع الفلسطيني تطوير قانون الانتخابات على أساس الفصل بين المتطلبات القانونية والإجرائية اللازمة للترشح وبين المواقف السياسية والفكرية للمرشحين، بما يحافظ على التعددية ويعزز الثقة بالعملية الديمقراطية.

فالانتخابات لا تكتسب مشروعيتها من مجرد إجرائها في موعد محدد، وإنما من ضمان أن تكون المنافسة فيها مفتوحة وعادلة، وأن يتمكن المواطن من اختيار ممثليه بحرية، وأن يجد المرشحون أمامهم قواعد واضحة ومتساوية، وأن يكون القضاء قادراً على حماية هذه الحقوق عند حدوث أي نزاع.

وبذلك تصبح المرونة التشريعية وسيلة لتسهيل المشاركة السياسية، لا مدخلاً إلى فرض قيود جديدة عليها.