الذكاء الاصطناعي يقتحم أحد أبرز مستشفيات العالم.. والنتائج قد تغيّر الطب
المؤشر 18-07-2026 يشهد قطاع الرعاية الصحية في أميركا تحولاً متسارعاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل السجلات الطبية، ودعم التشخيص، والكشف المبكر عن الأمراض، وفي مقدمة المؤسسات التي تختبر هذه التقنيات، تستخدم مايو كلينك نحو 150 نموذجاً للذكاء الاصطناعي بهدف تحسين رعاية المرضى وتوفير وقت الأطباء.
قد يتطلب الاستعداد لمقابلة مريض من طبيب الباطنة في مايو كلينك، ألكسندر ريو، فرز عشرات أو حتى مئات الصفحات من السجلات الطبية، لكن أداة جديدة للذكاء الاصطناعي تساعده على تحليل هذه السجلات بسرعة أكبر، وتلخيص المعلومات المهمة وترتيبها زمنياً، ما يتيح له قضاء وقت أطول مع المرضى.
ويزور كثير من المرضى العيادة الشهيرة بحثاً عن رأي ثالث أو رابع، حاملين معهم مستندات غير مرتبة من أنظمة صحية خارجية، وتساعد أداة جديدة للذكاء الاصطناعي الأطباء على تحليل السجلات بسرعة أكبر، من خلال إعداد ملخصات ذات صلة بحالة المريض، وترتيب المستندات زمنياً، وتسهيل البحث فيها.
وقال ريو إن الأداة، التي تحمل اسم «ريكورد تايم»، يمكن أن توفر له بين 5 و30 دقيقة من وقت التحضير لكل زيارة، بحسب تعقيد الحالة، ويمكنه بدلاً من ذلك قضاء هذا الوقت مع المريض وجهاً لوجه، كما تساعده الأداة على ضمان عدم إغفال تفاصيل مهمة قد تكون مدفونة في الملف، وربما تؤثر في توصيات العلاج والفحوص.
الابتكار في الطب
وقال ريو، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الابتكار في قسم الطب بمايو كلينك: «نتلقى كماً هائلاً من هذه السجلات، عشرات الملايين من الصفحات كل عام، وكنا بحاجة إلى وسيلة للعثور على المعلومات المهمة فيها».
وساعد طبيب مايو كلينك ألكسندر ريو في تطوير نظام للذكاء الاصطناعي لتحسين استعداد الأطباء لزيارات المرضى.
وتُعد التطبيقات المرتبطة بالصحة من بين أكثر المجالات الواعدة للابتكار في الذكاء الاصطناعي، فقد أطلقت غوغل وأوبن إيه آي وأنثروبيك وغيرها ميزات لمساعدات صحية تعتمد على روبوتات المحادثة، فيما يلجأ عشرات الملايين من الأشخاص إلى الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلة متعلقة بالصحة.
كما يطلق قادة وادي السيليكون وعوداً كبيرة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على علاج السرطان وأمراض أخرى، رغم أن هذه التصريحات تبدو أحياناً أقرب إلى العروض التسويقية، في ظل تركيز كبرى شركات القطاع بدرجة كبيرة على تطبيقات أخرى للمستهلكين والشركات.
لكن «ريكورد تايم» ليست سوى إحدى الطرق التي تستخدم بها مايو كلينك، إحدى أشهر المنظومات الاستشفائية في العالم، الذكاء الاصطناعي أملاً في تحسين رعاية المرضى، وإنقاذ الأرواح في نهاية المطاف، وتتعاون المستشفى مع شركات مثل مايكروسوفت وسكيل إيه آي للاستفادة من الكم الهائل من سجلات المرضى والأبحاث لديها في تطوير أدوات للذكاء الاصطناعي.
ويوجد حالياً نحو 150 نموذجاً للذكاء الاصطناعي قيد الاستخدام داخل المستشفى، وفقاً للدكتور ماثيو كالمستروم، اختصاصي الأشعة والمدير الطبي لبرنامج الذكاء الاصطناعي التوليدي في مايو كلينك.
قد يغير حياة المرضى
قال جيسون دروج، الرئيس التنفيذي لشركة سكيل إيه آي، التي تعاونت مع مايو كلينك لتطوير «ريكورد تايم»، إن جزءاً من أسباب فائدة الذكاء الاصطناعي في الصحة والطب يتمثل في تفوق التكنولوجيا في تحديد الأنماط ضمن كميات هائلة من البيانات.
