مطالب الغرب للسلطة الفلسطينية بالإصلاح والانتخابات.. استحقاق وطني أم شرط سياسي؟
الكاتب: السفير حكمت عجوري
يثير تصاعد المطالب الغربية الموجهة إلى السلطة الفلسطينية بشأن الإصلاح السياسي وتجديد الشرعيات وإجراء الانتخابات، أسئلة تتجاوز في جوهرها مسألة الإصلاح الداخلي، لتلامس طبيعة المرحلة السياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال واستمرار الصراع على الأرض.
ولفهم هذه المطالب، لا بد من العودة إلى طبيعة المؤسسات الفلسطينية التي نشأت في سياق الثورة الفلسطينية المعاصرة، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، الذي تأسس عام 1964 باعتباره الهيئة التشريعية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتولى رسم سياسات المنظمة وانتخاب لجنتها التنفيذية وإقرار ميثاقها.
ومع مرور الوقت، أصبح المجلس يضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية والاتحادات الشعبية والنقابات، إلى جانب شخصيات مستقلة من أصحاب الكفاءة والخبرة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إليه باعتباره برلمان الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي انطلقت في منتصف الستينيات بهدف تحرير الأرض الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة عليها.
ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على الدور التمثيلي للمجلس الوطني وعدم اختزال منظمة التحرير في مجرد إطار سياسي أو منظمة تمثيلية، خصوصاً أن المنظمة شكلت تاريخياً الإطار الجامع لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
من تجربة المجلس التشريعي إلى حلم الدولة
كانت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 1996 محطة مهمة في مسار بناء المؤسسات الفلسطينية، وأول تجربة انتخابية تشريعية في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية.
وقد نظر كثيرون آنذاك إلى هذه التجربة باعتبارها خطوة باتجاه بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المنتظرة، خصوصاً في ظل الآمال التي رافقت عملية السلام واتفاق أوسلو، والتوقعات بأن تفضي المفاوضات إلى إعلان الدولة الفلسطينية في نهاية المرحلة الانتقالية.
لكن مسار التسوية سرعان ما اصطدم بتحديات كبيرة، في مقدمتها صعود التيارات اليمينية والمتطرفة داخل إسرائيل، إلى جانب تصاعد العمليات التي نفذتها حماس في تسعينيات القرن الماضي.
وكان اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين عام 1995 نقطة تحول مفصلية، بعدما دفع الصراع السياسي داخل إسرائيل نحو مزيد من التشدد، وأضعف التيار الذي كان يرى في اتفاق أوسلو مدخلاً لإنهاء الصراع عبر المفاوضات.
ومنذ ذلك الحين، تراجعت فرص التسوية السياسية، وعاد الصراع تدريجياً إلى مربع أكثر عنفاً وتعقيداً، فيما توسعت المستوطنات وتعاظمت القيود المفروضة على الفلسطينيين.
الاحتلال والفساد.. مسؤوليتان لا يمكن فصلهما
لا يمكن تجاهل ملف الفساد في النقاش حول الإصلاح الفلسطيني، فهو مطلب أصيل للشعب الفلسطيني قبل أن يكون مطلباً خارجياً.
فالفلسطينيون بحاجة إلى مؤسسات تقوم على الشفافية والمساءلة، وإلى نظام سياسي يحمي المال العام ويضمن استقلال القضاء وفصل السلطات وحرية الرأي والتداول الديمقراطي السلمي للسلطة.
لكن معالجة هذه القضايا لا ينبغي، في الوقت ذاته، أن تتحول إلى وسيلة لتحميل السلطة الفلسطينية وحدها مسؤولية واقع سياسي واقتصادي تشكل في ظل الاحتلال.
لقد نشأت السلطة الفلسطينية في بيئة شديدة التعقيد، وظلت صلاحياتها محدودة ومقيدة بعوامل الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية على الأرض والمعابر والموارد والحركة، الأمر الذي يجعل الحديث عن الإصلاح بمعزل عن إنهاء الاحتلال أمراً يفتقر إلى النظرة الشاملة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يكون مشروعاً فلسطينياً بالدرجة الأولى، لا مجرد استجابة لشروط تضعها حكومات أجنبية.
الإصلاح حق فلسطيني وليس ورقة ضغط
إن الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد واستقلال القضاء وحرية التعبير وفصل السلطات والانتخابات الديمقراطية، كلها مطالب مشروعة للشعب الفلسطيني.
لكن السؤال الجوهري هو: هل ينبغي أن تكون هذه الإصلاحات شرطاً مسبقاً للاعتراف بالدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال؟
في تقديري، هناك فارق كبير بين دعم المجتمع الدولي للإصلاحات الفلسطينية، وهو أمر مطلوب ومرحب به، وبين استخدام هذه الإصلاحات كذريعة لتأجيل الاستحقاق السياسي المتمثل في إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره.
