حين يصبح الحر والبرد وجعاً للأمهات

حين يصبح الحر والبرد وجعاً للأمهات

المؤشر 03-08-2026 

ريمان أبو الرب

منذ أكثر من ثلاث سنوات ووالدتي الطيبة تحرم نفسها من استخدام أي وسيلة تدفىة أو تكييف، وكلما سألتها عن السبب لم تكن تجيب، بل تنهمر دموعها بحرقة، وكأنني فتحت جرحاً قديماً لم يلتئم.

كنت أعرف السبب لكنني أريد أن أسمعه منها لعلها تخفف عن نفسها وتخرج ما يعتصر قلبها الحزين، لكنها ككل أم عنيدة، لا تحب أن تشارك أبناءها حزنها وألمها.

لكن هذه المرة، ومع اشتداد الحر وارتفاع درجات الحرارة، طلبت منها مراراً أن تشغل المكيف خوفاً عليها وعلى صحتها، وما أن كررت طلبي حتى أنفجرت بالبكاء كطفل صغير أضاع والدته وفقد الأمان.

أمي تبكي منذ أكثر من ثلاث سنوات على أخي العزيز، المعتقل لدى قوات الإحتلال الإسرائيلي، انها المرة الثالثة التي يعتقل فيها، لكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها.

أشعر أن ظهر أمي قد أنكسر، فمنذ اكثر من ثلاثة أعوام لم تراه، أو تسمع صوته.فكيف لها أن تعيش وهو وحيدها من الذكور؟؟؟

كيف لأمي أن تشعر بالدفء وهي تعلم أن أخي يرتجف برداً وبالكاد يجد ما يرتديه؟؟وكيف لها أن تشغل جهاز التكييف وهي تعلم أن أشد ما يؤذي أخي هو الحر؟؟؟

كانت تررد دائماً "كيف بدبر أموره بهيك شوب؟؟كان وهوعندي طول النهار مشغل المكيف".

أنظر اليها، فأرى في عينيها كل أوجاع وهموم الدنيا.ما عرفتها يوما إلا امراة عصماء صابرة، كافحت وتعبت هي ووالدي العزيز حتى رأت أبنائها يكبرون أمامها.

شعور العجز يلازمني وأخجل من دموع أمي وليس بوسعي أن أفعل شيئاً سوى الدعاء لها براحة البال، ولأخي أن يفك الله أسره قريباً، وأن يعينه ويعين إخوانه الأسرى على ما يلاقونه من معاناة.

هناك أمهات لا يعشن الألم بالكلمات، بل يحولنه إلى تفاصيل يومية،إلى شتاءٍ بلا مدفأة، وصيفٍ بلا مكيف، لأن قلوبهن ترفض أن تنعم بالدفء أوالراحة، بينما فلذات أكبادهن يقاسون البرد والحر خلف القضبان. فالأم لا تتألم وحدها، بل تعيش معاناة أبناىها بكل تفاصيلها ، حتى يعود الغائب إلى حضنها، ويعود معها الدفء إلى البيت والقلب.