وأضاف: «يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى كثيراً من العمل الممل الذي يقوم به أطباء متخصصون للغاية أو متخصصون طبيون، لتسريع العملية والوصول إلى تشخيصات أكثر دقة في وقت أسرع، حتى تتمكن من علاج عدد أكبر من الأشخاص».
وتابع: «هذا قطاع يعتمد كثيراً على ما يقوم به الأطباء والممرضون وغيرهم من التعرف على الأنماط».
وقال كالمستروم لشبكة «سي إن إن» إنه اقتنع بإمكانات الذكاء الاصطناعي في عام 2016، عندما رأى كيف يمكن للتكنولوجيا مساعدة أطباء الأشعة على تحديد مؤشرات دقيقة ومبكرة للسرطان في الصور الطبية.
وتجري مايو كلينك حالياً تجربة سريرية لاختبار ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع المساعدة في تحديد المرضى المعرضين لخطر الإصابة بسرطان البنكرياس أو المصابين بمراحله المبكرة، وهو تطبيق قالت المستشفى إنه قد يكتشف المرض قبل سنوات من التشخيص المعتاد.
وغالباً ما يُكتشف سرطان البنكرياس بعد وصوله إلى مراحل متقدمة، إذ يكون قد انتشر إلى مناطق أخرى من الجسم، وفي هذه المرحلة لا تتجاوز نسبة المرضى الذين يبقون على قيد الحياة بعد خمس سنوات نحو 9%، وفقاً لكالمستروم.
كما استخدمت المستشفى الذكاء الاصطناعي بنجاح لتحليل نظم القلب لدى المرضى، بهدف تحديد ما إذا كان الشخص قد يصاب بالرجفان الأذيني، وهي حالة يمكن أن تسبب جلطات دموية وسكتات دماغية.
وقال كالمستروم: «بالنسبة إلى المرضى الذين تكتشف حالتهم وتُحدد، يمكن أن يغير ذلك حياتهم بشكل كبير».
الموازنة بين السرعة والثقة
لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، تجمع مايو كلينك بين خبراء التكنولوجيا والأطباء أو المتخصصين السريريين لتحديد المشكلات الطبية التي تحتاج إلى حلول، ويتمثل جزء كبير من مهمة كالمستروم في ضمان دقة أدوات الذكاء الاصطناعي في مايو كلينك، وثقة المرضى والأطباء بها.
وقال إن أدوات الذكاء الاصطناعي تخضع لعملية مماثلة للتجارب السريرية، ففي البداية تُختبر على مجموعة صغيرة من المرضى تحت إشراف الأطباء، ثم يُقاس أداؤها، قبل توسيع الاختبارات لتشمل مجموعة أكبر من السكان.
وبعد طرح الأداة على نطاق واسع، تواصل مايو كلينك مراقبة مدى فعاليتها.
وقال كالمستروم: «من جانب الأطباء... نحن متشككون إلى حد كبير، نمنحهم خيار تجربة أداة جديدة للذكاء الاصطناعي، وإذا أعجبتهم يستخدمونها، وإذا لم يرغبوا في استخدامها، فلا يتعين عليهم ذلك، وأفضل مقياس لمدى نجاحنا هو معدل التبني».
وقال كالمستروم إن العاملين يطرحون عليه أيضاً أسئلة متكررة بشأن تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على الوظائف، وحتى الآن لم تختفِ الوظائف، بحسب قوله، لكنها تتغير.
فعلى سبيل المثال، ساعد فريق التمريض في المستشفى على تطوير نظام للذكاء الاصطناعي يستمع إلى الزيارات الطبية ويدوّن ملاحظاتها، وقد يؤدي ذلك إلى خفض الوقت الذي يقضيه أفراد التمريض في كتابة تفاصيل هذه الزيارات إلى النصف، بعدما كان يتجاوز ساعة يومياً.
وقال كالمستروم: «ما يفعله هذا النظام هو إتاحة مزيد من الوقت لهم للتحدث مع المرضى».
ويرى دروج من سكيل إيه آي أن قطاع الرعاية الصحية لا يزال في بداية إدراك الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي، لكنه قال إن سرعة التبني لا ينبغي بالضرورة أن تكون الأولوية القصوى.
وأضاف: «أعتقد أن التنبؤات التي تقول إن كل شيء سيُحل خلال عام أو عامين طموحة بشكل مبالغ فيه، جودة الرعاية هي المعيار، ثم تأتي السرعة... ففي الرعاية الصحية تريد أن تصل إلى النتيجة الصحيحة بأسرع ما يمكن».