فالدول التي تطالب الفلسطينيين بالإصلاح مطالبة في الوقت نفسه بأن تستخدم نفوذها للضغط على إسرائيل من أجل احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والاعتداءات بحق الفلسطينيين.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس منحة
إن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين لا ينبغي النظر إليه باعتباره منّة من أي دولة، بل باعتباره استحقاقاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً يرتبط بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وبالتأكيد، فإن اتساع دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين يمثل تطوراً مهماً ينبغي البناء عليه، لكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع خطوات عملية لإنهاء الاحتلال وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
وتملك الدول الغربية، التي تمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية واسعة، القدرة على ممارسة ضغط أكثر فاعلية على إسرائيل، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة أو الدعوات العامة إلى ضبط النفس.
وتقدم تجربة جنوب أفريقيا مثالاً تاريخياً على أن مواجهة أنظمة التمييز العنصري لم تعتمد فقط على الإدانات السياسية، وإنما ارتبطت أيضاً بعقوبات وضغوط دولية ساهمت في تغيير موازين القوى.
ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع الدولي قادر، إذا توافرت الإرادة السياسية، على استخدام الأدوات المتاحة لديه لدفع إسرائيل نحو احترام القانون الدولي وإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية.
الانتخابات تحت الاحتلال
لا خلاف على أن الانتخابات تمثل حقاً ديمقراطياً أصيلاً للشعب الفلسطيني، وأن تجديد الشرعيات ضرورة لبناء نظام سياسي أكثر تمثيلاً.
لكن إجراء انتخابات فلسطينية في ظل الاحتلال يواجه عقبات عملية وسياسية كبيرة، أبرزها السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، والقيود على الحركة، والوضع الخاص لمدينة القدس، فضلاً عن إمكانية اعتقال أو ملاحقة أشخاص ينتخبهم الشعب الفلسطيني.
وهنا يصبح السؤال ليس فقط: هل يريد الفلسطينيون الانتخابات؟ بل أيضاً: هل يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل الاحتلال، وهل تستطيع المؤسسات المنتخبة ممارسة صلاحياتها وحماية أعضائها وتنفيذ القرارات التي يصدرها الشعب؟
لذلك، فإن الانتخابات يجب أن تكون جزءاً من عملية بناء الدولة الفلسطينية، لا بديلاً عن إنهاء الاحتلال.
المجلس الوطني والحفاظ على التمثيل الفلسطيني
ومن بين الملفات التي تتطلب حذراً خاصاً مسألة تجديد شرعية المجلس الوطني الفلسطيني.
فالمجلس، بحكم نشأته وتكوينه التاريخي، لم يكن مجرد هيئة منتخبة بالمعنى التقليدي، بل مثّل مختلف الفصائل والقوى والاتحادات والشخصيات الفلسطينية، وشكل مظلة سياسية جامعة للشعب الفلسطيني.
ولهذا، فإن أي إصلاح للمجلس أو إعادة تشكيله ينبغي أن يحافظ على طبيعته التمثيلية، وألا يؤدي إلى إقصاء مكونات فلسطينية أو تحويل منظمة التحرير إلى إطار ضيق لا يعكس التنوع السياسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.
والتجديد لا يعني بالضرورة الهدم أو القطيعة مع التاريخ، بل يمكن أن يكون مدخلاً لتطوير المؤسسات بما يضمن تمثيلاً أكثر عدالة وفاعلية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة لمنظمة التحرير
الإصلاح يبدأ من الداخل وينتهي بالدولة
لا ينبغي للفلسطينيين أن يرفضوا الإصلاح بحجة الاحتلال، كما لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يستخدم الاحتلال ذريعة لتأجيل الإصلاح.
المطلوب هو مساران متوازيان: إصلاح فلسطيني حقيقي يستجيب لمطالب الشعب، ومسار دولي جاد ينهي الاحتلال ويضمن قيام الدولة الفلسطينية.
فلا يمكن بناء ديمقراطية فلسطينية مكتملة السيادة في ظل احتلال يتحكم في الأرض والحركة والموارد، كما لا يمكن بناء دولة فلسطينية قوية من دون مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة.
ومن هنا، فإن الإصلاح يجب أن يكون مشروعاً وطنياً فلسطينياً، يشارك فيه الشعب ويقرر مساره، لا وصفة خارجية تفرض عليه من أجل استرضاء طرف آخر.
وفي النهاية، فإن القضية ليست في رفض الانتخابات أو الإصلاح، بل في ترتيب الأولويات وفهم السياق الذي تجري فيه هذه المطالب.
فالفلسطينيون هم أول من يحتاج إلى الحكم الرشيد والانتخابات والشفافية والمساءلة، لكن هذه الاستحقاقات يجب أن تخدم مشروع بناء الدولة لا أن تتحول إلى شروط تؤجل قيامها.
وعندما يمتلك الشعب الفلسطيني دولة مستقلة ذات سيادة، وقادراً على حماية مؤسساته المنتخبة ودستوره وممثليه، تصبح الانتخابات التشريعية والرئاسية استحقاقاً وطنياً ودستورياً وأخلاقياً لا جدال حوله.
أما في ظل الاحتلال، فإن أي عملية إصلاح أو انتخاب ستظل معرضة للتدخل والإعاقة، ما يجعل الأولوية الموازية هي إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من ممارسة سيادتهم على أرضهم، وبناء دولة ديمقراطية قادرة على حماية مؤسساتها ومواطنيها.



